المبحرون إلى أعالي النخيل: دراسة «غير شاملة» في أدب الخليج العربي

2022-08-09

إبراهيم خليل

قليل من الدارسين والباحثين في الأدب، هم الذين يهتمون بالأدب العربي – شعره ونثره – في الخليج العربي. فقد سبق لسيد حامد النساج أن وضع كتابا عن الرواية العربية سماه «بانوراما الرواية العربية» (1982) زعم فيه أن الكتاب يُلقي نظرة شاملة على أدب الرواية العربي. إلا أنه اقتصر على نماذج روائية من مصر وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي والسودان. ولم يتضمن دراسةً، أو عرضا، أو تعريفا برواية خليجية واحدة. وحذا حذوه محمد حسن عبدالله – من مصر- في كتاب صدر عن سلسلة عالم المعرفة (1989) بعنوان «الريف في الرواية العربية» وجدنا فيه نقصا كبيرا، فهو يقتصر على روايات من مصر والسودان وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي. وليست فيه إشارة لأي من الروايات الكويتية، أو العمانية، أو السعودية. ويأتي كتاب إبراهيم السعافين الموسوم بعنوان شاعريّ «المبحرون إلى أعالي النخيل» يليه عنوان فرعي أكثر تحديدا وهو «دراساتٌ في أدب الخليج العربي» دار العالم العربي، دبي ليسد هذه الثغرة، ويتخطّى هذا النقص.

وإلى هذا يشير في ختام مقدمته، فقد أراد فيه الالتفات لجوانب شتى من أدبنا في الخليج، لعله بهذا يستدعي النظر إلى هذا الأدب، فيكون لهذه البادرة ما يقفوها من بوادر، ولهذه الفاتحة ما يتلوها من فواتح.

التجنيس

واللافت أن الكتاب لا يقتصر على جنس أدبي واحد، بل هو خليطٌ من الشعر والنثر، والنثر فيه خليط من القصة والرواية والسيرة. وفيه ما يكون نقدا تحليليا لنص روائي، أو تركيزا على جهود شاعر ما. كوقفته المطولة إزاء تجارب الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني، ودوره في إحياء الشعر العربي في سلطنة عمان، وما غلب على شعره من مواعظ وحكم مأثورة ومراثيَ تقليدية ومدائح وإخوانيات، أو التركيز على اللغة الشعرية لدى شاعر كثير العطاء، حسن الأداء، وهو الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، الذي يفصح في شعره عن رؤيته الممتدة من أبو ظبي إلى القدس، فاليامون، على نحو ما يرى المؤلف في قصيدته للنخل عيون. إذ يتعانق فيها النخيل مع الزيتون واللوز والزعتر، ويلتقي خنجر الانتفاضة المقدسة بخاصرة القدس، أو تتبّع عدد من المجموعات القصصية لغير واحدةٍ من كاتبات الخليج غلب عليهنَّ الاهتمام بالنسوية.

الاعتراف

ومن فصول الكتاب المهمة الفصل الذي نقف فيه إزاء رواية «الاعتراف» ولم يذكر المؤلف للأسف في الدراسة التي تمتدّ من ص 9 إلى ص 29 اسم مؤلف الرواية. وقد اضطررنا للنظر في ثَبَتِ المصادر والمراجع لمعرفة مؤلفها، فتبين لنا في ص 295 أنّ «الاعتراف» صدرت عن مؤسسة الاتحاد في (أبو ظبي) لعلي أبو الريش، الذي عُرف روائيا، مع أنه شاعر أيضا، وإعلاميٌ، وكاتب قصة قصيرة. ويقال إن هذا الكاتب هو شيخ الروائيين الإماراتيين. ويبدو أن المؤلف مع هذا الرأي، إذ يعُدّ رواية الاعتراف أبرز رواية إماراتية على الإطلاق، وأكثرها دلالة على الفضاء الروائي في تعبيرها عن المكان بصفته فضاءً جغرافيا، علاوة على ما يسميه الفضاء الاجتماعي والثقافي والشعبي، واللغوي والسيميائي والدلالي إلخ.. واحترازا من اللبْس، يضيف مؤكدا أن الفضاء الروائي ليس مجرد مكان جغرافي معزول عن الأشخاص، والمكان. فهو ـ أي الفضاء الروائي- يتجلى في دينامية الشخوص، وتفاعلها مع الزمن.

وتَتْبعُ هذا التقويم المبكر فقراتٌ يسوق فيها أبرز حوادث الرواية، والمواقف التي يرتكز عليها السرد، مكررا أن ذلك لا ينفصل عن الفضاء الروائي الذي يرتبط بالزمن وبالشخوص. مؤكدا على مبدأ المزاوجة بين الزمن والفضاء، إذ يبدو زمن السرد هو المحرك المحوري في رأيه للرواية، وديناميتها من خلال الحبكة البوليسيّة التي تشد القارئ. وفي هذه الدراسة يقف بنا المؤلِفُ على تفاصيل تختصّ بتقنيات السرد. منها الكاتبُ الفعلي (أبو الريش) والكاتب الضمني، الذي يوجه السارد. مع تكراره الرجوع لموضوع الفضاء الروائي، قائلا: «لقد احتفلت الرواية بالفضاء الروائي، وهذا الاحتفال يتجلى في البعد الطوبغرافي أو الجغرافي» ويكرر تأكيده على ما فيها من جماليات المكان وفضائه، مذكرا بعبارة غاستون باشلار عن «المكان الأمومي».

ولا تسلم هذه الدراسة من بعض التناقض؛ فهو ينفي عن الفضاء الروائي كونه مكانا جغرافيا هو (المعيرض) و(الغّبّ) وهما مكانان. ويؤكد، في غير موضع، أن الفضاء الروائي لا يعدو كونه طوبغرافيا أو جغرافيا. وإذا تجاوزنا ذلك، وجدنا في الدراسة تفريعا مُلْبسا لأنواع القارئ. فهو قارئ ضمني تارة، وتارة قارئ نموذجي، وطورا ثالثا قارئ فعلي. وهذه المفاهيم الثلاثة قد تكون واضحة في ذهن المؤلف، غير أنها ليست بالوضوح ذاته عند القارئ. فما الفرق بين القارئ الضمني، والقارئ النموذجي؟ وما الفرق بين هذا الأخير، والقارئ الفعلي؟ وما الفرق بين القراء الثلاثة، والقارئ المثالي، أو ذلك القارئ الذي عناهُ المؤلف في روايته من حيثُ هو المخاطَب؟ وهذا اللبْس يتطلب توضيحا من المؤلف في الهوامش. كذلك الأمر بالنسبة للمؤلف الفعلي والضمني. وتستوقفنا بعض العبارات بما فيها من غموض منها «أسلوب الوصف المُفضي إلى تحليل» والوصف شيءٌ مختلف عن التحليل الذي يستهدفُ سَبْر أغوار الشخوص.

تقنيات السرد

وخلافا لهذا نجدهُ في فصلٍ آخر يتناول رواية خليجية هي رواية «الحزام» مبرزا اسم المؤلف في العنوان، وإن كان لا يخلو من بعض الخطأ. فالمؤلف أحمد أبو دهمان، وليس أحمد دهمان، مثلما ذُكر في عنوان الدراسة. وعلى القارئ أن ينتهي من قراءة الفصل دون أن يعرف هوية هذا الكاتب، ومن أي دولة خليجية هو. ولا مندوحة للقارئ من النظر في معلومات (Google) ليكتشف أنه سعودي مقيم في باريس، وأنه كتب روايته بالفرنسية، وبعد نشرها قام بترجمتها للعربية على النحو الذي يذكرنا بصموئيل بكيت مؤلف مسرحية «في انتظار غودو» وهو إيرلندي، كتبها بالفرنسية، ثم بعد عرْضها ونشْرها ترجمها بنفسه إلى الإنكليزية. وقد استهل السعافين الفصل الموسوم بالتقنيات السردية بمقولة مفادها، إن أهمية الرواية «تكمن في تجاوزها اللغة الشكلية إلى الالتحام مع القضايا الإنسانية». والسؤال الذي يتبادر للذهن هو: ما الذي أراده المؤلف باللغة الشكلية، إذ المسلم به أن اللغة شكلٌ ينمّ على (جوهر) هو المعنى، مثلما يؤكد كلٌ من سوسير، وهيلمسليف. فكيف يمكن لمؤلفٍ أيا كان أن يتجاوز اللغة الشكلية بطبيعتها، مستحضرا القضايا الإنسانية بدلا من اللغة، وهذا سؤالٌ تصعُبُ الإجابة عليه، لاسيما وأن الأدب لغةٌ داخلَ اللغة.

وقد استنفدَ المؤلفُ في قراءته النقدية لـ«الحزام» معظمَ ما يُسمى تقنيات.. فتحدَّث عن الرواية، وما فيها من حوار بين الشخوص ـ الديالوج – ومن حوار فردي ذاتي داخلي (مونولوج) ومن تيار وعي، وتيار لاوعي، ومن اعتماد على الأحلام تارة، وعلى الكوابيس تارة أخرى. ومن اعتماد على التداعي طورا، وطورا على الهذيان، واللجوء لما يعرف بالاستباق والاستشراف، والخفض الأمامي، والرجعي. وما فيها من ظلال تذكرنا بالرواية النفسية التي برع في كتابتها مارسيل بروست الفرنسي، وجيمس جويس الإيرلندي. ولم تفته الإشارةُ للراوي الحقيقيُّ منه والضمني. وكذلك القارئ الحقيقي والضمني. مع اعتماد الكاتب (أبو دهمان) على السينما، وعلى الفن التشكيلي، فيما يعرف بالتقانة المشْهديّة – حوارا وسردا- باستخدام المونتاج، أي: القصّ واللصق. وزاد على هذا كله بالالتفات لما يعرف بالأطراس، أو (العتبات) على رأي المغاربة، أي: العنوانات، والعبارات الافتتاحية، والهوامش، والابتداء، مع التقديم والانتهاء.

كلمة أخيرة

ومهما يكن من أمر هذا الكتاب الجيّد، شكلا وموضوعا، يؤخذ عليه أن صفحاته الـ 270 لم تتَّسع للأسف لتناول رواية واحدة من الأدب الكويتي، أو القطري، مع أن العنوان يوحي بما هو مُختلف. ففي الكويت، كما في قطر، روائيون يستحقون النظر في رواياتهم؛ كإسماعيل فهد إسماعيل، وسليمان الشطي، وليلى العثمان صاحبة «المرأة والقطة» و»صمت الفراشات» وميس العثمان صاحبة «عرائس الصوف» وسعود السنعوسي صاحب رواية «ساق البامبو» و«سجين المرايا» و«فئران أمي حصة». وطالب الرفاعي مؤلف رواية «ظل الشمس» و«خطف الحبيب» وبثينة العيسى مؤلفة «خرائط التيه» و«عروس المطر» و«السندباد الأعمى». ومن الشعراء فهد العسكر، وخليفة الوقيان، وأحمد الكندري، ومبارك الحجيلان، وسعاد الصباح، ودعيج الخليفة. وفي قطر شعاع خليفة صاحبة «أحلام البحر» 1993 ورواية «في انتظار الصافرة» ودلال خليفة «أشجار البراري» 1994 ومريم آل سعد صاحبة «تداعي الفصول» 2005 وأحمد عبد الملك، وغيرهم الكثير ممن يستحقون القراءة النقدية من المؤلف المعنيّ والمهتمّ بالأدب الخليجي. وقد تشهّينا أنُ نجد عيبا واحدا في رواية «الاعتراف» أو «الحزام» يشير إليه المؤلف. فهو لا يرى في الرواية إلا ما يَزينُها، ويجعلُ منها تحفة متألقة في نظر القارئ، فضلا عن المؤلّف، وهذا ضربٌ باطلٌ مِنَ الظنّ.

كاتب أردني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي