ديجيتال أوشن.. منظومة أمنية جديدة تؤكد التزام أمريكا بالدفاع عن أمن الخليج العربي

د ب أ- الأمة برس
2022-11-27

سوف تستخدم هذه المنظومة الأمنية فيما بعد  في المناطق البحرية الحساسة حول العالم (مجلس التعاون الخليجي)

نيويورك: على مدى السنوات العشر الماضية تزايدت مخاوف الشركاء العرب لواشنطن في منطقة الخليج  من انسحاب أمريكي بطيء من المنطقة. هذه النظرة تتجاهل الدليل القوي على أن الالتزام الأمريكي بأمن الخليج مازال قويا، رغم الخلاف الأمريكي السعودي الأخير بشأن أسعار النفط العالمية. ومع ذلك فإن الأساس النظري لالتزام أمريكا بأمن الخليج الذي يجسده "مبدأ كارتر" الذي مر عليه نحو 50 عاما يحتاج إلى تحديث وإعادة تأكيد بحسب المحلل السياسي الدكتور حسين إبيش في التحليل الذي نشرته وكالة بلومبرج للأنباء.

وأشار إبيش وهو كبير باحثين مقيم في معهد دول الخليج العربية بواشنطن إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أطلق مبدأه الشهير بشأن أمن الخليج عام 1980، مؤكدا التزام الولايات المتحدة بالتدخل لمنع أي قوة خارجية من السيطرة على  المنطقة، بما في ذلك التصدي لأي عدوان على دول الخليج العربية كما حدث مع الغزو العراقي للكويت عام 1990.

  لكن مشهد طوابير الدبابات التي تخترق الصحراء لم يعد من بين كوابيس الأمن لدول الخليج في القرن الحادي والعشرين. فالمخاوف الآن تتركز على الصواريخ الموجهة بالغة الدقة، وهجمات الصواريخ  والطائرات المسيرة، وهجمات التنظيمات غير الرسمية والمجموعات الإرهابية و"مجالات الحرب الرمادية" مثل الهجمات الإلكترونية والأشكال الجديدة المعقدة من أعمال التخريب.

وبسبب بعض النكسات مثل رفض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني على منشآت شركة النفط السعودية العملاقة أرامكو عام 2019، تزايدت شكوك شركاء واشنطن  في الخليج فيما يمكن أن يدفع واشنطن للتحرك العسكري ضد التهديدات التي تستهدف أمنهم.

في المقابل  تبدو إدارة الرئيس جو بايدن  عازمة على التعامل مع دورها الأمني في الخليج بجدية أكبر. ففي الشهر الحالي وبعد اكتشاف المملكة العربية السعودية تهديدات شبه مؤكدة لهجوم إيراني بالصواريخ أو بالطائرات المسيرة،  انطلقت  الطائرات المقاتلة الأمريكية  وحلقت  بالقرب من الأجواء الإيرانية في استعراض قوي للردع". وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي بشكل قاطع "لن نتردد في التحرك دفاعا عن مصالحنا وشركائنا في المنطقة".

وكان يجب أن يحظى هذا التحرك الحاسم باهتمام  أكبر من المعتاد في المنطقة. ثم جاء الجهد الأمريكي الهائل الجديد في مجال الأمن البحري في الخليج وبحر العرب والمياه المجاورة.

 ولكي تؤمن تدفق الطاقة وحركة السفن التجارية، إلى جانب الأمن البحري بشكل عام، طورت واشنطن ونشرت منظومة مراقبة بالغة التطور تعرف باسم "ديجيتال أوشن" (الخليج الرقمي). فهذه المنظومة ستساعد بشكل خاص في حماية نقاط العبور البحرية الحيوية الثلاث في الشرق الأوسط وهي قناة السويس ومضيق باب المندب على مدخل البحر الأحمر، ومضيق هرمز في الخليج العربي.

وتضم هذه المنظومة الأمنية التي تقودها "قوة العمل 59" التابعة للأسطول الخامس الأمريكي، أنظمة مراقبة بحرية وجوية مسيرة، بفضل أحدث الابتكارات التكنولوجية، حيث يتم التنسيق بين كل مكوناتها بشكل فوري. وتقوم أجهزة تعمل بالذكاء الاصطناعي بتقييم المعلومات التي تجمعها الكاميرات وأجهز الرادار  ووحدات الاستشعار لتكوين صور ثلاثية الأبعاد يتم تحديثها بشكل فوري لكل السفن العاملة في المناطق البحرية الواسعة. وعندما ترصد أجهزة الذكاء الاصطناعي  أي تحرك غير معتاد أو لا يمكن تفسيره، يتم تبادل المعلومات بشكل فوري، وإجراء المزيد من التحقيقات بشأنها باستخدام طائرات مسيرة أخرى وعناصر بشرية. ويتولى مشغلون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية تشغيل هذه الأنظمة والربط بينها عبر الأقمار الصناعية.

ورغم أن الولايات المتحدة هي رأس الحربة في هذا الجهد، فإنها ليست وحيدة.ويقول الأدميرال براد كور قائد الأسطول الخامس الأمريكي إن الهدف هو نشر 100 قارب مسير غير مأهول للقيام بدوريات في مياه الخليج بنهاية صيف العام المقبل، بحيث يكون 20% منها من الولايات المتحدة، و80% من الشركاء الإقليميين والدوليين. ويقول إبيش الحاصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة ماساتشوستس الأمريكية إن هذا النوع من التطور الأمني يظهر بوضوح  ليس فقط عمق التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة وإنما أيضا رغبة حلفائها في تقاسم عبء هذا الأمن.

وسوف تستخدم هذه المنظومة الأمنية فيما بعد  في المناطق البحرية الحساسة حول العالم. لكن نشرها أولا في الخليج العربي، دليل واضح على جدية الولايات المتحدة في التعامل مع الأمن الإقليمي بالمنطقة. ورغم تداعياته السياسية الضخمة، مازالت المنظومة "ديجيتال أوشن" غير معروفة بدرجة كبيرة للرأي العام المحلي، كما لم يدركها المحللون وقادة الرأي العام الذين ينتقدون واشنطن باستمرار بسبب انسحابها المفترض  من المنطقة والتركيز على الصين ومنطقة المحيط الهادئ.

 وكان الاستعداد الأمريكي للوقوف أمام إيران خلال الشهر الحالي، بنشر منظومة "ديجيتال أوشن" بمثابة رد فوري مؤكد على أي تهديد وشيك. لكن على واشنطن أن تنظر للأمر على مدى أطول من خلال التوضيح الدقيق لكيفية تطبيق مبدأ كارتر في القرن الحادي والعشرين، وما هي أشكال التهديدات التي تستوجب ردا عسكريا أمريكيا. فدول الخليج العربي تحتاج لمعرفة متى ستتحرك الولايات المتحدة للدفاع عنها بشكل دقيق.

ويختتم حسين إبيش  تحليله بالقول إن تحديث مبدأ كارتر  إلى جانب جهود الردع طويلة المدى مثل "ديجيتال أوشن" يمكن أن يبدد بشكل كامل سوء الفهم الخطير بأن الولايات المتحدة تنسحب من الشرق الأوسط وتتخلى عن شركائها في منطقة الخليج.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي