«أنت تُشرق.. أنت تُضيء»… رشا عدلي ترمّم التاريخ بالرواية

2022-07-15

سلمان زين الدين

«أنت تُشرق… أنت تُضيء» (الدار العربية للعلوم ناشرون) هي الرواية العاشرة في مسيرة الروائية المصرية رشا عدلي التي بدأتها عام 2012 برواية «صخب الصمت» وتتمحور أحداثها، بسلكيها القديم والمعاصر، حول الغموض الذي يكتنف الآثار المصرية القديمة ممثّلةً بـ«مومياوات الفيوم» والأسرار التي تحيط بها. وتسعى جهدها لجلاء هذا الغموض وإماطة اللثام عن تلك الأسرار. وعلى هامش هذه القضية المحورية، تطرح الرواية أسئلة الاحتلال والاستبداد، والفساد وتهريب الآثار، والعنصرية واللجوء السياسي والبحث الفني، وغيرها ممّا يزخر به العالم المرجعي الذي تحيل إليه، سواء القديم منه أو المعاصر. وخلال هذه العملية، يتواءم الخاص مع العام؛ فتتم، على المستوى الخاص، تصفية حسابات قديمة، ورفع ظلامات ثقيلة، ووضع الأمور في نصابها الطبيعي. ويتم، على المستوى العام، تصحيح أخطاء تاريخية، وإعادة الاعتبار إلى شخصيات جرى التعتيم على دورها في التصدي للاستبداد والثورة على الاحتلال الروماني لمصر القديمة.

معاصر وقديم

ثمة سلكان اثنان ينتظمان الأحداث في الرواية؛ الأوّل معاصر تدور أحداثه بين فلورنسا وروما وبورميدا الإيطالية والإسكندرية والفيوم والقاهرة المصرية، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، والعقدين الأوّلين من القرن الحادي والعشرين، وتلعب رنيم مصطفى عبد المولى، أمينة متحف أوفيزي الإيطالي دوراً محورياًّ فيه، ويحفّ بها الأب والأم وخبراء الآثار والصديق والعدو، ويكون لكل منهم دوره المكمّل للدور المحوري. والثاني قديم تدور أحداثه في الإسكندرية والفيوم، في القرن الأول الميلادي، وتلعب سيرينا زوجة نائب الملك دوراً محورياًّ فيه، ويحف بها الأب والزوج والمعلم والصديق والثوار، الذين تتعالق أدوارهم مع الدور المحوري بشكل أو بآخر.

وهكذا، يفترق السلكان في الزمن الروائي وبعض المكان والشخوص والبداية والنهاية، ويتقاطعان في بعض المكان الروائي (الإسكندرية، القاهرة، الفيوم) وموضوع الاهتمام (الآثار المصرية) ومحورية المرأة (رنيم، سيرينا) ووجود قضية تناضل في سبيلها (الثأر للأب المغدور والانتقام من الظالم) ودور الأب (مصطفى، أوكتافيوس) ودور الصديق (يزن، أوناس) ونوع السرد (التاريخي). ولولا نقاط التقاطع المذكورة لأمكن القول إننا إزاء روايتين اثنتين في رواية واحدة. هذان الافتراق والتقاطع يشكّلان تمظهرين اثنين من تمظهرات العلاقة الجدلية بين السلكين التي تتراوح تمظهراتها بين: التقاطع والافتراق والتناظر والتوازي والتكامل. ولعل المقارنة بين هذين السلكين، من شأنها إضاءة التمظهرات المختلفة لهذه العلاقة الجدلية، سواء في الشكل أو المضمون، وهو ما نفصّله أدناه:

الشكل والمضمون

في الشكل، يتألف السلك المعاصر من 47 وحدة سردية تشغل 319 صفحة بينما يتألف السلك القديم من 24 وحدة سردية تشغل 122 صفحة. وبذلك، يزيد السلك القديم قليلاً عن نصف السلك المعاصر من حيث عدد الوحدات السردية، ويقل عن نصفه كثيراً من حيث عدد الصفحات. والأمر نفسه ينطبق على وتيرة التعاقب بين السلكين، فيطغى الأول على الثاني في بداية الرواية ونهايتها ويتعادلان إلى حد ما في الوسط. هذا الرجحان الشكلي للسلك الأول على الثاني في عدد الوحدات السردية والصفحات ووتيرة التعاقب النصي، يجد ترجمته في متن الرواية، بحيث تحقق بطلة الرواية في السلك الأول أهدافها وتنتقم لأبيها وتنتصر على ظالمه، وتكشف الحقيقة العلمية المتعلقة بـ«مومياوات الفيوم» وترفع الظلم التاريخي عن بطلة السلك الثاني، المرأة المصرية / الإغريقية الجميلة سيرينا، زوجة نائب الملك التي ظلمها الزوج والتاريخ، بينما تفشل هذه الأخيرة في تحقيق أهدافها في الانتقام لأبيها، ومعاقبة زوجها القاتل وتدفع ثمن تصديها للظلم والاحتلال. وهكذا، يكون ثمة تناسب بين الشكل الكمّي والمضمون النوعي في الرواية.

بطولة المرأة

في المضمون، وبالمقارنة بين الشخصيتين المحوريتين في الرواية، يمكن القول إن الروائية تمنح شرف البطولة للمرأة في السلكين السرديين، ولعلّها تهدف من ذلك إلى التأكيد على قدرتها عبر التاريخ على مواجهة الظلم، الخاص والعام، واستعدادها لدفع الثمن، وتحقيقها أهدافها حالاً أو بعد حين. وهي تفعل ذلك، بدعم من الرجل في كثير من الأحيان، وبذلك، لا تسقط في درك النسوية، فالمرأة في السلك المعاصر ضحية عرفت كيف تحوّل مكامن ضعفها إلى نقاط قوة تستخدمها في معركتها مع الحياة، وتحقق نصراً مؤزّراً في نهاية الرواية؛ وهو ما تشي به حياة بطلة السلك رنيم مصطفى عبد المولى في محطاتها المختلفة؛ ففي طفولتها، تعاني من وصمة اللجوء، وهي التي كان عمرها يتعدى العام بشهور قليلة، حين وصلت أسرتها إلى ميناء نابولي عام 1990 هرباً من مطاردة السلطة لأبيها الصحافي الجريء، وتعيش الفقر والحرمان والنفي والاغتراب، ويقع عليها تنمّر رفاق الدراسة الابتدائية، لكنها في مواجهة هذه الظروف القاسية، تتفوّق في دراستها، وتتخذ من التفوق سلاحاً للاندماج في المجتمع الجديد. وفي مراهقتها، وبسبب هذا التفوق، تحصل على منحة لمواصلة تعليمها الجامعي في أكاديمية فلورنسا للفنون الجميلة، وهي التي كانت حكراً على أولاد الأغنياء دون سواهم، وتستخدم السلاح نفسه للاحتفاظ بالمنحة المشروطة بمحافظة الممنوح على تفوقه. وفي شبابها، تترقى في السلم الوظيفي حتى تشغل منصب أمينة متحف أوفيزي في فلورنسا، ما يتيح لها الانخراط في شبكة علاقات نوعية في مجال عملها تؤدي إلى ترشيحها للمشاركة في مؤتمر دولي في روما حول «مومياوات الفيوم» وهو موضوع أطروحتها الجامعية.

أمّا المرأة في السلك القديم فتستخدم ذكاءها وقدراتها وعلاقاتها لتحرير شعبها من الاحتلال الروماني والثأر لأبيها القتيل، لكن الظروف تكون أقوى منها، فتؤدي بها إلى الهرب والتخفي والموت بالسم، ولولا قيام صديقها الرسام أوناس برسم لوحة لها لاختفى ذكرها إلى الأبد.

علامات فارقة

خلال عملها على المشروع بهدف جلاء الغموض الذي يكتنف المومياوات والعثور على تفسير علمي لعلامات فارقة في اللوحات التي تصوّرها، تستثمر خبرتها ومعارفها وتسافر إلى مصر، ويشاء القدر أن تعثر في مجرى البحث على علاء الصواف، أمبراطور الفساد وتاجر الآثار الذي يعرض لوحة فنية لإحدى «مومياوات الفيوم» للبيع، وهو من تسبّب في لجوء والدها إلى إيطاليا ومعاناة أسرتها الفقر والتشرد والغربة، فيتحد لديها الهدفان العلمي العام والشخصي الخاص، وتقرر المضي قدماً في مشروعها لتحقيق هدفها المزدوج، الأمر الذي يتحقق في نهاية الرواية، فتحل لغز العلامة الفارقة في لوحات الفيوم، من جهة، وتفضح تاريخ الصواف وتزج به في السجن، من جهة ثانية.

على الرغم من النجاحات التي حققتها بطلة السلك المعاصر في حياتها، الدراسية والعملية، فإنها لم تستطع التحرّر من ماضيها الذي كان يتربص بها عند كل نجاح على شكل فتاة فقيرة تمدّ لها لسانها وتنهال عليها بالشتائم، وتعجز هي عن مواجهتها، ولم تستطع التخفّف من الشعور بعدم الأمان بعد موت أبيها مبكراً. ولذلك، حين تتعرّف إلى يزن اللبناني المهتم بالفنون والحضارات القديمة تختلط عليها المشاعر، وتظن أنها واقعة في حبه، لاسيما أنه يساعدها في مشروعها بالمال والجهد والمواكبة والتشجيع، دون أن يجاريها في التعبير عن مشاعره نحوها، لكن ما أن يتحقق هدفها المزدوج في تفسير لغز اللوحات والثأر لأبيها حتى تتخفّف من ماضيها وحاضرها وتستعيد توازنها المفقود وتتصالح مع الحياة.

مصير مختلف

أمّا المرأة في السلك القديم فتستخدم ذكاءها وقدراتها وعلاقاتها لتحرير شعبها من الاحتلال الروماني والثأر لأبيها القتيل، لكن الظروف تكون أقوى منها، فتؤدي بها إلى الهرب والتخفي والموت بالسم، ولولا قيام صديقها الرسام أوناس برسم لوحة لها لاختفى ذكرها إلى الأبد. وهو ما تشي به حياة المرأة الجميلة المتحدرة من أب مصري وأم إغريقية، فسيرينا التي ترتكب خطأ العمر بالزواج من ليوناردوز نائب الإمبراطور الروماني على مصر، تكتشف بعد فوات الأوان وحشيته وساديّته لاسيّما في إطلاق الوحوش المفترسة على معارضيه، ويزيد الطين بلّة قيامه بتعريض والدها أوكتافيوس إلى المصير نفسه على مرأى منها، ما يجعلها تخطط للانتقام منه وتحرير قومها من جوره، فتتعاون سراًّ مع أصدقائها الثوار لتحقيق هدفها المزدوج، غير أن الرياح لا تجري بما تشتهي سفينتها، فيتم إطلاق الوحوش المفترسة على الثوار العزّل، ويلوذ من بقي منهم على قيد الحياة بالفرار، وتفرّ هي بدورها بعد انكشاف تعاونها معهم، وتموت مع أصدقائها بالسم الذي أوعز الزوج إلى بعض رجاله بدسّه لهم. وهكذا، يقع عليها ظلم الزوج والتاريخ غير أن الفن والرواية ينصفانها، فيرسمها صديقها أوناس، وتروي رشا عدلي حكايتها. وهكذا، نرى أن ثمة تناظراً بين بطلتي الرواية في: دعم الأب لكل منهما، تعرّضه لأذى السلطة الحاكمة، محاولة كل منهما الثأر لأبيها، وجود صديق داعم لكل منهما، وتبنّيهما قضية مهمة. وهو تناظر يصل حد التماهي بين البطلتين حين تقف رنيم في حضرة لوحة سيرينا بعد ترميمها وترى نفسها فيها بعد أن أسهمت في إعادتها إلى الحياة.

وبعد، «أنت تُشرق.. أنت تُضيء» خطوة واثقة في مسيرة عدلي الروائية وسيعقبها خطوات أخرى بالتأكيد ترسّخ روائيّتها لاسيّما أن الرواية عندها هي نوع من بحث علمي إلى حد كبير، تجمع بين متعة الشكل وفائدة المضمون، وحسبنا الإشارة إلى تجاور عدد من الحقول المعرفية في روايتها العاشرة، تتراوح بين التاريخ وتاريخ الفن والنقد الفني ونمط العمارة وعلم الآثار وتاريخ الحضارة وغيرها، ما يجعل قارئها لا يعود من غنيمة القراءة بالإياب. ومرّة أخرى تثبت رشا عدلي احترافها الروائي وقدرتها على التنقل بين الأسلاك السردية والأزمنة الروائية، والأمكنة الواقعية والثنائيات المضمونية بخطوات محسوبة بدقة، ما يجعلها تستحق موقعها على خريطة الرواية العربية.

كاتب لبناني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي