الرجاء البيضاوي: ثقافة البروليتاريا المغربية

2022-07-12

حسن بولهويشات

يُطل الصيف بهيئته الصفراء فيتم تعليقٌ شامل للأنشطة والتظاهرات الثقافية في البلاد العربية. ويدب كسل في المؤسسات الثقافية التي تغلق أبوابها بالتزامن مع إغلاق المدارس والجامعات وانصراف الجميع إلى العطلة الصيفية الطويلة. وتختفي أيضا الملاحق الثقافية وأنشطة الاتحادات والروابط الأدبية، ما عدا بعض المهرجانات التي يهيمن عليها الطابع السياحي أكثر من الثقافي. وبعض المجلات التي تصدر بانتظام وفاءً لقرائها على قلتهم هم أيضا.

لنبتعد، لمرة واحدة، عن الثقافة التي لا تورث في بلداننا غير إتلاف الأعصاب وخسارة المبادئ والقناعات أحيانا، فنتحدث عن كرة القدم وعالمها السحري الذي يضاهي سحر الكلمات، عن فريق الرجاء البيضاوي في المغرب تحديدا، الذي تأسس في درب السلطان في الدار البيضاء سنة 1949 في عهد الحماية الاستعمارية الفرنسية وفي مرحلة ظهور الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال. وارتبط اسمه بالأحياء الشعبية التي يسكنها عمال المصانع والحرفيون والتجار وصغار الموظفين، أو على الأصح البروليتاريا التي نزحت إلى قلب الدار البيضاء في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تتسع إلى الأطراف مع صعود البورجوازية والفكر الرأسمالي.

وقد استطاع فريق الرجاء أن ينتزع حب الجمهور وجنونه، جمهور غفير لا تستطيع أكبر ندوة علمية في العالم العربي أن تستقدم إليها نصف أولئك الصغار المعلقين بسطوح العمارات المطلة على ملعب محمد الخامس في الدار البيضاء. الجمهور الموزع على عموم تراب المغرب، حيث شبان وشيوخ وأطفال المدارس بحقائب الظهر ضَبطوا إيقاع دمهم على إيقاع الفريق وأجندة مقابلاته ولون قميصه الأخضر، فتعقبوه في جميع الرحلات صاعدين معه الجبال وهابطين خلفه إلى الصحارى وتآلفوا بفضله مع تغيرات المناخ وتقلبات النتائج قليلًا. وقد بات مألوفًا لدى مستعملي الطريق وسائقي الشاحنات الكبيرة في المغرب، مشهد هؤلاء الصغار وهم يتدبرون سفرياتهم خلف الفريق بمصروف جيبٍ محدود، في تأشيرٍ صريح على ثقافة التضحية والثبات من أجل شعار الفريق وقميصه الأخضر. عكس بعض المثقفين الذي يغيرون قناعاتهم بمقاس الزاوية المستقيمة دون أدنى حرج، وعكس بعض أعمدة الرأي المكتوبة على مضض، كما لو أن كتابَها يدلون بشهادة زور.

لكل فريق جمهورٌ إلا الرجاء له شعبٌ، على حد قول الأرجنتيني أوسكار فيلوني مدرب الرجاء السابق. الجمهور/الشعب الذي يمثل الثقافة المغربية بلونها الصارخ والمتعدد والمتسامح. والصوت القوي الذي تجاوز صوت المثقف في الخط التحريري، وصوت السياسي الذي لا نسمع صوته إلا في الحملات الانتخابية. بعدما أصبحت، في السنوات الأخيرة، شعارات وأغاني جمهور الرجاء تحمل رسائل سياسية واجتماعية، تُدين السياسي وتعري الاجتماعي، كما هو الأمر مع أغنية «في بلادي ظلموني» سنة 2018 التي حازت شهرة كبيرة داخل المغرب وخارجه، وانتقل صداها إلى «يوتيوب» ومواقع التواصل الاجتماعي. وقبلها أغنية «عايشين عيشة مهبولة» سنة 2014 التي تزامنت مع ارتفاع سقف الاحتجاجات في بلدان شمال افريقيا ومصر ودول الخليج العربي. فضلا عن الأغنية الشهيرة «رجاوي فلسطيني» التي تعبر عن تضامن الشعب المغربي الدائم مع القضية الفلسطينية، وعن رفض كل أشكال التطبيع. وغيرها من الأغاني و»التيفويات» التي خلقت الحدث بالصوت والصورة، خصوصا خلال مقابلات الديربي مع الجار والغريم التقليدي الوداد البيضاوي، حيث تصير الدار البيضاء مقسمة إلى كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، إلى جمهور الرجاء وجمهور الوداد. ويمتد هذا التقسيم إلى البيوت والعائلات والمقاهي، ودون أن يحيد عن الروح الرياضية العالية.

فريق حداثي بامتياز وبمنسوب أكثر من الحداثة الشعرية التي تحدث عنها أدونيس، إذ صار مدرسة حقيقية في كرة القدم في المغرب، يتخرج فيها كل عام لاعبون في منتهى الموهبة يعززون صفوف الفريق الأول، وأحيانا المنتخب الوطني، عكس بعض المؤسسات الثقافية والجمعيات الموجودة على الورق فقط.

وقد استطاعت هذه الأغاني والشعارات، بحمولتها السياسية ودلالاتها العميقة، أن تُحرج الأحزاب السياسية، وتتخطى القنوات التقليدية في تصريف المظالم والتعبير عن الرفض. وقد صار مؤكدا أن جمهورَ الرجاء مدعومٌ بجنود الخفاء الذين يتولون مهمة كتابة الكلمات وتلحينها قبل أن تهتف بها الحناجر في زوايا المدرجات، التي كثيرا ما استحوذت على الصورة العامة في الملعب، وغطت على الفريق حين يتواضع أمام خصمه. وصار واضحا أن هؤلاء الجنود هم أساتذة وطلاب جامعات ومحامون وكتاب كلمات وشعراء بالفطرة ينتصرون لفريقهم الأخضر، ويدعمونه بالغالي والنفيس. ومن خلاله ينتصرون للإنسان المقهور وللوطن وأفق التغيير، وأيضا لقيم الحداثة والحرية التي ما زال منسوبها محدودا بخصوص أشكال التعبير الأدبي والفني في الكثير من البلدان العربية، حيث السلطة (أتجنب أن أقول التسلط) تتقاسمها المؤسسة الدينية والدستورية، لذلك يُستبعد، مع غياب شرط الحرية أن نقرأ قصائد وروايات عظيمة، أو نرى لوحات فنية عظيمة.

وهذا ما يبرر غياب القارئ الذي طالما اشتكت منه دور النشر، وأرقام مبيعات الكتاب العربي، ما يشي بأن البضاعة مغشوشة وما يتم تداوله هو الصيغة الباهتة للفكر والإبداع. ومن حق القارئ ألا يُقبِل عليها. وأن يستعيض عنها بأخرى تصله من جغرافيا بعيدة ولغات أخرى، خصوصا أن الأمر صار متاحًا مع الإنترنت والمواقع العالمية لبيع الكتب، ومع نشاط القرصنة وتوفر أحدث الكتب العالمية بصيغة بي دي اف.

إلى أرضية الملعب هذه المرة، حيث الرجاء واقعي جدا أكثر من الواقعية في الأدب، وأبعد ما يكون عن خيالات الشعراء وتعقيدات بعض الروايات التجريبية. وبتاريخ حافل بالإنجازات الكبرى، بل إن نتائجَ الفريق أكثر من النتائج التي حققتها النقابات العمالية في حواراتها المطولة مع الحكومة المغربية في جميع نسخها، منذ حكومة مبارك البكاي التي بكى المغاربة سوء حالهم في عهدها، إلى حكومة عزيز أخنوش الحالية التي ألهبت جيوب المواطنين بغلاء أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية والمحروقات. فريق واقعي أكثر من اليسار الواقعي، الذي تحدث عنه نايف حواتمة في كتابه» اليسار العربي» إذ حصل الفريق الأخضر، نسبة إلى لون قميصه، على البطولة المغربية 12 مرة، وظل محتفظا بمكانه في القسم الأول في البطولة منذ بدايتها سنة 1956. وظَفَر بكأس العرش ست مرات، وعلى كأس الأندية ثلاث مرات. ويعتبر الفريق العربي الوحيد الذي وصل إلى نهائي كأس الأندية البطلة.

فريق حداثي بامتياز وبمنسوب أكثر من الحداثة الشعرية التي تحدث عنها أدونيس، إذ صار مدرسة حقيقية في كرة القدم في المغرب، يتخرج فيها كل عام لاعبون في منتهى الموهبة يعززون صفوف الفريق الأول، وأحيانا المنتخب الوطني، عكس بعض المؤسسات الثقافية والجمعيات الموجودة على الورق فقط، التي يتحكم في دواليبها أنصاف المواهب، والتي تنتظر المناسبة الكبرى كي تفتح أبوابها كي تعيد إغلاقها، كما لو أن الثقافة قصعةُ كسكسٍ نتذكرها يوم الجمعة وننساها باقي الأيام.

وفي انتظار شهر سبتمبر/أيلول كي نتحدث عن الدخول الثقافي بالتزامن مع الدخول المدرسي مرة أخرى، عمتم صيفا يا وزراء الثقافة، أيها الشعراء والكتاب أينما كنتم.

كاتب من المغرب








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي