رواية «نساءُ السّل»: أحاجي الأديان والهويات

2022-09-30

أفين أوسو

يُعتبر الأدب واحداً من أبرز الّلبنات الّتي تتشكّل منها الثّقافة، لاسيّما بوجود ارتباط وثيق بين الأدب والأنثروبولوجيا، على اعتبار أنّهما يستمدّان عناصرهما من المجتمع، وهو علاقة تأثير متبادل في المناهج والأفكار. مهمّته طرح القضايا الاجتماعيّة الشّائكة والمغيّبة وإحداث طفرة في وعي القارئ من خلال ميكانيزمات متدفّقة بالمعاني، لتعين القارئ على الخوض في مجاهلها ومغاليقه.

رواية «نساءُ السّل» للشاعر والروائي السوري ريبر يوسف، تضع الأزمة الوجودية للإيزيديين على طاولة التشريح وتحرّك نصلاً مغروزاً في الزمن. هي تذكرة لزيارة تلك الأماكن وذلك الماضي البعيد، والممهور بآثار خطوات أجدادهم. تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن مرحلة تاريخية مهمة، تمزج الحقيقة بالخيال، حيث تدور الأحداث من العقود الأخيرة التي سبقت انهيار الدولة العثمانية في منطقة شمال شرق سوريا، إلى عام 2019.

رسمت الرواية خريطة القرى التي شطرتها الأسلاك الشائكة إلى روحين تحملان الذاكرة والماضي والمستقبل واللغة ذاتها. تلك المناطق التي لم تنل الاستقرار الإنساني بعد. لكل شخصية داخل الرواية حكاية مطمورة في صرة مقفلة بألف عقدة عَقَدها الخوف. «الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء» مقولة لابن خلدون، يفتح بها الكاتب الرواية، شريط يقصّه القارئ إيذاناً بدخول متحف تاريخي ممتلئ بوثائق الحب والكراهية التي تنهل من روح الصراعات التاريخية، فيعرض الكاتب العلاقة الملتبسة بين السياسة والدين بشكل موضوعي، من غير تدخّل عاطفته ورأيه في بنيان نصٍّ سوّرهُ باللغة الشعرية الرصينة، واستعان بالوصف والاستعارة لنقل الأفكار المجردة كالحب والخوف والإيمان إلى صور محسوسة.

يقول بودريار: «ليس للصورة أدنى علاقة بأي واقع كان، إنها ليست إلا ظلّه الخالص».

تُفتتح الرواية بهروب ثلاثة أشخاص من قصر قائد إيزيدي، لتتحرك خيوط النص المأساوية معهم. نتحسس ظلام الكهف وفراغه الشاسع حيث اختبأوا لليلة، أصوات حركات الخيول ونظم أنفاس الأشخاص الثلاثة، وحديثهم بالتهامس وتتبع مصدر الصوت الغارق في العتمة، يتدربون على إخفاء ديانتهم الإيزيدية، وعلى ضرورة التظاهر بأنهم كرد مسلمون، كي لا يطالهم الموت والسبي على يد الجيش العثماني. يؤخرون موتهم فينجون بأنفسهم ونسلهم القادم، كقارورة محملة برسالة نجاة، تُرمى في بحر. في الكهف اقتنع (كالو) بما طلبته منه سيّدته (سلتي) وقرر أن يبتر صوته ويكدسه بملح الإشارات.

«ينبغي عليك مراقبة حركات صلاتهم وتقليدها يا

كالو، المسلمون أيضاً يصدرون صوتاً خافتاً في أثناء الصّلاة».

«وهل الأصمّ ملزم بالعبادة يا خانم؟ هل صُمّ المسلمين يصلّون؟».

نساء ضمد السل جراحهنّ الراعفة

(عيشانه، سيرانه، وسلمى) نساءٌ بأزمنة مختلفة وأماكن متعددة وبعيدة، حبيسات مرض السل والحب، واحدة تنقّب في جلد مقعد الحافلة عن آثار أصابع زوجها المفقود، وأخرى تستعيض خصلات شعرها بالخيوط لتنقش اسم حبيبها على قطعة قماش مزقتها من فستانها في المشفى، والأخيرة تهمس قرب أذن زوجها الأصم وتخبره كم تشتاق للبوح، وبأنه الوحيد الذي تفشي له سرها.

استطاع الكاتب أن ينقل لنا بواطن الشخصيات، من خلال خوضها في صراعات داخلية، كمحاولة (عيشانه) أن تنبش بين أحاديث النسوة علها تكتشف عائلة إيزيدية تمثل هي الأخرى دور التظاهر بأنها عائلة كردية مسلمة، كسرت وصايا عمّتها واستفسرت عن الإيزيديين، لتجني البكاء ما أن تختلي بنفسها في البيت لأنها شتمت الإيزيديين والديانة الإيزيدية مجاراةً للنسوة الكرديات المسلمات، وتعجّبها للكره الذي يضمرنه تجاه ذلك الدين. فيما تنازع (سلمى) في كوخ بعيد وتبني حوارات وهمية مع أمها تسألها عن حبيبها الغائب.

التشويق يستحوذ على الرواية المقسمة إلى أربعة أقسام، ويتربع على الفصول ولا ينتهي حتى مع انتهاء الحكاية، لتسأل عن المصائر المعلقة وماذا سيحل بهم وأين سيظهرون مرةً أخرى. تتقاطع عوالم الرواية مع عوالم السينما، آلية نقل الكاتب للأحداث، بحرفية، يقدمها كواقع مرئي. كأنك تحلق في فضاء سمعي وبصري مركب، تتقاطع فيه مستويات العمليّة السينمائية: النص ـ الصوت ـ الحركة..

«فكّت (سلتي) عقدة الصرّة بجانب ركبتها، وأخرجت ثلاث حبّاتٍ من التين، وصارت تسأل الظلام عن موطن يد (كالو): اقترب منّي، هاك، اتبع يدي، وخذ منها تيناً». قبائل «البوشمن» الافريقية إذا أرادت أن تروي لبعضها في الظلام حكاية، يشعلون النار لرؤية إشارات اليد بالمزامنة مع الصوت كداعم لفهم مقصد الراوي، هنا لا تستدعي أن تنير حتى شمعة لتستدل على ما ينوي الكاتب إيصاله للقارئ، لقوة لغته ومهارة أسلوبه.

« قبضَ (أَسْبيد) على اللّجام بيده الناعمة مثل أثر الضوء في ثياب الراحلين».

«بدت الجثث المتناثرة هنا وهناك كأنّها وشومٌ أبديّةٌ حُفِرت على جسد الأرض» .

نقلت الشخوص بوفاء تعاليم ديانتها الإيزيدية بسرية، جيلا بعد جيل، بالتمتمات والأغاني والهمس، داخل الرواية التي رافقتها خمس نوتات موسيقية، لأغانٍ

كردية ترددها النساء في ساعات القلق والحنين، كمن يسلّي أرقه بعدّ النجوم، منح ذلك مشهداً بانورامياً للحكاية، لاسيما أن الأغنية الكردية لعبت دوراً لا يستهان به في حماية الماضي الكردي من الفناء.

رواية متشعبة الأحداث وبأزمنة عديدة، يتوه القارئ أحياناً بين طبقاتها المختلفة وتسلسل الأحداث فيها. ربما يشعر القارئ أنه فقد السيطرة على تتبع الأحداث للحظة، ليعود خطوة للوراء مشككاً بنفسه قد فاتته سطور، ليعود ويسلّم نفسه وخياله لقارب الكاتب لكي يصل حيث يريد.

زمن الحكاية يمتد لأكثر من قرن، لم يوضّح الكاتب التواريخ، نحن نكتشفها أذا تتبعنا خطوط الأحداث التي تقع في قرى يتحدث ريبر يوسف عن بناء لبناتها الأولى، يرسم لنا بالسرد الخريطة السرية لتلك المنطقة بشكل عام فيدفعك الفضول للبحث في (غوغل ايرث) لتذهب من بقعة إلى أخرى، من دمشق إلى بيروت، حلب، ماردين، رأس العين، عامودا، القامشلي، جبال سنجار وبرلين وتل حلف وعفرين، والقرى المنسية على طرفي الحدود بين سوريا وتركيا.

يبني بغموض صورة كاملة في ذهنه، يضعها أمامنا كما لعبة تركيب الصور، هو يكمل الصورة في ذاته بكل وضوح، لكنه لا يفردها لنا بتجلياتها تلك، بل يفككها ويعيد ترتيبها بعشوائية ونظام معاً، ويضع عنف وقمع واضطهاد العثمانيين ضد الأيزيديين والأرمن والسّريان على طاولاتنا، بزمني الماضي والحاضر معاً.

«نساءُ السّل» رواية صادرة عام 2022 عن دار ممدوح عدوان للنشر.

كاتبة سورية







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي