محلل أمريكي يرصد كيف تحول التلاعب بالكلمات إلى أعمال عسكرية في خليج تايوان

د ب أ- الأمة برس
2022-09-03

من الصعب إنكار أن عواقب زيارة بيلوسي لتايوان قد نجم عنها تشدد في مواقف جميع الأطراف، وتصعيد في التوتر بين أمريكا والصين (ا ف ب)

واشنطن: ليس هناك شك في أن أصداء زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، لتايوان أوائل آب/أغسطس الماضي، سوف تستمر لبعض الوقت، حيث تتكشف ديناميكية تفاعلية بين بكين وواشنطن وتايبيه، ولكل طرف تفسيره الخاص لما يجري، وما أضطر لفعله كرد فعل.

وعقب الزيارة، شرعت بكين في سلسلة، غير مسبوقة، من المناورات العسكرية حول الجزيرة، وأكدت أن واشنطن وتايبيه انتهكتا الخط الأحمر الخاص بها، باختراق تفاهمات سابقة لإطار "صين واحدة".

ويقول الكاتب بول هير، الزميل البارز بمركز “ناشيونال انتريست”، والزميل غير المقيم بمجلس شيكاغو للشؤون العالمية، في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال انتريست” الأمريكية، إن واشنطن رأت في تحركات الصين رد فعل غير مبرر، ويزعزع الاستقرار، وتعهدت بالحفاظ على موقفها العسكري في مضيق تايوان، لردع بكين عن أي استخدام فعلي للقوة.

وأعلنت تايبيه أنها ستزيد الإنفاق الدفاعي لتعزيز الاستعدادات في مواجهة أي هجوم صيني محتمل.

ويرى هير، وهو مسؤول سابق للاستخبارات الوطنية لمنطقة شرق أسيا (2007 – 2015)، أن هذا كله يعكس ميل الأطراف الثلاثة إلى رؤية المأزق في المضيق كمشكلة عسكرية، بل ويعزز ذلك، ليصبح الأمر أكثر صعوبة مما كان عليه بالفعل لاتباع مسار دبلوماسي لوقف التصعيد.

ورغم ذلك، يحول الإنشغال بالتدريبات العسكرية في خليج تايوان الانتباه عن اللعب المعقد بالكلمات من قبل الأطراف الثلاثة لتبرير مواقفها وأفعالها. ويقول هير إن الرواية السائدة الآن هي أن بكين صنعت "موقفا راهنا جديدا" أو "وضعا طبيعيا جديدا" عبر ترتيب وضع عسكري معزز حول الجزيرة.

غير أن ذلك يغفل، أو يحجب، التغييرات التي حدثت للوضع الراهن، والتي يتردد أن واشنطن وتايبيه قامتا بها.

ويقول هير إن متخصصي السياسة الصيينة غالبا ما يستدعون أنه في عام 2004 أكد مساعد وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، جيمس كيلي، في إفادة أمام الكونجرس، أن أمريكا لا تؤيد "تحركات أحادية الجانب (بشأن تايوان) من شأنها تغيير الوضع الراهن، كما نحدده". ولكن كيلي لم يحدد "الوضع الراهن"، ولم يفعلها أي من المسؤولين الأمريكيين مؤخرا، وهم يؤكدون معارضة واشنطن لأي "تغيرات أحادية للموقف الراهن". وفي جميع الأحوال، من الواضح أن "الوضع الراهن" حاليا هو أنه يمكن لرئيسة مجلس النواب زيارة تايوان كأمر روتيني يتسق مع "سياسة صين واحدة"، رغم التقارير التي أفادت بأن إدارة بايدن لم تحبذ زيارة بيلوسي، ولم تريد لها أن تحدث.

كما أحجمت تايبيه عن تحديد "الوضع الراهن"، ولكن تردد أنها في ظل حكم الرئيسة تساي إنج-ون، تراجعت على نحو تدريجي عن إطار "صين واحدة".ومن جانبها، تحدد بكين بشكل أساسي "الوضع الراهن" من منظار "مبدأ صين واحدة"، وجود صين واحدة، تايوان جزء منها، وبكين هي الحكومة الشرعية الوحيدة والممثل الدولي لها.

ويخلص هير من ذلك إلى أن العنصر الرئيسي هو أنه لا معنى للحديث عن "الوضع الراهن" في مضيق تايوان دون الإقرار بعدم وجود اتفاق متبادل بين الأطراف المعنية حول تعريفه، أو توصيفه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن "الوضع الراهن" في المضيق لم يكن ثابتا مطلقا.

وأشار إلى تلاعب آخر بالألفاظ، يركز على الاختلاف بين "مبدأ صين واحدة" الذي تتبناه بكين، و"سياسة صين واحدة" التي تتبناها واشنطن. وانتقدت معظم التعليقات خلال الأسابيع الأخيرة إدعاء بكين المستمر بأن أمريكا تلتزم منذ أمد بعيد بـ "مبدا صين واحدة"، رغم أن واشنطن "تقر" فقط، بعبارة "تايوان جزء من الصين"، دون قبولها أو تأييدها، بما يشمل أن أمريكا كانت تعتبر تايوان جزءا من الصين حتى اندلاع الحرب الكورية في عام 1950. ثم تبنت واشنطن لاحقا موقفا يعتبر الوضع القانوني لتايوان "غير محدد"، وهو موقف نوقش كثيرا، وانتهكه المسؤولون الأمريكيون أحيانا في خطابهم.

وعلاوة على ذلك، ترى بكين "تفريغا" لـ "سياسة صين واحدة" التي تتبناها واشنطن، على وجه التحديد بعدما أعلن أن زيارة بيلوسي لا تمثل انتهاكا أو تغييرا لهذه السياسة. وإذا ما كان بوسع إدارة بايدن تبني موقف يفيد بأن زيارة بيلوسي مقبولة في ظل السياسة الأمريكية-رغم معارضتها لها- فكيف يتسنى لبكين معرفة حدود تلك التصرفات؟

وبالإضافة إلى ذلك، يتضمن التلاعب بالكلمات أيضا ما يتردد من تأكيدات من قبل مسؤولين أمريكيين أن بكين بالغت في رد فعلها على زيارة بيلوسي لتايوان واتخذتها "ذريعة" لتنفيذ خطط مقررة سلفا لإجراء مناورات عسكرية غير مسبوقة في المنطقة المحيطة بتايوان.

ويقول هير إنه في كل الظروف، ستخسر بكين كثيرا، وستجني القليل، من وراء قعقعة السيوف حول تايوان، دون وجود استفزاز واضح، خاصة في ظل المخاطر التي يواجهها الرئيس الصيني شي جين بينج من إشعال فتيل أزمة دولية قبل أسابيع من مسعاه للفوز بولاية ثالثة، والهيمنة على جدول أعمال المؤتمر العام العشرين للحزب الشيوعي الصين، المقرر منتصف تشرين الأول/أكتوبر.

كما ثار نقاش مرتبط بدلالات الألفاظ، حول ما إذا كانت زيارة بيلوسي قد أطلقت شرارة "أزمة" جديدة في مضيق تايوان. ولكن يبدو أن بعض علماء السياسة لا يريدون تصنيف الأمر على أنه أزمة، استنادا إلى تقييم بوجود احتمال ضئيل لاندلاع صراع عسكري فعلي. ومن المفترض أن إدارة بايدن لا تريد وصف الوضع بأنه أزمة، حيث إن إظهار تنبيه من شأنه أن يقود إلى إعادة النظر في سياسات أمريكا، هو ما تسعى إليه بكين.

ومن الصعب إنكار أن عواقب زيارة بيلوسي لتايوان قد نجم عنها تشدد في مواقف جميع الأطراف، وتصعيد في التوتر بين أمريكا والصين، وتبادل للاتهامات يبدو أنه سيتصاعد- خاصة إذا ما واصلت هذه الأطراف التركيز على إبداء ردود الفعل العسكرية للموقف.

وتتحمل بكين بالطبع مسؤولية كبيرة عن تأجيج الموقف الحالي، وهي تواصل الترويج لرواية "من أشعل الفتيل"، التي تخدم أهدافها، وكذلك توصيفها لــ "الوضع الراهن" الذي يصب في الاتجاه نفسه. وأيضا لا تزال بكين تعتمد، حصريا، على أدوات قسرية في التعامل مع تايبيه، بدلا من تقديم حوافز واقتراحات إيجابية لتناول الاختلافات عبر المضيق.

وتظل تايوان أسيرة شراك تاريخي نسجته واشنطن وبكين قبل أكثر من أربعة عقود، وهو يتمثل في البيانات الثلاثة، وهي مجموعة من ثلاثة تصريحات مشتركة بين حكومتي أمريكا والصين، لعبت دورا مصيريا في تطبيع العلاقات بين البلدين، وتظل عنصرا أساسيا في الحوار بينهما. وهذا أمر غير عادل، ومؤسف لسكان تايوان، ولكن هذه هي الظروف التي يتعين مواجهتها بدلا من إنكارها أو تحاشيها.

وفي ختام التحليل، يقول الكاتب هير إن زيارة بيلوسي للجزيرة كشفت عن المأزق الخفي في سياسة الولايات المتحدة نحو تايوان، ووضعتها في الصدارة على نحو مزعج.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي