مظاهر المدينة في النص الدرامي المغربي

2022-10-01

لحسن ملواني

هرج ومرج المدينة وصخبها وتصارع الناس واضطراب علائق الناس فيها، جعلها ذات تأثير بارز في الأدب وفي الإبداع بصفة عامة، فنجد روايات ومسرحيات وأفلام سينمائية تجعل فضاء أحداثها المدينة، وما يعتمل فيها من أحداث ومجريات ذات أبعاد درامية، بما تحمله من أفراح وأتراح وتناقضات. وكما تغري المدينة المبدعين تغري النقاد المواكبين لما يتطرق لفضاء المدينة في الإنتاجات الإبداعية.

والمؤلف الذي سنقوم بعرضه يلامس ما أشرنا إليه، ويتعلق الأمر بكتاب جديد صدر للكاتب المغربي حسن صغيري، وجاء تحت عنوان «مفهوم المسرح في الخطاب التنظيري بالمغرب (مظاهر المدينة في النص الدرامي المغربي رضوان أحدادو نموذجا)» وجاء الكتاب في طبعة جميلة أنيقة، بحجم متوسط، مؤلفا من 125صفحة. كتاب يسلط الضوء على صورة المدينة وما تنبض به من قضايا تتأرجح بين السلبيات والإيجابيات.

ويرى مقدم الكتاب سعيد كريمي أن المدينة فضاء تخييلي مفعم بالأشكال والألوان والأصوات والحساسيات الجمالية والطقوس الدينية ومجمع الأمثال والأحلام والأحزان والأفراح والمفاخر.. وغير ذلك مما يحولها لتصير مجالا متاحا للأدباء، وأكبر مغذ للتخييل المسرحي كتابة وعرضا، فهي منبع ومصدر يغني البنيات الذهنية للمجتمعات البشرية، ويحيل كل شيء جامد في الكون إلى مدارات حبلى بالحياة على خشبة المسرح، فالمسرح يعد قرينا ومقابلا موضوعيا وجدليا، وحتميا للحياة، على حد تعبير أنطونان أرتو.

«هكذا يظهروا أن الكتاب الذي اجتبى له الناقد حسن صغيري «مظاهر المدينة في النص الدرامي المغربي، رضوان حدادو نموذجا» يسعى للنبش في حضور المدينة في المسرح المغربي، مهتديا بالمنجز الدرامي للمؤلف رضوان أحدادو، الذي جعل من نصوصه فضاء للبوح، بما تختزنه ذاكرته من الأمكنة التي سكنته وسكنها وتفاعل معها وجدانيا وعقليا.

يقدم هذا الكتاب السيرورة الإبداعية للكاتب المسرحي المغربي رضوان أحدادو آخذا بعين الاعتبار بروز اشتغاله بمعالم المدينة بعامة والمدينة المغربية بخاصة، وليؤسس لنفسه مشروعية هوياتية في التطرق لهذا الموضوع، وانبرى لكتابات الشعراء على حد سواء من قبيل أحمد المجاطي وعز الدين إسماعيل وإبراهيم السوداني وبنسالم الدمناتي.. ذلك أن الشعر يبقى من وجهة نظر الباحث حجر الزاوية والمرجع الإبداعي للفنون الأخرى حتى إن تعلق الأمر بالمسرح.

ركز الكاتب على تجربة رضوان أحدادو، بوصفه رائدا من رواد مسرح الهواة، الذين ساهموا في تطور المسرح المغربي، على حد تأكيد حسن المنيعي. ويمكن القول عموما إن هذا الكتاب يعتبر تبئيرا لعدد من النصوص الدرامية لكاتب مغربي ما يزال يحتاج كثيرا من الوقفات التأملية، فالمدينة ليست مجرد أزقة وشوارع عمومية وعمارات تشبه الصناديق وضجيجا مستمرا، وإنما هي مكمن لحياة الإنسان كلها بكل تمظهراتها وتمفصلاتها».

في مقدمة الكتاب يرى الكاتب أهمية موضوع المدينة المتجلي، نظرا لارتباطها الوثيق بحياة الإنسان في جميع أبعادها الحضارية والثقافية والعمرانية والسياسية، ما جعله يشغل الكتاب والمبدعين والنقاد والباحثين، لينال حظا وافرا من البحث، خاصة في مجال الشعر، حيث كتبت حوله قصائد شعرية كثيرة تحدث من خلالها الشعراء عن تجاربهم ومواقفهم المختلفة تجاه هذا الفضاء بمفارقاته وتناقضاته، وانطلاقا من ذلك نجد منهم من عبر عن إعجابه بالمدينة وانبهاره بالحياة الجديدة، ومنهم من يتخذ منها موقفا سلبيا في التعبير عن سخطه وتذمره واستيائه من هذا العالم المليء بالصراعات، ومنهم من جمع بين الإعجاب وعكسه «والجدير بالذكر أن رؤية رضوان أحدادو للمدينة تتقاطع مع رؤية محمد تيمد.

 ومن هذا المنطلق وبعد الاطلاع على مجمل الأعمال الإبداعية المسرحية للأديب المغربي رضوان أحدادو قراءة ونقدا عقد الكاتب العزم للبحث في هذا الموضوع، ولمقاربته هذه قسّم كتابه إلى فصلين مسبوقين بمقدمة وتمهيد ومذيلين بخاتمة. في المقدمة، تناول الأسباب التي قادته إلى البحث في هذا الموضوع، وفي التمهيد ألقى نظرة على حضور المدينة في الشعر العربي المعاصر. أما الفصل الأول فقد وسمه بـ»مظاهر المدينة عند رضوان أحدادو» وقسمه إلى مباحث ثلاثة، المبحث الأول خصصه للحديث عن موقع رضوان أحدادو في خريطة الإبداع المسرحي الحديث، ومفهوم المدينة. المبحث الثاني خصصه للحديث عن المدينة ومرارة الواقعين الاجتماعي والسياسي. أما المبحث الثالث والأخير في هذا الفصل فقد خصصه للحديث عن المدينة واختلال منظومة القيم. الفصل الثاني عنوانه «المدينة الحلم المرتقب عند رضوان أحدادو» وقسمه إلى مباحث ثلاثة: المبحث الأول خصص للحديث عن المداخل الحقيقية للبحث عن المدينة المنشودة. المبحث الثاني، خصصه للحديث عن المدينة والانتصار للحياة. أما المبحث الثالث فخصصه للحياة عن المدينة الحلم المرتقب والبحث عن الإنسان. وضمّن الكاتب الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها البحث.

وإجمالا فإن رضوان أحدادو كان يروم من طرح هذا الموضوع، توجيه المتلقين وكل الفاعلين السياسيين وجميع المتدخلين إلى التفكير المعقلن والرصين في موضوع المدينة، والتفكير في مستقبلها ومستقبل الأجيال الصاعدة عن طريق إعادة النظر في بنائها من جديد، وفق تصور جديد يتساوق مع روح العصر وتقلباته.

وقد مهد الكاتب لمؤلفه باعتبار موضوع المدينة من أهم المواضيع التي نالت حيزا لا يستهان به في مجال الشعر، وقد كتبت بشأنه نصوص كثيرة حاول الشعراء العرب المعاصرون من خلالها أن ينقلوا إلى المتلقي صورة عن تمثلهم لهذا الفضاء، ترى ما هو السر وراء الاهتمام المتزايد بهذا الموضوع؟ وكيف تمثلها الشعراء المعاصرون في قصائدهم؟ بناء على ما تقدم يمكن القول إن الشاعر العربي المعاصر عالج موضوع المدينة من خلال كتاباته الشعرية، وعبّر من خلالها عما يختلج في نفسه من أحاسيس وعواطف تجاه هذا الفضاء، كما رسم صورة لما ينبغي أن يكون عليه، ويمكن التنصيص في هذا السياق على خاصية تكاد تكون مشتركة بين الشعراء العرب المعاصرين، في تناولهم لموضوع المدينة وهي انتقاد المدينة في صورتها السلبية، حيث تقسو على الإنسان وعلى الحياة وعلى الطبيعة، فإلى أي مدى سيتقاطع المسرح مع الشعر في منظورهما للمدينة هذا ما سنتعرف عليه من خلال المنجز الإبداعي للأديب رضوان أحدادو، الذي اتخذناه نموذجا.

وفي خاتمة الكتاب يشير الكاتب إلى خلاصات وملاحظات، طارحا تساؤلات أثارها موضوع كتابه. ومن بين ما ورد في هذه الخاتمة: «في ضوء ما تقدم يمكن القول إن رضوان أحدادو سلط الضوء من خلال منجزه الإبداعي المسرحي على موضوع المدينة الذي شكّل بؤرة مشروعه الفلسفي والإبداعي نظرا لما تنطوي عليه هذه المدينة من أبعاد حضارية وإنسانية وثقافية، وكان الرجوع إلى هذا الموضوع يعني مساءلة الواقع ومساءلة التاريخ ومساءلة الذات، نظرا لكون الكتابة الحية هي التي تتناغم ومعطيات اللحظة التاريخية التي انتجتها. وقد بينا أن العودة إلى هذا الموضوع تحكمت فيها أسباب ذاتية وأخرى موضوعية، فقد كان لانتماء الكاتب إلى جماعة المسرح الاحتفالي الأثر الكبير في طرق هذا الموضوع، لأن هذه الجماعة جعلت الدعوة إلى مدنية المدينة من أهم بنود مشروعها. كما أن المؤلف تربى في كنف المدينة القديمة بكل ما تحمله من قيم ونظم النبل والوفاء والاحترام، لكنه سرعان ما أحس بانهيار هذه القيم والمثل النبيلة، حيث صار يشعر بالتيه، ما دفعه إلى طرح تساؤلات، من وراء هذه النقلة النوعية التي تعد بمثابة هزة زلزالية عنيفة ضد المدينة التقليدية، حيث صار الإنسان يعيش داخل المدينة الحالية نكرة.

وإجمالا فإن رضوان أحدادو كان يروم من طرح هذا الموضوع، توجيه المتلقين وكل الفاعلين السياسيين وجميع المتدخلين إلى التفكير المعقلن والرصين في موضوع المدينة، والتفكير في مستقبلها ومستقبل الأجيال الصاعدة عن طريق إعادة النظر في بنائها من جديد، وفق تصور جديد يتساوق مع روح العصر وتقلباته، حتى لا نخلف الموعد مع التاريخ، خاصة ونحن نواجه امتحانا عسيرا يتعلق ببناء نظام قيمي صالح لمواجهة المشكلات والصعوبات التي تعترض سبيلنا في الحياة. وتظل بعض الأسئلة المطروحة، إلى أي مدى يمكن للمدينة المعاصرة أن تتخلص مما علق بها من دنس، وتسهم في رد الاعتبار لكرامة الإنسان؟ إلى أي حد يمكن لهذه المدينة أن تعيد للإنسان إنسانيته، وللحياة طريقها وحيويتها خاصه بعد التغيير الذي مس المدن العالمية بفعل وباء كوفيد-19.

الكتاب غني بالأفكار المعيدة للنظر في المدينة، في علاقتها بالإبداع عامة وبالنص الدرامي خاصة، وهو بذلك إضافة نوعية إلى الإنتاج الثقافي المغربي والعربي الخاص بالجانب الدرامي، كونه يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة مقارنة بالجوانب الإبداعية والنقدية بصفة عامة. وما قدمناه بصدد الكتاب ليس سوى عرض لمقتطفات منه، وقد نعود إليه لدراسته بعمق. وللإشارة فقبل هذا الكتاب صدر للكاتب مؤلف تحت عنوان «مَفْهومُ الْمَسْرحِ في الخطاب التنظيري بالمغرب جماعة المسرح الاحتفالي ومسرح النقد والشهادة نموذجان».

كاتب مغربي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي