مبارك جلواح وفجر الرومانسية في الجزائر

2023-02-02

إبراهيم مشارة

ظل مبارك جلواح (القلعة بني عباس أقبو ولاية بجاية 1908 أو 1910/ باريس 1943) شاعرا مغمورا ونسيا منسيا إلى حين، لولا أن قيض الله له عبد العالي رزاقي الطالب أيام الدراسة الجامعية في الثمانينيات، والناقد عبد الله ركيبي الأستاذ الجامعي فقد سلم الطالب لأستاذه مخطوطا شعريا، ولم يكن سوى ديوان مبارك جلواح الوحيد الموسوم «دخان اليأس» وسبب نسيانه فترة طويلة، موته وحيدا منتحرا في باريس وحياته المتمردة المضطربة في بلده الأصلي وفي المهجر، في ظروف الاستعمار الفرنسي لبلده وظروف الحرب العالمية الثانية التي كانت على وشك النهاية.

نشأ مبارك جلواح كما ينشأ الجزائريون في القرى على المحافظة واقتصر تعلمه على الكتاب، وعلى يد والده لكنه اضطر إلى العمل بعد أداء الخدمة العسكرية الإجبارية في المغرب، حين عاد إلى وطنه كادحا ومعيلا لأسرته، متفرغا كلما وجد الوقت للقراءة ومطالعة الدواوين الشعرية حيث آنس في نفسه الموهبة والذائقة والميل إلى قرض الشعر، كما اتصل بجمعية العلماء ورجالها لينتدب بعد ذلك معلما للعربية في مدارس التهذيب التي أسستها الجمعية في الداخل وفي المهجر.

في الظروف التي عاش فيها جلواح في الجزائر قاسى كما قاسى الشعب ويلات الاستعمار، الذي شن حربا على اللغة والدين والهوية الوطنية بفرض الفرنسية ومحاربة تعليم العربية، التي اقتصر تعليمها على بعض الكتاتيب والزوايا، في حين أغلق كل ما من شأنه أن يبث القيم الوطنية ويحارب مخططات الاستعمار، كالمدارس التي أنشأتها جمعية العلماء مثلا وكذا الحال بالنسبة للصحافة، فكلما أنشأ الجزائريون صحيفة معبرة بلسانهم العربي وهويتهم الأصلية، حاكم المستعمر رؤساء تحريرها ومديريها وعرّضهم للسجن والتغريم وإغلاق الصحيفة. كما كان اتصال الجزائريين بالمشرق قليلا فما يدخل من كتب وصحف مشرقية يصادر، اللهم إلا مهربا، في حين وجدت تونس مثلا متنفسا، وكذا المغرب الأقصى ففي تونس الزيتونة والمدرسة الصادقية التي تشبه دار العلوم في القاهرة، وفي فاس جامع القرويين ثم هذا الفارق في الوضع بين الجزائر والشقيقتين تونس والمغرب، فما تعرضت له الجزائر كان أبشع استعمار في القرن التاسع عشر والعشرين، في حين خضعت تونس والمغرب للحماية وهي أهون وأخف وطأة من الاستعمار لذا كان الجزائريون يهاجرون إلى تونس أو المغرب للتعلم، وإلى مصر والحجاز أو الشام، بسبب حالة المنع والرقابة التي فرضها الاستعمار على الجزائريين. وقد أفاض عبد الملك مرتاض في كتابه «الجدل الثقافي بين المشرق والمغرب» في الحديث عن ظروف المنع والرقابة التي مارسها الاستعمار على الجزائر وحيلولته دون وصول المنشورات العربية إليها، اللهم إلا مهربة.

لكن على الرغم من ذلك اطلع الجزائريون على الأدب المشرقي وعرفوا الكلاسيكية التي دشنها البارودي ثم شوقي، ورومانسية مطران ومدرسة الديوان والرابطة القلمية وجماعة أبولو ، وذلك المنجز الشعري اطلع عليه جلواح كما اطلع عليه مجايلوه من رواد الشعر الجزائري الحديث، كأحمد سحنون ومحمد الصالح خبشاش ومحمد العيد آل خليفة ورمضان حمود.

في حالة العزلة هذه نشأ جلواح وقدر له بعد ذلك السفر إلى المغرب، ثم إلى فرنسا وهذه الأسفار من شأنها أن تفتح عقل المرء ووجدانه، فييسر اختلاطه بالغير بالانفتاح والتثاقف وكانت الرومانسية هي المذهب الغالب في العالم العربي بعد عصر الإحياء والكلاسيكية، وقد تم التنظير لها بمدونة ميخائيل نعيمة «الغربال» والمدونة النقدية الشهيرة لجماعة الديوان المعروفة باسم «الديوان في الأدب والنقد» كما نشطت جماعة أبولو في ترجمة الآراء النقدية الحديثة إلى إبداع شعري وجد صداه الشديد في العالم العربي المتعطش للجديد والراهن والمنفتح على التيارات الثقافية العالمية، خاصة الرومانسية الغربية، التي كان من أعلامها شيلي وبايرون وكيتس وهوغو ولامارتين وألفريد دي فيني وألفريد دي موسيه وغيرهم، وأتاحت الترجمة لمن لا يحسن القراءة باللغة الأجنبية الاطلاع على هذه النصوص الشعرية الغربية الموسومة بالرومانسية فلاقت إعجابا شديدا بسبب ميلها إلى تقديس الحرية وتمجيد فردانية الإنسان، والعناية بأحواله وكراهية التقليد والانجذاب نحو الطبقات الكادحة، والعزوف عن القصور وثقافة المديح، والتوحد مع الطبيعة فهي رمز الطهر والنقاء والعفوية وهي الحاضنة البكر والأفق المفتوح على فضاء الحرية والتأمل في الوجود والموجود، وكانت أشعار ناجي ورامي وصالح جودت وعلي محمود طه والشابي والتيجاني يوسف بشير على كل لسان، بسبب المسحة الفردية والنزعة التجديدية ورنة الثورة على النمطي والمكرس والرتيب، وكان وضع العالم العربي يقتضي ذلك، فهو إما خاضع للاستعمار أو الانتداب أو الحماية، وفي ثقافته ميل شديد إلى الموروث وقلة العناية بالجديد، بل محاربته كون الإنسان يدافع عما ألف وكل ثورة أو نزعة تجديد تجابه بالرفض، خاصة والعالم العربي يتماهى فيه المقدس مع الدنيوي، والعلم مع الدين والماضي مع الحاضر، وقد احتاج إلى رجة فكرية جوبهت بالقمع كثورة طه حسين في «في الشعر الجاهلي» وعلي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحكم» وصادق جلال العظم في «نقد العقل الديني» وزكي نجيب محمود في «تجديد الفكر العربي» تاليا وغيرهم.

بينما في الجزائر اتجه الشعراء الجزائريون المجايلون لمبارك جلواح إلى تقليد المدرسة الكلاسيكية والإحيائية العربية، في المحافظة على رصانة الشكل والموضوعات المألوفة وفي غلبة الجانب الوعظي والأخلاقي على الروح الشعرية وفي تكريس النزعة الإصلاحية التي تجعل من الشعر منبرا للتنديد بالظلم والفوارق الطبقية والآفات الاجتماعية، وربما كان لذلك ما يبرر وجوده بسبب الحالة التي وضع الاستعمار فيها الشعب وانقطاع التواصل الثقافي مع المشرق، وحاجة المجتمع إلى شحذ الوعي، وقد كتب ماركس مرة أن عبودية المرء تنتهي حين يعي العبد وضعه فاتخذ أولئك الشعراء من الشعر سلاحا لمقارعة المستعمر والتنديد بظلمه وجرائمه كقصائد محمد العيد عن مجازر الثامن من مايو/أيار، أو التنديد بوضع المرأة والأمية التي فرضت عليها والوضع المتردي الذي آلت إليه بسبب الجمود الفكري والاستلاب الديني وهيمنة المستعمر من جهة أخرى، كما في قصائد محمد الصالح خبشاش، وحاول شاعر ميزابي هو رمضان حمود أن يحلق في أجواء الرومانسية بتمجيد الطبيعة ومظاهرها والعناية بالصورة الشعرية المبتكرة وقصر الشعر على العاطفة والوجدان، لكنه لم يذهب بعيدا فجاء في شعره بعيدا عن الإبداع الرومانسي الخلاق، كما نجده عند شاعر مجايل له هو أبو القاسم الشابي، ويسير في الركب الإبداعي نفسه وقد قطع فيه شوطا كبيرا محمد الأخضر السائحي.

أما مبارك جلواح فهو الذي أفلح في ذلك كثيرا نتيجة لتنقلاته بين الجزائر والمغرب وفرنسا، واحتكاكه بالطبقات العمالية والأوساط الثقافية الفرنسية والعربية المهاجرة، وربما قراءته الأولية للنصوص الفرنسية جعلته يقف على جوهر الشعر، من حيث هو تلبس بالحالة الشعرية، وقبض على المعنى، والبعد عن التكلف مع العناية بالموسيقى الشعرية والتكثيف والصورة الشعرية المبتكرة، وعدم المباشرة والعناية بالإيحاء والتخلي عن النبرة الوعظية والأخلاقية، فهذا ليس من شأن الشعر اللهم إلا ما جاء عفوا، وهنا أفلح كثيرا فجاء في شعره رومانسيا رائدا، ولولا الموت العاجل في ربيع العمر لكان منه للجزائر أي شاعر كما كتب البشير الإبراهيمي الذي نصحه بصقل لغته والعناية بالعروض.

مثل مبارك جلواح في تمرده وإبائه لا بد من أن يجابه بمعارضة من محيطه المحافظ بسبب مزاج شخصي في الحياة الفردية ناهيك عن ميله إلى المرأة وتغزله بها مع أنه متزوج وأب لطفلة، وهي تصرفات لا تحمدها الأسرة ولا محيط القرية لرجل، وقد تعرض للإدانة والتضييق والانتقاد حتى في ديار الغربة فهو رجل يعيش على مزاجه، ولا يهمه رأي الآخرين فيه، ولا يسعى لنيل رضاهم فهو في الشعر قد تمرد على المحافظة وفي الحياة فعل الشيء نفسه.

وكشأن الرومانسيين الذين أصيبوا بالمرض العياء، وكان المرض المزمن والقاتل في ربيع العمر قدر كل شاعر رومانسي في الشرق والغرب، الذي ظل يخفيه ولا يبوح به لأحد إلا فلتات شعرية لا تخفى على الناقد، ثم بعده عن أسرته وزوجته وابنته وحياة الشظف والمشقة في ديار الغربة والحنين إلى وطن مغتصب مقهور بالاستعمار، ومعارضة أسرية ومحلية ووطنية لاتجاهه في الحياة واختياراته الشخصية، وربما عدم العناية بموهبته والاحتفاء بمنجزه الشعري في حين لاقى من هم أقل منه شاعرية وإبداعا احتفاء أكبر منه، كل هذه الأسباب عجلت بالنهاية التي اختارها لنفسه وهي الموت منتحرا بإلقاء نفسه في نهر السين، حتى عثور الشرطة عليه جثة طافية على صفحة ذلك النهر. في وقت كانت باريس تغلي بمقاومة النازية، وهناك من يتهم ثوار باريس الحرة بقتل الشاعر بسبب تعاونه مع النازية نكاية في فرنسا التي احتلت وطنه، وهو رأي ضعيف فقصائد الشاعر السوداء كلها رنة شكوى وتألم وتمهيد للموت الإرادي.

عنوان ديوانه ذاته بما أن العنوان عتبة أولى يحيل على اليأس والفشل والإحباط والعوالم الكابية الحزينة، تلك العوالم التي يهوى الرومانسيون التحليق فيها بأجنحة الفردانية والاستيهام والخيال، الذي لا يعرف حدا والعاطفة المشبوبة التي لا تعترف بمنطق. يقول عبد الله الركيبي في مقدمة تحقيقه لديوان جلواح ودراسته النقدية عنه، وهي التي انتشلت اسم مبارك جلواح من النسيان (لعل كثيرا من الباحثين يجهلون الشاعر مبارك جلواح لأنه شاعر مغمور غمط حقه، ولم يجد عناية عند الدارسين لدينا، حتى أولئك الذين كتبوا عن الشعر الجزائري كثيرا، وأشادوا بمن هم أقل منه شاعرية وموهبة، على الرغم من أصالته وتفرده وامتيازه فقد تغنى بحب المرأة وحبه لبلاده واستحق أن يكون رائد للرومانسية الوطنية في الشعر الجزائري الحديث وتمرد على المدرسة الإصلاحية الكلاسيكية وعلى نظرتها للشعر ووظيفته، وكان صادقا مع نفسه كما كان في الشعر متقدما على معاصريه).

ديوان شعري يتيم لجلواح يحيل عبر العتبة الأولى، وهي العنوان على العالم اليائس المنخور داخليا والمتآكل زمنيا، وعلى الأجواء الكابية والعوالم الحزينة، يتعلق بأهداب الحرية ويجد في الطبيعة المهرب والخلاص بعيدا عن نوازع البشر الشريرة وغريزتهم العدوانية، ويفضل الحياة غير الرتيبة ويختار العيش على المزاج الخاص، تحتل فيه المرأة الحبيبة والملهمة بجسدها البض ونظرتها المغرية كثيرا من المتن الشعري، ولا نعدم قصائد وطنية في الحنين إلى الوطن والتغني بالشعب في صبره وكدحه وفي تمجيد الشمال الافريقي، كما يسميه كونه على رقعة جغرافية واحدة وبدين واحد وتاريخ واحد ومصير واحد وعدو واحد. وفي الديوان بعض النصوص الشعرية التي تشكل إرهاصا بموته الإرادي ورحيله المبكر كقوله مخاطبا نهر السين:

يا سين جئتك في ذا الليل ملتمسا

بعرض لجك إخمادا لأنفــــاسي

خل القلى جانبا وابسط إلى كبد

حرى وقلب معنى راحة الآسي

فإني لا أرى في غير مائك ما

تطهر به أوضاري وأرجاسي

وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى هذا الشاعر الذي جسد الصدق الفني حتى في تطبيق مقولاته الشعرية ورحل بإرادته، غريبا في ديار الغربة ودفن قريبا من باريس في مقبرة بوبيني الإسلامية، وكانت لنا وقفة على قبره والترحم عليه عام 2018، ومن اللافت وجود قبره إلى جانب قبر كاتب تونسي من أصل جزائري رحل بإرادته كذلك منتحرا بالغاز مع رفيقته الفرنسية هو محمد العريبي المنسي هو كذلك.

كاتب جزائري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي