في هجاء الآباء الجالسين على مصاطب حديقة الحيوان

2022-07-22

نشمي مهنا

1

يأتي كعجلةٍ متدحرجةٍ، عيناه المنطفئتان دليلُ غفلة، وشفَتُه السفلى مُنصاعةٌ لطبيعةِ الجاذبية، كرشُهُ الذي يسبقه خطوتين ثالثُ العلامات الدالّة على المدلول؛ أب مثقلٌ، مشتّتُ الذهن، ومشدوهٌ في دخولِ فضاءٍ لُعَبيٍّ واسعٍ، لا تدري من كان يحبل بأطفالِ عائلته المنتشرة في الحديقة كدودة أم أربع وأربعين، الأكيد الواضح في المشهد أنّ الأمّ لا علاقة لها بهذه السلالة الفوضوية، يبدو أنّ رشاقةَ قوامها، وسلامةَ نهديها، وراحةَ بالها أهمُّ من هذا العناء كلّه. فهي - على كلّ الأحوال - لم تكن بحنانِ أُنثى الكنغر.

2

الأبُ المشغولُ بأطفاله، الغائصُ المهمومُ بتفاصيلهم، الداخلُ إلى مساحاتهم أكثر ممّا تحتمل طاقةُ خصوصيّته، ومزاجه وفردانيته، هذا المتمرجح فوق الكذبة، أبٌ تافهٌ، لن يسند أيامهم المقبلة؛ لن يقيم أوَد أرواحهم المتجدّدة مثل جلدِ ثعبان؛ لن يكون الأضلُعَ السميكة في جوانب البيت. هو جدارٌ، جدارٌ واحد فقط، وقد يتحوّل في القادم من أيامه - وعلى أقل تقدير - إلى عتبة.

كلّما زاد منسوب الخطر في اللعبة تعلو ضحكات الأطفال المرعوبين

3

الأرجوحة تدورُ، والشمس تدورُ، والحصان الأسود وأنثاه في الممرّ الترابي الضيّق يدوران، و"غراسين" المقهى، وعقارب الساعة، وأطفال الحديقة وضحكاتهم العالية تدور تدور وتعلو، وكلّما زاد منسوب الخطر في اللعبة تعلو ضحكات الأطفال المرعوبين أكثر، والأب كان السلسلة والأرجوحة.

وحدها الكراسي الخشبية المستطيلة ثابتة، والشجر الضخم داكنُ الخضرة ثابت، والمَطلّ على حافّة الجبل ثابتٌ، والفكرة الأصيلة ثابتة، وإن تفرّعت غصونُها، ونفضَت عنها الأوراق الجافّة.

4

بين دوران الأشياء وثبات أشياء الأخرى، بين جذع الشجرة الراسخ وأوراق الحواف المتساقطة، بين اللبّ ولحائه، بين الأنا المسكينة المهدورة واللون الباهت للإيثار، بين ابتذال العاطفة والوعي بمعناها، هنا، هنا تماماً، في المسافة بين القدّاحة والسيجارة، يضرب البرق ضربته المُكهربة اللامعة، ويختفي.

5

عند مَخرج الحديقة الجنوبي، نُصبٌ حجريٌّ قديمٌ مُغبَرٌّ، لم يجد يدَ مغادرٍ مُتمهّلٍ يمسحُ عنه غبارَ الحكاية، ويفتح جحيم الأسطورة الإغريقية:

الإله كرونوس كان يأكل أولاده ويلتهم لحمهم بشراسة.

ماذا لو أكلنا "أكبادنا" المزعجة، قبل أن تلتهمنا ونسقطَ في جوفها الأسود.

هل أَكذِبُ مثلَ الإغريق؟

شاعر من الكويت








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي