القصّة

2022-07-19

حسن أكرم

أنا أنتظر هنا منذ وقت قصير، بل قصير جدّاً، لم يبلغ مبلغ اللحظة، لم يكن وقتاً، ربما كان فجوةً في الفضاء، أو ثغرة في الكون، تلك المساحة التي كانت تطوف بها قصتي.

أنا الوحيد في هذه الفجوة ولا يشاركني أو يشابهني فيها أحد، ومن سمع قصّتي، ولهجَ بينه وبين نفسه على أن قصّتي هذه تتطابق مع قصته، وأنه يملك نفس الحزن الذي أعيشه الآن، وأنه يعيش في نفس الفجوة فهذا كاذب ابن كاذب. لذا اسمعني إني أحدّثك الآن، أنت أيّها الكاذب لا أحد غيري ذاق كلّ هذه التنويعات من المرارة.

آه تبدو أنها بداية جيّدة للفت الانتباه، في الحقيقة أنا لا أملك قصةً خطيرة، كلّ ما في الأمر أنني عادي مثلكم جميعاً، وقصتي عادية، وقد تتطابق مع كلّ القصص التي ترونها.

أخبروني جميعكم، ألم تشعروا بالفراغ؟ هذا الفراغ الصامت الذي يخترق صدوركم الآن، حين تجلس أمام التلفاز ولا يعجبك شيء، ماذا تسمي هذا؟ حين تظلّ تدور على نفسك في البيت، تجهد نفسك بشيء ما، ليدركك النعاس فتنام وتصحو على أيام مماثلة. ألم يكن هذا فراغاً؟

لكن رغم ذلك، دعنا نفكّر، كيف لنا أن نختم هذه القصة؟

وما الذي دفعكَ/كِ لقراءة قصتي؟ ألم يكن هو نفسه؟ تستيقظ في الصباح تأكل، تسير في الشوارع المزدحمة، تصل إلى عملك الذي تكرهه، وإن كنت تحبه فبعد مدّة ليست بالقصيرة ستملّ منه وتكرهه. يا رجل دعنا نقولها، أنت تكره أصدقائك ومعارفك، وتكره الناس جميعاً، تكره الذين يقفون في انتظار الباصات، لأنهم فشلوا في شراء سيارات مبرّدة تحميهم من الشمس، وتكره أصحاب السيارات لأنهم يزيدون الطرقات زحاماً، وتكره الطرقات لأنها توصلك لأماكن لا تحبّها.

إذن ماذا تحبّ؟ ولو أنك أحببت إلى أيّ مدى ستتمسّك به؟ وإذا تمسّكت، هل ستضمن لي أنك تحبه مثل أول مرّة؟ وماذا عن الليل الطويل الذي تتقلّب فيه على فراشك، هل عددت تلك الأيام السيئة التي مررت بها؟ ستجدها كثيرة، وستجد الحياة ثقيلة.

هل تعتقد أنني أدعوك للانتحار؟

وما شأني بك، صحيح أنّ قصتي تتطابق مع قصتك، وأننا نشترك برغبتنا في الخلاص، لكني لا أعتقد أنني مسؤول عنك أو يهمّني أمرك، فأنا مثلك أكره أصدقائي ومعارفي وقرّائي. وكل الناس من حولي.

لكن رغم ذلك، دعنا نفكّر، كيف لنا أن نختم هذه القصة؟ القصة التي فيها أنا وأنت مجرّد أثاث.

كاتب من العراق








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي