في مجموعة «لن أطوي عمري على مغزل»: سيمياء الشعر والرؤية الجمالية

2023-03-07

منال أحمد

في خطاب الشاعر والروائي جان كوكتو عن ضرورة الفن والأدب، حيث أشار في سياق حديثه إلى الشعر بصفته ضرورة، فتبعه بعد ذلك الفنان الهولندي بيت موندريان، الذي يرى أنَّ «الفنّ تعويض عادل عن عدم التوازن في الواقع، مؤكداً أنّ الفن سيختفي عندما تصل الحياة إلى درجه أعلى من التوازن». فالفن بديل للحياة غير المتوازية لأنّه بإيجاز ينظّم التوازن بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه.

وإذا ما سألنا أنفسنا مرّة لماذا يرى الشاعر وجوده في الفن والأدب والمعرفة، وكأنّه بهذا ينغمس في عالم الموسيقى أو المسرح أو في لوحة بمقاييسها الجمالية أو في الشعر، حتى إنّه يرى نفسه جزءاً من منظومة فكرية يكتنز بمحمولاتها إذا ما شعر بنقص معيّن في قاموسه العتيد، ولن تكتمل ذاته الفردانية المنعزلة إلّا في وجود هذا الفن الشعري الرفيع المتنامي بكلِّ تحوّلاته، من هنا تنطلق شعرية كريم ناصر كحقيقة موازية لتاريخه المجيد وكفاحه لتحرير نفسه من ربقة الميتافيزيقية التي يروّج لها شعراء من جيله، وهو أقصى ما يقوم به جاهداً للخروج من فردانيته إلى كلّية تطمر هذه الجزئية الضيّقة، سعياً منه إلى اكتشاف عالم أكثر عدلاً وإنسانية ونظاماً ومعرفة، وإلى جانب ذلك يكدح الشاعر كريم ناصر مكافحاً النزعات السوداوية للخروج من قيود الأنا المكبّلة ونظرته العميقة إليها منذ الصغر، ليحتوي العالم بكلتا يديه، رابطاً حينئذ أناه الفردية بالمجموعة، والإنسان في جوهره لا يمكن أن يكون كائناً منعزلاً عن ذاته، لأنّه في هذه الحال قد يصبح بلا مضمون ولا معنى، فهذه الخاصية دلالة على اكتماله الوجودي كفرد مثقف بامتياز، من هنا فقد أضفت التجارب العالمية شيئاً من بريقها على شعره، فنهل من ينابيعها العذبة واستقى من فراديسها عمقها الشعري، وبهذا تلاقحت ثقافته الشعرية بثقافات عالمية استمد منها وميض جوهرها الإنساني.

والذي يبحث عن الدلالة في سياق الشعرية في المجموعة «لن أطوي عمري على مغزل» لا يمكن أن يكتشفها إلّا في قراءة سيميائية واسعة الثقافة، بالاعتماد على وجدانه الشعري المرهف، لأنّه يجد نفسه أمام عالم شاسع لا حدود له، وأبرز تجسّدات تلك المتعة التي ينتجها الشاعر في جوهر وجوده هي العاطفة الإنسانية، وهذا ما يغلّب المجموعة على غيرها لقوة تأثيرها المباشر في واقعه، فيجد الشاعر في الفن الشعري تلك الحياه السعيدة والأمل لصنع نهضة مجتمع جديد، فالفن الشعري كونٌ فسيح يصنعه عقل واع والشاعر الفنان هنا ثائر ملهم يخلق صورة جديدة يخاطب فيها كينونته ليخضعها لسيطرته .

لو تتبّعنا أشعار كريم ناصر سنكتشف أنَّ ثمّة حرفة شعرية تكاد تصنع ثقافة عميقة مغايرة ولغة جديدة في بناء الجملة الشعرية، نتيجة ذاكرة مخزّنة بالتجارب، فترويضه للأشكال الشعرية والقواعد والكلمات لم يأت من العدم، والحق أنَّ أسلوبه الفني المتفرّد جعله في الأصل يُنشئ مدرسة خاصة به تحمل طابعاً فريداً يمكن أن نطلق عليها تسمية (المدرسة الناصرية) فالفن الشعري أصبح خلقاً بين يدي هذا الشاعر الفذّ والقصيدة عنده ليست انفعالاً عاطفياً، بل هي رؤية فنية تُختزل فيها لذّة البحث عن المعنى المتواري في العمق ما يجعل القارئ يعيش صدمة التغيير في كلّ قراءة دلالية للقصيدة، هكذا شعلة كريم ناصر كشعلة بروميثيوس، التي تفجّر الحياة بخيوطها الذهبية وتنمّق الواقع بتفاصيل جاذبة، فالسحر الذي يضفيه على قصائده تحضّ القارئ على البحث في معانيها ليكتشف قارة بكاملها..

إنَّ الشاعر يوحي في كثير من قصائده بحداثة تناقض الشكل التقليدي الجامد، فيعلن عصيانه على مستوياته الهشّة، ليبني مملكته المتوهّجة من رؤاه ومن فلسفته ومن خياله الجامح، إذ إنَّ المتعة الجمالية الكامنة في كلِّ سطرٍ شعريّ تجعلنا نعيد كلّ قراءة مرّات عديده لفهم المغزى المتجذّر في كلِّ عبارة، فالأداء اللغوي القوي في تراكيب الصور المتفجّرة مكّنهُ من اكتساب جاذبية شعرية وكاريزما تسمو به إلى سماء غير محدودة الآفاق، والواقع أنَّ شهيته للكتابة تثري هواجسه ووجدانه الثوري، وتحضّه على توظيف الكلمات في سياقها الصحيح كأيِّ شاعر محترف يختار ما يناسب المسألة الجمالية نتيجة معرفته الواعية بأسرار اللغة وعلومها.. والشاعر قادر من حيث المبدأ على حرث أرضه بأيّ فأس لتوسيع تجربته في خلق لولب حلزوني يمسك بتلابيبه، وليس شرطاً أن يعول على ظروف معينة لخلق الكتابة الشعرية التي يمكن أن تربك أدواته وتقيّد موضوعاته وانطلاقته الحميمة، لأنه لا يبحث في الحقيقة عن أشكال سحرية لاستنطاقها، بل يحاول الغوص في أعماق البحر الشعري ليضع ماسته في قعره كيما يحثّ القارئ عن مكان وجودها ليقوم بتأويلها:

«لا تهزُّ الريحُ النخلة

أيّ ريح،

كم استهانَ الأسدُ بها وصدّقَ زئيره»

يقول نوفاليس، «لابد من إضفاء الرومانسية على العالم بأسره، فبذلك نكتشف المغزى الأصلي للكائنات مرّة أخرى: بإضفاء مغزى سام على المألوف من الأشياء، بإضفاء مظهر غامض على الأشياء العادية، وإضفاء كبرياء المجهول على المعلوم، ولاسيما غير المحدود على المحدود، وإذا كنا لا نرى أنفسنا نعيش على عالم الأحلام، فإنما مرجع ذلك إلى ضعف أعضائنا وحواسنا».

وإذن فإنَّ التيار النوفاليسي يسري في أعطاف قصائد الديوان ويطابق تطوّر رؤية الشاعر وخياله الرومانسي الذي ينبثق في حقيقته من هذا المفهوم ليغدو أبرز مقومات شعره.

بعد هذا كلّه نجد أنَّ سعه الاطلاع ورحابة الأفق في بناء الصورة الشعرية توحيان إلى تقنية عالية متطورة ترفل في ثوبها القشيب الجديد، وملكة وجدانية تمكّنه من ابتداع مآثر لا تقبل تلك المظاهر المألوفة، بل يحاول انتزاع ما هو كامن في أعماق اللغة المنسابة لإخراجه إلى العلن بأشكال مغايرة في حركة جدلية دائمة لا تقبل الثبات، ولا تنفصل عن موضوعها الأساس، وهذا ما يحرّض القارئ في كلِّ مرة على الإمساك بالدلالات الشعرية، سنلاحظ هذا الأنموذج لاسيما في قصيدة (لا أغازل القمر لأنّك الشمس):

«لا يعادلُ الزئبقُ ماءَ الذهب،

ولا يروّعني البحر،

لقد أترعني ماءُ قلبك الزاكي»

وفي هذا المقطع المثقّف أيضاً:

«لا تحتاجُ الفتوّةُ إلى رشفةِ النور

سيغرّدُ الطائرُ وينقرُ خدّك

كم رششتُ الماءَ لألهوَ بنهدك

كأنّه يغورُ في قاعِ خارطة».

ولذلك لا نشكّ في متانة صياغته الشعرية والنسيج المتماسك في سردياته حتى لو انزلقت المعاني من عقالها العاصف، لكنّها «تفتح ثغرات في الأسوار لتحطّم الحواجز» كما يقول رامبو، وتنسرح شلالات من المعاني المتعدّدة يقف عندها القارئ محاولاً أن يمسك بالمعنى المنزلق في كلّ مرة، فتتبدّل الصورة إلى شكل شعري يقاوم إغراءات اللغة نتيجة لجوئه إلى عملية التقديم والتأخير حتى تغدو قصائده بحراً لكلِّ من يضع فيه قدمه مغامراً لتدريب عقله. كلّ جملة شعرية تبقى عالماً مخترقاً جداراً أصمّ لقربها من صميم المتلقي الذي يتنفّس من رئة الشاعر، وهنا يرتفع الصوت الشعري ليخلق لغة متفجّرة مكثّفة قادرة على خلق مدرسة خاصة به، أي لغة تكشف عن ثائر كامن في وعيه يمنطق التعابير البلاغية، لتصنع ثورة شعرية كشكل من أشكال الوجود وليس شكلاً تعبيرياً يسعى إلى النمذجة الأكاديمية، فالجوهري في الفكر الشعري هو الإدراك الذي يسعى إلى التطوّر في ضوء رؤية حضارية حداثية، فلا يسعى الشاعر كريم ناصر إلى التنظير والتنميط والنمذجة، قدر ما يسعى إلى خلق رؤية جديدة بمفهوماتها الرؤيوية، بتوجيه من ذاتية مشبّعة بأفق معرفي، فمدلولاته الشعرية تنطلق من عمق العلمية الإبداعية التي تلخّص تاريخه الشعري، ومن لغته التي تنمو باطّراد نتيجة حرفة/ دربة تكاد تكون المعيار في تجربته الخاصة، هكذا أنَّ سيمياء الشعر في ضوء الرؤية الجمالية في مجموعة «لن أطوي عمري على مغزل» أشبه بمقاطع هايكو تطوي في مغزاها صوراً يحار بها العقل فتحيل على لغز يُنبت في العقل الباطن الكامن وراء كلّ معنى:

«لا أقطعُ الشمسَ ولا الصحراء

لا أتّكئُ على أيكةٍ تخونُ صخرة»

كاتبة من سلطنة عمان








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي