السينما العربية ورصد صراع الهوية في القدس

2023-02-25

عفاف خلف

أول ما قفز إلى ذهني أنه لا سينما في القدس، ففلسطين الأرض التي لم تعرف الرواية، إلا في ثلاثينيات القرن المنصرم، من أين لها بسينما، بناؤها وحجارة عمارتها الرواية! وبهذا أثار الكتاب فضولي «السينما العربية وصراع الهوية بالقدس» الصادر عن دار ومضة في الجزائر، فما الذي ستحكيه القدس عن السينما، أو ما الذي سترويه السينما عنها، والسؤال الأخير كان جوهر القضية. لنعد إلى البدايات، في كتابه أشار الباحث والكاتب عبد الله الحيمر إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للقدس «فلسطين» لم يتم في عام 1948، ولا عند حصول الصهاينة على وعد بلفور، بل حدث الاحتلال قبل ذلك بكثير، لقد تم الاحتلال في الوهم والأساطير التي «حُشي» بها الغرب حشياً من أجل إخراج هذا «الوطن اليهودي» إلى الوجود، وفي التمهيد البصري والذهني لمقولة «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض». لقد اهتم المخرجون السينمائيون بالمدينة المقدسة، وكانت موضوعاً للعديد من أفلامهم، رغم أن فلسطين والفلسطينيين لم يكونوا على علمٍ بالسينما، ولا بالدور الاستعماري، الذي مورس ضدهم ومنذ وقتٍ مبكر، وفقاً للكاتب فإن أولى الأفلام التي التقطت لأرضنا قام فيها السيد الكسندر بروميو لصالح شركة لوميير الفرنسية التي يعمل من أجلها، وبقليل من التحليل البصري/ الذهني، ستبدو تلك الأرض القاحلة، الصخرية، والجافة والتي يعوزها «شعبٌ» يعمّرها، ظاهرة للعيان! ولا لبس في مدى صحة الأمر، ولا غموض، «فالصورة أكبر برهان» أو كما يقول المثل لا تصدق ما تسمع، وصدق نصف ما تراه، لكن في عالم الميديا الصورة برهان كاف ورسالة نمرر عبرها ما نشاء، والأفلام والصور التي تم توثيقها من قبل شركة لوميير – وما زالت في الأرشيف الوطني لفرنسا وللدول المهتمة بعلم السينما، كونها تمثّل أول عهدٍ للفيلم السينمائي – على سبيل المثال لا الحصر. وهذا يذكره المخرج والباحث السينمائي جورج خليفي في أحد كتبه: «إن فلسطين شكلت عامل جذب واستقطاب كبيرين بالنسبة لصانعي الأفلام الغربية في مطلع العشرينيات أيضا، لم يكن الأمر يتعلق بفلسطين، في أي شكل، لكنه أتى لخدمة الجمهور المسيحي، الذي يتوق لرؤية الأماكن المقدسة ويتبع إثر المسيح، بل إن الفلسطينيين ذاتهم كانوا مجردين من ذاتيهم، داخل اللقطات التي صورت الطبيعة في فلسطين ومعالمها الدينية المسيحية. وفي الوقت الذي بدأ فيه الفلسطينيون بالتعرف على السينما كتقنية جديدة، كانت صورهم تعرض في أفلام إثر إنتاجها داخل فلسطين، لكن دون أن يسمع فيها صوت فلسطيني واحد، إذ بقي الفلسطينيون مجرد خلفية للحدث الرئيس، وهو المستوطنات اليهودية التي أخذت على عاتقها مشروعها الثقافي هناك.»

والكتاب رحلة معرفية تضع القارئ والباحث أمام دراسة أنطولوجية سينمائية للأفلام الفلسطينية الحديثة، سواء القصيرة أو الطويلة في مدينة القدس. كما يتطرق الكتاب إلى تاريخ السينما الفلسطينية في القدس منذ سنة 1935 وصولا إلى سنة 1965، حيث جاءت السينما الفلسطينية كسلاح «مقاومة» نتيجة حالة الشتات، وتأسيس كيان سياسي يتبنى مشروعاً سينمائياً، وتحقق ذلك بقرار منظمة التحرير الفلسطينية التي دعمت مشاريع سينمائية، لتقدم رواية بديلة للرواية التي حاولت إسرائيل تقديمها عن الشعب الفلسطيني لفترة طويلة، خاصةً من خلال إنكار الوجود الفلسطيني، ومحاولة تصوير الجيش الفلسطيني بمظهر الضعيف والمستسلم و«شعب دون أرض» ومن خلال إخفاء الكمّ الكبير من الصور والأفلام التي تروي «بطولات» الشعب الفلسطيني.

إن الإسكات «البصري» للأرض كان مخططاً مدروساً، ليرسخ في أذهان المتلقين أن الأرض بحاجة لمن يعمّرها، الأمر الذي يتماهى والفكر الاستعماري الأوروبي في أوج حملاته الاستعمارية للشرق وتقسيم تركة الدولة العثمانية. استشهد الكاتب بمقولة المفكر العربي عبد الوهاب المسيري في موسوعته «اليهود واليهودية»: «تشكل الرؤية الصهيونية الحلولية للتاريخ، خريطة الصهاينة الإدراكية. فهم لا يمكنهم رؤية حقوق الآخرين، إذ كيف يمكن لشعب مقدس، بل ومتأله أن يدرك هذه الحقوق. وهم يرون أن احتلالهم فلسطين ليس اغتصاباً، وقيامهم بذبح الفلسطينيين هو مجرد دفاع عن النفس، وعن الحقوق اليهودية المطلقة لشعب مقدس يعود إلى أرضه المقدسة. وهكذا يختفي عنف الصهاينة ودمويتهم وراء ستار القداسة والحلول الإلهي».

الكتاب يغوص في فك شيفرة الآلة الإعلامية الصهيونية، ويفضح أساليب السينما الاحتلالية في الكيان الإسرائيلي، وطبيعة الخطاب السينمائي ومضمونه بشقيه الديني والمعرفي، ومحتواه الذي ينتج ويشكل الشخصية الإسرائيلية، وموقفها تجاه مدينة القدس وتاريخها العربي الإسلامي والمسيحي والإنساني عموماً. كما يقدم قراءة معاكسة للمرجعية السينمائية والتاريخية لمشروع السينما الإسرائيلية (سينما أبطال التوراة /سينما المستوطنين/ سينما إسرائيل المحتلة) وعلاقتها بمدينة القدس. بترسيخها لفكرة «أرض بلا شعب» في ذهنية المتلقي الغربي، وأكثر إذ عمدت إلى إخراج التوراة من حيز «المقدس» إلى حيز العمل السينمائي البصري، لتشكل بذلك أسطورة «الأحقية» التاريخية لليهود في فلسطين، فمنذ عام 1897، بدأت هوليوود تنتج أفلاما مأخوذة من العهد القديم، وكان أبرز هذه الأفلام، الفيلم الروائي الطويل «حياة اليهود في أرض الميعاد» إخراج يعقوب بن دوف عام 1912. وفي عام 1913 ظهر فيلم ضخم هو «جوديت من بوتليا» أخرجه دافيد صريفت، تبعه فيلم «التائهة» إخراج راؤول رالش عام 1925، وتوالت الأفلام وظلت الرواية الصهيونية هي الرواية الهوليوودية المهيمنة والمسيطرة في الفضاء السينمائي.

استطاعت الصهيونية وعبر أفلام عديدة تتناول القدس والأرض المقدسة، من تكريس «وجودها» في الحيز التاريخي للأرض، لاغيةً أكثر من ستة آلاف عام من تاريخ هذه الأرض، فالقدس التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، والتي شُيدت بأيدي اليبوسيين وتتابعت عليها الأمم والحضارات، وظلت حجارة أبنائها قائمةً ما بقوا «أٌسكتت» ليطفو على سطحها لصوص التاريخ والجغرافيا، ويستشهد الكاتب بأقوال كل من المؤرخ كيث ويتلام في كتابه «اختلاق إسرائيل القديمة إسكات التاريخ الفلسطيني» إن إسرائيل ليست سوى كينونة في الزمان الفلسطيني الكاسح» وبالمؤرخ البريطاني هربرت جورج ويلز، الذي يذهب في كتابه «موجز التاريخ» إلى أبعد من ذلك حين يقول في سخرية مرة: «كانت حياة العبرانيين في فلسطين تشبه حياة رجل يصر على الإقامة وسط طريق مزدحم، فتدوسه الحافلات والشاحنات باستمرار، وفي النهاية لم تكن مملكتهم سوى حادث طارئ في تاريخ مصر وسوريا وأشور وفينيقيا، ذلك التاريخ الذي يفوق كثيرا في عراقته وعظمته تاريخهم». ورغم ذلك ظلت الآلة الإعلامية الصهيونية الضخمة هي الناطق الحصري والوحيد للتعريف بالمنطقة وسكانها، وظل التاريخ الفلسطيني مغيباً.

ففي عام 1966 تم إنتاج فيلم «التوراة» لجون هوستون، هذا الفيلم الذي تحدث عن التعاليم اليهودية وقصص الآباء، يعتبر واحداً من أهم الأفلام التي مهدت عن طريق الدين والأساطير للتوسع الإسرائيلي عام 1967، فهو لا يتوقف من منتصفه حتى نهايته، أي زُهاء تسعين دقيقة إلا عند إبراهيم، ليؤكد في ذهن المشاهد تارة بالتصريح، وتارة بالتلميح أن إسماعيل هو أبو العرب ومن نسل العبيد، لأنه من أم أمة (هاجر) وأن إسحق هو أبو اليهود ومن نسل السادة لأنه من أم أميرة (سارة) وأن أرض إسرائيل تمتد من الفرات إلى النيل وفقاُ للوعد الإلهي.

يشير الباحث البريطاني كيث وايتلام إلى «أن ما يحدث الآن من قبل الصهاينة هو إبراز مملكة إسرائيل الصغيرة، الخاطفة في التاريخ، كما لو كانت مملكة إسرائيلية عظمى، رغم أنها لم تكن إلا لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة». ويقدم الإسرائيليون، في برامج السياحة تاريخ القدس بعمر 3000 عام فقط كتاريخ يهودي، متناسين الـ 2000 عام التي سبقت قيام مملكة داود (عليه السلام) التي وجد فيها العرب منذ عام 3000 ق.م، ومتناسين ما مرّ على هذه الأرض من حضارات وأمم تلت وجودهم! وأيضاً لم تتوقف الآلة الصهيونية عن نشر أكاذيبها وتسميم العقل الغربي قبل الشرقي، وفرض «رؤيتها» المشبعة بالعنصرية ضد الشرق عموماً والعرب خصوصاً والفلسطينيين على وجه التحديد، فقد وجدت في «الهولوكست» مادتها الدسمة، عدا الذريعة القانونية لما يطلقون عليه «اللاسامية» فأنتجت العديد من الأفلام التي تتناول الهولوكست ونضالات اليهود ضد النازية، رغم أن جرائم النازية لم تطل اليهود وحدهم، ولم يكونوا أوائل الضحايا، ومع ذلك فالأمر سيان وآلة الإنتاج الضخمة لم تتوقف، وكلها صبت لصالح الهجرة اليهودية وأرض الوعد الإلهي.

يحدثنا الباحث والكاتب عبد الله الحيمر عن الكفة الأخرى للميزان، وعن القدس في السينما العالمية والعربية ‌في فصول الكتاب (14): «الصراع العربي/ الإسرائيلي على مدينة القدس سينمائيا (القدس في السينما العالمية، سينما الأخوين لوميير/ في أفلام العهد القديم /الإنجيل والتوراة/ في سينما المستوطنين/في السينما الفلسطينية/ في السينما التاريخية العربية والأجنبية/ المهرجانات السينمائية العربية والقدس/ الهوية الثقافية لمدينة القدس والاحتلال الإسرائيلي/ السينما العربية وصراع الهوية في القدس/ فيلموغرافيا الأفلام العربية عن القدس وفلسطين». مركزا على أهم الأفلام التي تناولت «القدس» كثيمة وكقضية عربية وإسلامية، بدءاً من فيلم «الناصر صلاح الدين» للمخرج يوسف شاهين، مروراً بكل الأفلام التي تناولت القدس و/ أو القضية الفلسطينية، ويتتبع مسيرتها من مصر إلى المغرب إلى لبنان والعراق وسوريا، التي لها نصيب الأسد في المعالجة الفنية والتعريف بالقضية وحتى الجهود والأفلام الفلسطينية، التي كثر إنتاجها في الأعوام الأخيرة. ويخلص إلى نتيجةٍ مفادها أن كل الأعمال السينمائية لم تروِ ما حدث، ولم تكن في حجم الحدث الحقيقي، «نكبة ونكسة ومذابح وتطهيرا عرقيا والجرائم مستمرة» وأن الجهود المبذولة من أجل إخراج «قضية القدس» يجب أن تكون جمعية ومكثفة وبجهود مؤسسات ووزارت تُعنى بقضية القدس أولاً، والتعريف بتاريخها وتاريخ القضية ثانياً. يحدثنا المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، عن حاجتنا في العالم العربي إلى لغة نقدية وثقافة واسعة النطاق، لا إلى شتائم متبادلة ومرادفات بلاغية للقتل السياسي، وحاجتنا إلى لغة تتطور من خلال نقد السلطة بشكل رئيسي، لغة تجعلنا قادرين على البوح بما نؤمن به في عالمنا، دون أن يطغى علينا النموذج الأصولي المستلب تجاه الماضي، وحاجتنا إلى التخلص من الشعور بالريفية والعزلة، الذي يسودنا في العالم العربي، فنحن حتى الآن «لسنا طرفاً في النقاش الدائر في العالم، لا في أدبنا ولا في أعمالنا الفكرية، وعجزنا عن المشاركة يقع على عاتقنا بشكل كبير، نحن في مركز الاهتمام العالمي، لكننا دائماً خارجه».

الكتاب زخر بكم من المعلومات والتوثيق السينمائي الجيد، وحمل محاور وقضايا عدة طارحاً إياها على بساط البحث، مفجراً الأسئلة واضعاً الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، لا بالمحاربة بالأسلحة ولا العمليات الموجهة، لكن أقله «بالكلمة/ الصورة».

وينهي الكتاب رحلته في كيفية مواجهة صراع الهوية عربيا مع إسرائيل، سينمائيا والدور المهم للثقافة العربية في إعادة إنتاج خطاب سينمائي جديد في ظل التحديات المفروضة عليه والتي تحاول تشويه تاريخ ومعالم مدينة القدس، والدور السينمائي المهم المطلوب من المثقف العربي في المواجهة الحضارية مع إسرائيل باعتبار الثقافة السينمائية إحدى ركائز الدفاع السلمي للتعبير عن القضية الفلسطينية، واستقطاب الدول الصديقة الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني العادلة. وكما تقول علياء أرصغلي: «السينما لم توثق فقط مسيرة الشعوب والأمم في القرن العشرين، بل أنتجت هويتهم ولا أدل على ذلك سوى إسرائيل».

كاتبة وروائية فلسطينية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي