السرد بين الحكائي والصوفي في رواية «كاليفورا»

2022-08-22

عبدالحفيظ بن جلولي

تمثل الرواية لحظة المتعة، لا باعتبارها سردا محكم اللغة والحدث، لكن لأنها توهم بالواقع من حيث تبني أحداثَ واقعٍ متخيل، فيبدو الذوق هو الفاصل في علاقتنا بالنص الروائي، إذ ننجذب لرواية وننفر من أخرى تبعا لذوق القارئ الذي يتشكل انطلاقا من تجربة وخبرة في القراءة، ورواية «كاليفورا» لنبيلة عبودي، من النصوص التي يتشكل فيها السرد متواطئا مع الموضوع، ليبنيا هيكل المضمون القريب من الساردة/الكاتبة وحقل تخصصها، وعلاقة ذلك بالتوجه الحياتي لمعيارٍ (الرواية) يمتح من التخصص، باعتباره معضلة وجودية.

إن «رضا عابد» الشخصية الرئيسة أستاذ الفلسفة في الجامعة، يشكل بؤرة النص المتطور داخل معضلة وجودية تتعلق بالبحث عن الحقيقة، وبالتالي البحث عن الذات، لكن رضا في تحوله إلى مستوى ذاته المبحوث عنها وبيانها في المستوى الأول من الرواية، هو تحول اسمي أيضا، أي الإشارة إلى الذات في مستوى غير مستوى الوجود في الذات المزيفة، فينتقل من «رضا عابد» إلى «نضال سرمدي». ينتقل من الـ»رضا» بما تم تلقينه إياه فأصبح عابدا برضى، وحيث الرضى فلا سؤال هناك، وحيث لا سؤال لا فكر في الأفق، لذلك أُحيلَ «رضا» في زمن سردي معين على التجاوز: «فالماضي انقضى.. وما فات مات.. ومات رضا عابد» فقابل السرد هذه الوضعية الآيلة إلى السكون بنمط من التسمية المتداولة في قاموس الحركة، فالـ»نضال» فعل استمرار تمردي، والـ»سرمدي» الدائم المطلق الذي ترومه النضالية في تمردها على ذاتها وعلى السائد: «ومات رضا عابد يوم نضى عنه ثوب الماضي.. وارتدى ثوبا جديدا.. بل اسما جديدا لم يكن له يوما.. نضال سرمدي».

تنتج الرواية هذه السلسلة المنطقية تأويلا من الوعي السردي الاسمي، الأساس لتضع الإطار الحكائي داخل منظومة فكرية روحية تبني مسارا سرديا نحو منظومة اسمية موازية يحال عليها فعل التمرد، والمتحركة نحو الذات ابتداء، باعتبار الانفصال الذي وقع اسميا بين «رضا» الذي أصبحه «نضال، ثم نحو الروح بعثور «نضال» على وصية أرشده إليها جده «سلمان» أحالته إلى «الحقيقة» ثم إلى «حقيقة الحقيقة» وبعدها إلى «حق الحقيقة» كما هي رحلة الفراشة في طاسين الفهم للحلاج. يدخل الجد سلمان ضمن البرنامج الاسمي المساعد الذي يؤدي مهمة التجسير بين «رضا» و»نضال» إذ يتموضع ككتلة التوازن بين متضادين ليتحولا إلى متداخلين، وهكذا لم يسر الاسمان متنافرين بل سارا متجاورين يبحثان عن فرصة لتجسير السلام بينهما، وهو ما يتكرس في اسمية الجد «سلمان» باعتباره الذاكرة، إلا إنه ينبثق ذاكرة روحية في النص غالبا عليه المنحى السلوكي بدلالة صوفيته. لكن سوف يكون الـ»رضا» والـ»نضال» اعتبارين اسميين يحملان سرديا الكفاءة الرمزية التأويلية، دون معنى، إذا لم تتوجه القصدية إلى إدراك وعي ما، وهو المستوى الاسمي المنوط بذاكرة السرد أن تفجره في لحظة ذات شحنة انبثاقية في فضاء الروح والوجد. يتأسس اسم «مراد عزي» منطلِقا من مركزية الفعل التفكيري المبأر في «الفلسفة» التي تتحقق عامليا في الشخصية الرئيسية «رضا» والثانوية «مراد» والوعي باعتباره «وعيا بشيء ما» حسب هوسرل، فإن الوظيفة السردية تتركز في الاسم «مراد» عند معنى «القصد» وبالتالي، يتحقق في «رضا» و»نضال» قصدٌ ومراد، ويظهر في الجملة السردية: «أنا مراد.. أعود إليك روائيا، فأجدك وقد أصبحت رضا.. أطياف ابن عجيبة.. الحلاج.. الجنيد.. والشبلي تؤنسك..».

تقف رواية «كاليفورا» عند حافة التحول الروحي في تجربة التصوف، فتستدعي المنظومة المساعدة الثانوية لتفعل حركية المسار أو «السلوك» بلفظ صوفي نحو المطلق أو الحقيقة، فيبتهج منطق السرد الصارم بتوهجات الأسرار الصوفية في سردية «الحال» ولهذا تحيل الرواية في جزئياتها المتناثرة بين عودة «سلمان» باعتباره بُشرى السلام الروحي: «وجاءني السر ذات رؤيا» و»..كنت أفكر فيه شاردا عندما همس الشيخ منور في أذني: سلمان يقرئك السلام» وعثور نضال على المخطوط: «حملت الكتاب والمخطوط.. وعدت إلى المنزل» تحيل الرواية بين هاتين اللحظتين إلى المنظومة المساعدة الثانوية في سردية التصوف، وهو ما يمنح الرواية بعدا فلسفيا، قد يجعلها رواية فلسفية، تشتغل على الحكاية، لكن يغلب عليها السرد والوصف بتجلياتهما الفلسفية.

يحاول نضال وهو في طريقه للبحث عن رضا أن يدخل في عزلة مع المخطوط، لكن الرواية تختلق عذرا سرديا لإعاقة مسار العزلة: «ثم حملتُني وحقيبتي.. وقصدت قسنطينة.. لكن الحقيبة كانت مليئة بالثياب.. فارغة من المقصود» ما بين العثور على المخطوط وفقدانه تتأسس لحظة اهتزاز الذات وشعورها بالخيبة، لكن القصد يتشكل احتمالا في أن العودة إلى الذات كانت رغبة أم مجرد نزوة؟ والفرق في المكان ما بين «الميلية» فضاء الزاوية السلمانية، و»قسنطينة» فضاء السؤال الفلسفي يحرك في السرد هاجسيْ اليقين والشك، وطالب الحقيقة (الصوفي) بطبيعته يتقلب بين هاتين الضفتين اللتين تكشفان عن جمرة الهوى التي تتطاير نجيماتها الحمر في الفضاء مخلفة سرابا من الضوء يكشف جزءا من المسار (الطريق) لهذا هو يتردد على الخلوة كي يستولد من المحبة في كنف المحبوب طريقا جديدة، فالخلوة لدى الصوفي اصطفاء وليس عادة، لا يعود إليها رغبة، بل شوقا زرعه المحبوب توفيقا في قلب المحب: «وهكذا قدر لنا – نحن الذين نحب الله ـ أن نعيش أمواتا في العالم.. ونفنى فيه لنحيا في حضرته».

تنبثق أصوات سردية من أصقاع المتاه الصوفي في طواسين الحلاج، وشك أبي حامد الغزالي، وحرائق الرقص في دوران جلال الدين، ونتف من ابن عربي والشبلي، تلعب دور الجسر بين سردية الحكاية في العلاقات بين الشخوص، وسردية المعنى في النص الصوفي الذي يساعد على تثبيت الحكاية في أجواء الروح وهو ما يلفت أفق تلقي القارئ إلى طبيعة النص الذي يتناوله وتهيئةً له لتصنيفه.

لا يمثل العنوان فقط علاقة بينه وبين النص، بل يتأسس شخصية مكرسة داخل النص تنبني عليها فرضيات سردية تجعل من «كاليفورا» الذبابة الزرقاء علامة داخل النص، لها علاقة بالموت والحياة، فعادة ما نتكلم عن زرقة الموت، وهو ما جعل «نضال» يكتب عن عمار والده الذي اغتاله الإرهاب: «ولم يدفعني للكتابة عن عمار غير هذا اللون» وعند هذا المفصل السردي يتعالق الموت بمعنييه الرمزي والفيزيقي في علاقاتهما باللون الأزرق، فنضال حل مكان رضا وهو ما يعني رمزيا موت الثاني، ثم موت الأب الذي كان جرحا نرجسيا لأن صورته كانت بمثابة المثل وليس العدو كما هو في أسطورة أوديب، لكن بين طبيعة الموت الزرقاء وكاليفورا التي دلت على عمار: «وفجأة ظهرت في موتي كاليفورا» باعتبارها تنجذب برائحة نتانة الجثث، يتجلى العدم والوجود، فموت عمار كان فجائيا يمثل الفقد في مستويين: مستوى فقد الحياة ومستوى فقد الجثة، والعثور على الجثة كان بمثابة العودة من العدم إلى الوجود الهوياتي المتمثل في الجسد، فالدفن ليس مجرد ردم لجثة تتحلل إخفاء لنتانتها، لكنه إثبات لهوية فقدت وجوديتها، ولهذا وجود كاليفورا سرديا منح نضال فرصة العثور على رضا (الميت رمزيا) وما تمثله الحياة بالنسبة إليه من تموقع داخل فصل الكتابة: «أصدرت الأمر لخطواتي.. عندما حطت على الخد الأيسر كاليفورا»/ص244، وإصدار الأمر للخطوات يكشف عن السكون القبلي والحركة البعدية، وكان هذا بعد ظهور كاليفورا، التي دفعت بالسكون صوب الحركة، أو بالموت صوب الحياة رمزيا.

يبدو أن الروائية وهي تختار العنوان كان يسكنها شيء من «الرعب السردي» بعد أن انتهت من إنتاجية النص، رعب فقد الإنسان لهويته، وتناهيه إلى الضياع، رعب الانفصال عن الأسرة، باعتبارها هوية الدم كما وقع لشخصية مراد عزي بعد مأساة التعارض بين العقل والعادة، رعب قتل الأب وفصل رأسه عن جسده، رعب رحلة العقل في مدار التيه بين الأفكار والوساوس، رعب موت رتيبة أخت عمار بالسرطان، بعد أن منعت من ممارسة حقها في الحياة من ناحية التعليم واختيار شريك الحياة والروح. يبدو لي أن وعيها كان مسكونا بـ»كاليغولا» الطاغية الروماني، فانساقت خلف رنين الدلالة في أثر كلا الرعبين في الاسمين، ولا شك في أنها استطاعت أن تتجاوز بالرعب من منطقه العدمي إلى حالته الوجودية المستمرة في ممارسة حرائق الكينونة، وهو ما تترجمه نهاية الرواية في «أصدرت الأمر لخطواتي».

مشكلا بالنسبة للقارئ، إذ عادة ما تختلف في عمقه صراعات النص، وما يثيره في وعيه من تأثير، إذ يحتار بين جودة النص أو ردائته، و يبدو أن معيار الرداءة ينسحب مفسحا المكان للذوق، فذوق القارئ عادة ما يكون فاصلا لصالح النص

كاتب جزائري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي