ذاكرة خيري الذهبي في «الأصبع السادس»!

2022-09-06

صالح الرزوق

تقدم رواية «الأصبع السادس» لخيري الذهبي تصورات عن تجربة الرواية السورية مع الرعب. وإن غلب على بواكير هذا الصنف اللون القرمزي، وليس الأسود، فقد اختار خيري الذهبي أن تكون أجواؤه رمادية. ولا يعدو الرعب السوري أن يكون شكلا من أشكال التمرد على واحد من اثنين.. السلطة (ويدخل ضمنها كل أدبيات السجون والاعتقال السياسي) ثم الدولة (وتشمل طيفا واسعا يغطي أحداثا حاسمة مثل السفر برلك وسقوط الخلافة العثمانية، بالإضافة لقيام ثم سقوط الوحدة مع مصر) وهو موضوع «الأصبع السادس».

وهي عندي رواية تكافلية تدمج الماضي الوسيط مع الماضي الحديث. بمعنى أنها تربط خطين متباعدين في بنية تراجيدية واحدة. وتفرعت عن ذلك مشكلة الذاكرة الوطنية بما ترتبط به من تجاذبات في مقدمتها الدين والعرق، ويتحول العنصران لعلبة ذات أدراج سرية، أحدها يساعدنا على اكتشاف السرائر، والآخر يرفع الستار عن العقل بكل ما يتضمنه من علاقات تخلّف وجمود تاريخي.

يضعنا خيري الذهبي بهذه الطريقة وسط دائرة واسعة من الخرافات والأساطير التي تكشف عري الشخصية المحلية وإفلاسها وتحولها إلى كائنات رملية وطحلبية. تتقاطع في الرواية دائرتان، الأولى التابع (الباش شاويش وفضاؤه) والثانية المتبوع (الآغا ومجتمع الأكابر) وندخل في كل دائرة على أحد مستويات الوعي في لحظة تأزيم وانفراج، وتتشكل في غضون ذلك الهوية الوطنية (والتنازع يكون بين سورية السوري وعروبته)، وتغلف القضية مفاهيم لها علاقة بالجنوسة، ومسائل الحلال والحرام، ومشكلة الانتماء الذي تأرجح بين خيارين لا ثالث لهما وهما الدين الديني (العقل)، والدين الطقوسي (العادات والتقليد). وتقف الأرض – أو الروح في موقع غامض ومحايد.

وتفرض الحبكة على الشاويش العجز الجنسي، ويتستر عليه بإبداء مظاهر بطولة خارقة، منها اقتلاع جذور الكرنب بعضوه، واصطياد الضباع والاختلاط بالجان. في حين يدين الآغا بالولاء في الظاهر للوالي العثماني، وفي السر لجماعة النهضة والتنوير. مع ذلك تبرز لنا الشخصيات وهي في نصف غيبوبة، ولا سيما الضابط الفرنسي، ضيف الآغا، الذي لا يعرف ماذا يريد، ويعيش وهو مخدر بالحشيش والكحول. وكذلك الشاويش الذي تتنازعه مشاعر متضاربة تتراوح بين الإحساس بالعار ورواسب بطولية، علاوة على ذلك هو صياد كواسر، لكنه لا يوقع إلا بالضباع، ومعروف أنها حيوانات مقابر، وهذه كناية واضحة عن تآكل الواقع وقحطه، ويجب أن لا يمر اقتراض صورة الضبع مرور الكرام، فهو رمز يختلف عن الثعلب كما صوره دي. إتش. لورنس، وعن الدب الذي وظفه فوكنر، لأنه محروم من معيارين أساسيين: الانتقاء والبطش، أو بلغة فنية التجديد وهدم الأشكال القديمة. ولا يخلو هذا الضبع من عدة توريات، فقد كان رافعة فنية في الرواية، وقد رسمه الراوي بعدة هيئات بصورته الفيزيائية وتوابعها، بالعينين المتلألئتين في الليل، وشعره المنتصب كأشواك القنفذ، ثم بصورته في الخيال الشعبي وبقايا الأساطير والمعتقدات، وما يمثله من رعب وقدرة في السيطرة على البشر وتلبسهم ثم افتراسهم، وأخيرا باللوحة التي رسمها برناردو على ورق أبيض.

وإذا كانت هذه الصور تأتي على شكل مراحل وتتضمن أكثر من معنى إبليسي وإحالات لرهاب الخصاء (تسميه الرواية – بعد الخيال الشعبي: التضبيع) يوجد  جناس مؤكد بين الضبع والليل وتجربة الرعب. وهذا الثالوث لا يقودنا إلا إلى جيب دلالي واحد، ويعود الثالوث للظهور بشكل علاقة تربط بين الشاويش (رمز الأب) والصبي حامل الطبل (رمز الابن) والضبع الهرم المشرف على الهلاك (رمز طوطمي للإلهة الأم المحرومة من المكانة الرفيعة). وقد ورد ذكر ضرعها الوردي في عدة مناسبات، الأمر الذي يؤكد تأنيثها، وأضيف لذلك اللوحة التي رسمها برناردو وضمها لمجموعة لوحات عن نساء نصف عاريات تتدلى أثداؤهن وسط بساتين غناء – في إشارة مؤكدة للجنة، وكأن هذه الصور أوثان، أو أقله أيقونات في معبد. ويجب أن لا نهمل في هذا السياق الإطار العام للحبكة. وهو حملة أبناء محمد علي على سوريا، وكانت هذه الحملة أشبه بالدعاية لدين مستجد. ومع أن الهرم العائلي يحتفظ للأب بموضع متقدم في الأعلى، كحارس لصور الأم الإلهة، من جهة، ومستفيد من عطايا الأم -الضبع والابن – حامل الطبل، أو موظف البروباغاندا، فهو على شاكلتهما مرؤوس وضعيف ويئن من سلطات مرئية – كالوالي، وغير مرئية – كالبعثات القادمة من باريس أو لندن، بمعنى من المعاني لا يوجد وعي أوديبي. ويمكن أن تنظر للجميع على أنهم أفراد في النادي نفسه (وهو نادي الفواجع)، وبالأخص أن اقتصادهم غير ريعي ويقوم على التربح والتكسب، وبلا أي احترام لقيمة العمل، لذلك لم يكن الصراع دراماتيكيا، هذا إن كان يوجد صراع في الأصل.

كانت التفاصيل في الرواية تشير لنوع من الاختلاطات التي يصعب فرز محتواها. وكانت الأطروحة المحلية تلغي وتقطع أيضا الأطروحة الوافدة. وهذا يفسر لماذا رأى الآغا أن برناردو صورة له بالمرآة وهو ليس مستعمرا أو محتلا. وهي أول  إشارة إلى حملة تعريب العقل العربي. وأقصد بذلك: استعارة الأجنبي لأقنعة محلية أو مونولوج داخلي، بمعنى أن السلطة المحلية أصبحت أشبه بدوبلاج للآخر.

وتفرض الحبكة على الشاويش العجز الجنسي، ويتستر عليه بإبداء مظاهر بطولة خارقة، منها اقتلاع جذور الكرنب بعضوه، واصطياد الضباع والاختلاط بالجان. في حين يدين الآغا بالولاء في الظاهر للوالي العثماني، وفي السر لجماعة النهضة والتنوير.

لقد تحكمت بخيوط السرد لعبة تبادل المواضع، فالأجنبي يتكلم في بلاد الشام بلهجة مصرية. وهو بالأساس الملقن الذي طبع مصر بطابعه، وهذا يساوي بين الوافد الغربي (الاحتلال) والوافد الشرقي (المخلص من الاحتلال) ويبدو لي أن التلقين أطروحة أساسية في الرواية. حتى أن العسكري الفرنسي يلح على أن الجنة فكرة توراتية، وأن بوكاشيو لا يدين للمعري بشيء لأن رسالة الغفران، مثل ألف ليلة وليلة، مستوحاة بالأصل من لوسيان اليوناني، وهكذا نلاحظ كيف تدور عجلة صراع الحضارات مثل دولاب الروليت، لتنتقل القضية من تكامل تاريخ متحول إلى رهان على عقل فوق تاريخي – وذهن مركزي يلغي ويتقمص. وهو ما نفهمه من عتاب الآغا لبرناردو حين يسأل باستنكار: هل تقصد أن ما قدمته جماعتنا مستعار من ذلك اليوناني. ولم يكن سؤاله إنكاريا، بل ينقل لنا صدمة التفكير النائم وهو يغشاه أول خيط من أنوار الحقيقة، حتى أن كل مصطلحاته تبدو محتارة ومترددة، فيقول عن الفرنسي أحيانا الجاسوس وأحيانا الكافر، ويسمي المصري أحيانا بالمارق أو الزنديق. وإذا فاض به الكيل ينعته بالأرناؤوطي. وإذا كان الفرنسي يتنكر في السرد بثياب «ابن البلد»، فالمدينة تتنكر باسم القرية. ولا يمكن أن تلاحظ علاقات إنتاج ريفية في كل الرواية، وأهم المشاهد تدور في البيوت والمقابر، الأمر الذي يجعل من العمل أقرب إلى الجو الغروتسكي اللاأدري، حيث يخيم الموت الأسود على إرادة الحياة (وفي الرواية نزوع واضح لقتل طوطم الأم وعدد كبير من أطفالها – ويغلب بظني أنهم أبناء بالإسقاط وليس بالولادة – وهذا إثبات على قتل المعنى ودفن المستقبل حتى قبل أن يبدأ. ويزيد من فظاعة الجريمة أن الأموات الصغار دون رأس ولا أصابع أحيانا).

ولا يبقى في هذه الحالة غير الأب – الدلالي ووحيه (الضيف الأجنبي – رمز الشرق الغربي، أو الشرق المزيف). وما يؤكد هذا الافتراض جو القرية بشكل عام، فهو بعيد جدا عن العلاقات الإنتاجية للحقل، وأقرب لاقتصاد الربا أو  التكسب بالاستثمار، وكل أزقة وزواريب القرية المفترضة لا تختلف عن أي ضاحية بمحاذاة دمشق. إنه ريف يكرر الحالة الوجودية للبلدات الصغيرة في أوروبا، بمعنى أن المكان أيضا ديكور لتمرير أطروحة مضادة. ولذلك كانت الدراما في الرواية بين جهة متحركة (تمثل العالم والتاريخ) وجهة ساكنة (تمثل الجغرافيا – وتضاريس الذاكرة والمكان). وفي هذا الصدد يفرط خيري الذهبي في الاعتماد على الإشارات الغامضة ومنها الروائح (كرائحة الاستسلام والرعب – غير متعين، ورائحة النبيذ – متعين) والأشكال السائلة كالدخان والظلال وسوى ذلك. ولكن لن تجد إشارة واحدة لجّرار يهيئ الأرض للزراعة أو لرائحة تراب مبلول بعد زخة مطر، ولم يكن خيري الذهبي كريما مع شخصياته، لم يصلبها ويشمت منها علنا، ولم يمنحها موضعا بارزا. وسمح لها أن تعيش في الظل وأن تعمل في الليل. وهذا دليل آخر على غربة وعبثية المجتمع وغياب الحساسية التاريخية منه. وينظر لهذا الجو الرمادي والبطيء كما لو أنه خطيئة مدبرة. ويقول عن ذلك: «إنه حينما ينظر لبلاده يراها ساكنة سكون شتاء أهلها. وتتخللها روائح حطب يحترق وصوت تشكيات صغار يرفضون اليقظة»، وربما هذا هو مغزى الرواية: احتراق حياتنا الراكدة والجافة. ثم يقول ليقطع الشك باليقين: «لا يمكن تفسير التاريخ كأنه ساكن كالمستنقع»..

صدرت الرواية عن دار ميريت في القاهرة 245 صفحة

كاتب سوري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي