مصطفى الفقي: التعددية جزء من فلسفة الحياة

2022-08-20

عاطف محمد عبد المجيد

في كتابه «ذكرياتي معهم» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يتحدث مصطفى الفقي عن تسع وثمانين شخصية واصفا إياهم بأنهم كوكبة شخصيات عرفها في حياته، وتيار من رحيق الحياة. هذه الشخصيات تمثل مجموعة مختلفة من تخصصات متباينة ومهن متعددة ومشارب شتى، ما بين العلم والأدب والفن والسياسة والعسكرية والدين، إنهم خليط من مصريين وعرب وأجانب، وسبيكة يُعتز بها مهما اختلف تقدير بعضها أو انتقاد بعضها الآخر. الفقي يضع صفحات كتابه هذا أمام القارئ ليدرك أن التعددية هي جزء من فلسفة الحياة، وأن النمطية ليست بالضرورة هي عبقرية الوجود، وفيها سيجد لمحات عن شخصيات أدركها في رحلة العمر وتركتْ بعض بصماتها عليه، وربما يكون هو ترك أيضا شيئا من ذلك لديهم. لقد أراد الفقي هنا أن تعرف الأجيال الحالية كم كان لهذه الشخصيات من عطاء وبذل وإخلاص وبصمة في حياتهم وحياة الآخرين، خاصة وهو يرى أن دائرة مسارات الحياة تكتمل بين سابق يؤثر ولاحق يستلهم.

مثقف فريد

إبداعيا وثقافيا يكتب الفقي عن ثروت عكاشة، جابر عصفور، جمال الغيطاني، خيري شلبي، روجر أوين، سمير سرحان، الأبنودي، لويس عوض ونصر حامد أبوزيد وغيرهم. علميا وأدبيا يكتب الفقي عن زاهي حواس، مجدي يعقوب، مراد وهبة، أحمد زويل، حامد عمار، عبد العظيم أنيس وغيرهم. أما صحافيا فيكتب الفقي عن توماس فريدمان، أحمد بهاء الدين، أنور عبد الملك، جهاد الخازن، محمود السعدني، مفيد فوزي وغيرهم. ويختار من حماة الوطن عددا من البواسل الشامخين منهم المشير أبو غزالة، أحمد رشدي، حسن أبو باشا، الفريق أول محمد فوزي، الفريق سعد الدين الشاذلي وغيرهم. الفقي يصف ثروت عكاشة بأنه ظاهرة من نوع خاص في تاريخ ثورة يوليو/تموز وحركة الضباط الأحرار، وهو مثقف من طراز فريد، يقف على قمة هرم الثقافة المصرية، ولقد ربطه به إعجاب شديد كضابط فذ يتعاطى الثقافة منذ شبابه ويتحدث الفرنسية بطلاقة ويقتحم جوهر المعرفة الإنسانية ويبحر في كل روافدها.

أسرار الحضارة

ومتحدثا عن ذكرياته مع الراحل جمال الغيطاني يقول عنه، إنه روائي اخترق حدود المحلية لتصل ترجمات ما يكتب إلى عدة لغات حية، إنه الخبير المدقق في تاريخ الحضارة الإسلامية في مصر وآثارها الباقية، الذي بدأ يخترق أسرار الحضارة الفرعونية أيضا في سبيكة غير معهودة في تاريخنا الثقافي. الفقي يذكر أن الغيطاني قال له ذات يوم: إنه لا يفهم تاريخ الحضارة العربية الإسلامية إلا من يلم أولا بتاريخ الحضارة المصرية الفرعونية. ومتحدثا عن الراحل خيري شلبي لا يظن الفقي أن أديبا أو روائيا قد حفر طريقه في الصخر وعانى شظف العيش مثلما هو الأمر بالنسبة إلى شلبي. لقد بدأت معرفة الفقي بشلبي حين كتب الأخير دراسة رصينة عن الأول في مجلة الإذاعة والتلفزيون تحت عنوان «المفهرس». الفقي يتذكر كذلك ما حكاه له سيد حجاب عن المعاناة التي عاشها خيري شلبي في سنوات شهرته الأولى، وهو يشق طريقه بصعوبة بالغة. هنا أيضا يتذكر الفقي روجر أوين أحد أشهر أساتذة العلوم السياسية ونظم الحكم في العقود الأخيرة، وهو المسؤول عن دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد الأمريكية، وتدل مقالاته على قدرته في فهم منطقة الشرق الأوسط وشرح أبعادها المختلفة، والتعليق على التطورات التي تجري في مصر والمشرق العربي. أما حين يكتب الفقي عن سمير سرحان فيقول إنه يكاد لا يتذكره أحد، رغم أنه كان ملء السمع والبصر وكان شخصية من طراز خاص، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه لكنه في النهاية شخص متفرد بما له وما عليه. لقد كان سرحان رجلا رحبا واسع الصدر يحتوي أصدقاءه وزملاءه ويقود العمل بأسلوب تلقائي مفتوح أمام الجميع. ومتذكرا علاقته بالراحل الدكتور حامد عمار، يقول الفقي إنه لا يختلف اثنان على أن النهوض بمصر وإخراجها من محنتها، إنما يرتبط أساسا بقضية التعليم فيها، مؤكدا أن كتابات عمار أسهمت على مدى ما يزيد على نصف قرن في تطوير التعليم المصري، ومحاولة دفعه نحو الأساليب العصرية والطرائق الحديثة. الفقي يصف عمار بأنه الناسك في محراب العلم والزاهد في ميدان الحياة. هنا يبعث الفقي بتحية إلى عمار الرجل الذي أفنى عمره وقدم عصير حياته من أجل رسالة رفيعة الشأن عالية القدر هي رسالة التعليم العصري في المجتمع المصري.

نجوم ساطعة

كذلك يكتب الفقي عن الدكتور مجدي يعقوب أحد أبرز الأسماء التي تألقت في مجال جراحة القلب المفتوح وحققت شهرة واسعة في المملكة المتحدة وخارجها. في مجال الصحافة يكتب الفقي عن أحمد بهاء الدين ابن الوادي العريق، الذي شق طريقه في حكمة واقتدار حتى أصبح أحد النجوم الساطعة في عالم الصحافة. كما يكتب عن أنور عبد الملك المفكر المصري العملاق الذي خاض في بحار الثقافات، وتأرجح بين الديانات وخرج على السياق التقليدي من نظرة الإكبار الشديد للغرب، لكي ينظر باحترام إلى الشرق. أيضا يكتب عن توماس فريدمان الكاتب الأمريكي الذي أثار جدلا بلا حدود، حتى أن هناك من ينسب إليه المبادرة العربية برمتها، وكانت صدى لواحدة من مقالاته المحورية وكتاباته المستفزة التي تحرض على التفكير وتدعو إلى التأمل.

وهكذا ينتقل بنا الفقي، من خلال ذكرياته عبر صفحات هذا الكتاب، من شخصية إلى أخرى، جاعلا إيانا نطالع ذكرياته التي عاشها وعايشها مع كوكبة من شخصياتٍ لها وزنها على مستويات شتى، متذكرا لقاءاته معهم، كاتبا عنهم بورتريهات صادقة، توضح مدى قيمة هؤلاء على خريطة الأدب والفكر والعلم والثقافة والإبداع.

كاتب مصري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي