مفارقات المراهقة الثانية لمهاجر أوكراني مسن في بريطانيا

2022-07-06

جودت هوشيار

مارينا ليفيتسكايا كاتبة أوكرانية تكتب بالإنكليزية. من أشهر أعمالها، روايتها الأولى الموسومة بعنوان «موجز تاريخ الجرارات الأوكرانية». وهي رواية هامة لا علاقة لها بالجرارات، سوى أن بطل الرواية مهندس أوكراني متقاعد متخصص في تكنولوجيا الجرارات. صدرت الرواية عام 2005 في لندن، ولاقت رواجاً كبيرا في أوروبا وأمريكا، وترجمت إلى 33 لغة، وفازت بعدة جوائز دولية، بينها جائزة «وودهاوس» كأفضل كتاب كوميدي خلال ذلك العام. وأثارت الكثير من ردود الفعل الإيجابية في الغرب، والسلبية العدائية في أوكرانيا.

ولدت ليفيتسكايا عام 1946 في مخيم للنازحين في ألمانيا، فقد كان والداها الأوكرانيان خلال سنوات الحرب في معسكر اعتقال ألماني. وبعد هزيمة ألمانيا انتهى بهما المطاف إلى مخيم في المنطقة الأمريكية، حيث تمكنا لاحقاً من اللجوء إلى بريطانيا مع أطفالهما وبضمنهم مارينا. درست مارينا اللغة الإنكليزية والفلسفة في جامعة (كيل) البريطانية وتخرجت عام 1968. مصير والديها شكل جزئياً أساس روايتها الأولى.

رواية «موجز تاريخ الجرارات الأوكرانية» تعكس حياة ثلاثة أجيال من اللاجئين الأوكرانيين في بريطانيا ومشاكلهم، بأسلوب ساخر لاذع وبحبكة مشوقة. وهي في الوقت ذاته تاريخ أوكرانيا وكل أوروبا، التي نجت من كوابيس القرن العشرين..

مضمون الرواية

نادية وفيرا شقيقتان أوكرانيتان في منتصف العمر تعيشان في بريطانيا، ويبدو أن كل شيء ـ من الخصائص الشخصية إلى السياسة ـ يفرق بينهما، لكن يتعين عليهما نسيان خلافاتهما عندما يقع والدهما الأرمل المسن نيكولاي فريسة لفالنتينا، التي وصلت إلى بريطانيا بتأشيرة سياحية مع ابنها المراهق ستانيسلاف.

فالنتينا شابة أوكرانية من أصل روسي، جميلة وصارخة الأنوثة. أصبح الزواج من أوكراني مسن عاش في بريطانيا منذ فترة طويلة الخطوة الأولى في تحقيق حلمها في الاستقرار في بريطانيا، وتوفير الظروف لالتحاق ابنها مستقبلا بجامعة أكسفورد أو كامبريدج، ومع ذلك، فإن طريقها إلى هذا الحلم، يتطلب منها العمل المضني والإذلال، وحتى تلبية المطالب المثيرة لزوجها المسن (على الرغم من الوهن الجنسي الذي يعاني منه) لكن فالنتينا التي كبرت وشبت في الفترة العصيبة لانهيارالاتحاد السوفييتي لا تعرف الإستسلام للصعوبات. وهي امرأة ذكية ونابضة بالحياة، لكنها تبدو كشخصية غريبة، تكاد تكون كاريكاتيرية، لا تهتم في البداية بالمعايير الأخلاقية كثيراً، لكن كلما عرفنا المزيد عن حياتها، وتعمقنا في الغوص في عالمها الداخلي، تتحول «موجز تاريخ الجرارات الأوكرانية» بشكل أكثر وضوحا إلى ترنيمة حقيقية للطموح وروح المبادرة. لا يمكن هزيمة مثل هذه المرأة أبداً. وهذه الصورة النمطية للمرأة الأوكرانية الحديثة منتشرة، ليس فقط بين البريطانيين، لكن أيضاً بين العديد من ممثلي الشتات الأوكراني، لذلك، اختارت المؤلفة امرأة أوكرانية لا تعرف الاستسلام للصعوبات..

الراوية، ناديا البالغة من العمر سبعة وأربعين عاماً، تعمل محاضرة جامعية في علم الاجتماع في بيتربورو، وهي بلدة تقع شرق لندن.. لم تكن عائلة نادية سعيدة – خاصة منذ وفاة والدتها قبل عامين. بعد الجنازة، توقفت نادية وشقيقتها الكبرى، فيرا، عن التواصل بعد خلاف حول الوصية. والد نادية، المهندس المتقاعد نيكولاي يأسف على أيام مجده الفكري. فهو صاحب سبع عشرة براءة اختراع تكنولوجية، ويقضي أيامه في كتابة بحث علمي حول الجرارات، وهو الذي يعطي الرواية عنوانها. ويشير نيكولاي أيضاً إلى التاريخ الأوكراني منذ الثورة البلشفية، والحرب الأهلية والمجاعة، التي أودت بحياة أربعة ملايين إنسان في العهد الستاليني، وأهوال الحياة في أوكرانيا الجائعة، والفساد الذي ساد في منتصف التسعينيات. (بين الحين والآخر يتم قطع السرد بمقتطفات من البحث).

تقول نادية: «بعد عامين من وفاة والدتي، وقع والدي في حب مطلقة أوكرانية شقراء رائعة. كان في الرابعة والثمانين، وكانت في السادسة والثلاثين. فجرت فالنتينا حياتنا مثل قنبلة يدوية وردية ناعمة، مخضبة بالماء الموحل، ودفعت الذكريات التي استقرت في القاع إلى السطح وركلت مؤخرة أشباح عائلتنا».

قال أبي: «لن تكون هناك أي مشاكل، لقد حسب لكل شيء حسابه. يعرفها منذ ثلاثة شهور. لديها عم في سيلبي أتت لزيارته بتأشيرة سياحية. تريد هي وابنها بدء حياة جديدة في الغرب – حياة جيدة، مع وظيفة جيدة، وراتب جيد، وسيارة جميلة؛ وتعليم ابنها تعليما جيداً. بالمناسبة، هي امرأة متعلمة. حاصلة على دبلوم في الصيدلة.. ستجد هنا بسهولة وظيفة عالية الأجر، بمجرد أن تتعلم اللغة الإنكليزية. في غضون ذلك، سيساعدها في تعلم اللغة الإنكليزية، وستقوم هي بتنظيف المنزل وتعتني به. تجلس على ركبتيه وتسمح له بمداعبة نهديها، سيكونان سعيدين معاً».

عندما كانت ليفيتسكايا مشغولة بكتابة هذه الرواية، كان الأمريكيون يتناقلون قصة الشابة آنا نيكول سميث، التي تزوجت من رجل مسن جدا. وقالت ليفيتسكايا في لقاء صحافي: لدى فالنتينا شيء من آنّا سميث، وشيء من النساء الأوكرانيات. أما بقية الصور فهي خيالية.

الشقيقتان مرعوبتان، يبدو واضحاً تماماً بالنسبة إليهما، فالنتينا تستخدم والدهما للحصول على إقامة في بريطانيا، لأن كل ما يتطلبه الأمر لخداع والدهما هو بعض الملابس الداخلية الخضراء من الساتان، التي تفضلها فالنتينا، ومعرفة مزعومة عن نيتشه، ومع ذلك، سرعان ما أدركتا أن فالنتينا هي بالفعل انتهازية، لأن كل ما تفعله هو من أجل ابنها ستانيسلاف، الذي لم يحصل على علامات جيدة في المدارس الأوكرانية.

فشلت نادية وفيرا في منع الزواج، وفالنتينا استقرت في منزل نيكولاي. الحديقة التي زرعتها والدتهما بمحبة تذبل من الإهمال؛ لا تهتم فالنتينا أيضا بالجزء الداخلي من المنزل، ولا تعتني به، وبدلاً من ذلك، ألحت على نيكولاي لشراء سلع فاخرة: سيارة رولز رويس بدلاً من سيارة عادية عاملة، وموقد علوي لا تستخدمه. نيكولاي أنفق كل مدخراته الضئيلة في التقاعد على زوجته الشابة، ويحلم بأنها ستتوقف أخيرا عن ضربه وتسمح له بمداعبة «ثدييها الرائعين» مرة أخرى. الشقيقتان تقعان في حمى محبة مفاجئة لوالدهما، وتحلمان بترحيل فالنتيناعن طريق كتابة تقارير مسيئة لها إلى الجهات المعنية.

ويبرر نيكولاي أمام ابنتيه سلوك فالنتينا قائلاً: «بالطبع، فالنتينا تنتمي إلى الجيل الجديد. ولا تعرف شيئا عن التاريخ، أو حتى عن الماضي القريب. هي نتاج عصر بريجنيف. في زمن بريجنيف، كان الجميع يحلم بنسيان الماضي والعيش كما يعيشون في الغرب، يحتاج الناس إلى شراء شيء جديد باستمرار. يجب دفن المثل العليا القديمة، والإيحاء برغبات جديدة، لذلك، فهي تريد دائما شراء شيء حديث، هذا ليس خطأها – إنها عقلية ما بعد الحرب.. فالنتينا جميلة بقدر ما هي لطيفة، وقوية الإرادة، لكن شخصيتها، تتسم بالقسوة على خلاف ليودميلا الطيبة (يقصد زوجته الأولى المتوفاة) ناديا، لماذا تصنعين مأساة من كل شيء؟ حبيبتي ماتت، هذا بالطبع أمر مؤسف، لكنه بات جزءا من الماضي، لقد جاءت حياة جديدة، وجاء حب جديد».

إذا كانت المرأة في العالم الخارجي محاطة بأشخاص معادين لها، أو غير مبالين بها، فإن هذا يغذي الوحشية في أعماقها، ويقوي روحها وتصبح أكثر عدوانية.

فالنتينا لا تنوي أن تكون زوجة صالحة للمسن نيكولاي، وهو بدوره مجبر على الاستماع إلى همسات بناته. وفي النهاية يطلب الطلاق، الشقيقتان نجحتا في ترحيل فالنتينا إلى أوكرانيا، بعد أن جمعتا الأدلة التي تدينها، وقدمتاها إلى دائرة الهجرة البريطانية، رغم أنهما قادرتان بالفعل على فهم هذه المرأة، التي هي أيضا ضحية في مغامرة لا تصدق تسمى «الحياة».

ردود الفعل الأوكرانية

لقد كتب وقيل الكثيرعن هذه الرواية في أوكرانيا، لكن دور النشر الأوكرانية أحجمت عن ترجمتها إلى الأوكرانية ونشرها لثماني سنوات، قبل أن ترى النور عام 2013. وفي لقاء مع المؤلفة في ألمانيا – جرى خلال حفل توقيع الترجمة الألمانية لكتابها – أرجعت هذا الإحجام إلى حقيقة أن صورة فالنتينا كانت هزلية للغاية، وأن الأوكرانيين ليسوا مستعدين للضحك على أنفسهم. قال النقاد الأوكرانيون: «إن الكتاب يصور الأوكرانيين والأوكرانيات كأناس جشعين». ويبدو لي، أن هذا ليس صحيحا، فقد لحظ النقاد الغربيون إنسانية جميع شخصيات الرواية جنبا إلى جنب مع سماتها الكوميدية. الكاتب الأوكراني أندريه كوركوف، وهو من أكثر الكتّاب الأوكرانيين شهرة في الغرب، كتب مراجعة للرواية بتكليف من صحيفة «الغارديان» اللندنية قال فيها: «إن جائزة وودهاوس، مُنحت للكاتبة لأنها قدمت صورة كاريكاتيرية للأوكرانيين» ولم يلحظ كوركوف أن فالنتينا هاجرت من روسيا إلى مدينة ترنوبول الأوكرانية، ويبدو أنه اعتمد على الترجمة الروسية المحرفة لهذه الرواية، رغم أن المؤلفة أشارت (في النص الإنكليزي) أكثر من مرة إلى أن فالنتينا روسية من سكنة أوكرانيا، وتشير المؤلفة أيضاً إلى أن شخصية فالنتينا تتسم بالقسوة، فهي لم تتوان عن ضرب زوجها المسن عند رفضه تلبية مطالبها المادية. القسوة كما تقول المؤلفة هي السمة المميزة لمعظم الروس، وأن النقص النمطي في الطبع الروسي هو اللجوء إلى العنف أولا وليس أخيرا.

رواية ليفيتسكايا ليست صراعا بين العقليات المختلفة للأوكرانيين، لكنها صدام بين عالمين مختلفين للمهاجرين (أوكراني وروسي). علاوة على ذلك، من الواضح أنها ليست لصالح الروس، وقد عمدت دار النشر الروسية التمويه على حقيقة كون فالنتينا روسية الأصل. كما أن الترجمة الروسية للرواية محرفة عن عمد، ما أثار حفيظة الأدباء والنقّاد الأوكرانيين، فقد تم المزج بين الكلمات الروسية والأوكرانية من أجل إضحاك القارئ الروسي. ولا أحد في أوكرانيا يتحدث بهذه اللغة المشوهة، أو يستخدم مثل هذه الألفاظ الغريبة عن اللغة الأوكرانية.

ملاحظات ختامية

عندما كانت ليفيتسكايا مشغولة بكتابة هذه الرواية، كان الأمريكيون يتناقلون قصة الشابة آنا نيكول سميث، التي تزوجت من رجل مسن جدا. وقالت ليفيتسكايا في لقاء صحافي: «لدى فالنتينا شيء من آنّا سميث، وشيء من النساء الأوكرانيات. أما بقية الصور فهي خيالية. تعاني هذه الرواية كعمل أدبي، ما قد يكون خطأ نموذجيًا للعديد من روايات السيرة الذاتية. ونعني بذلك حشر الكثير من القصص في مساحة صغيرة، ما يؤدي إلى عدم معالجتها فنياً بالعمق المطلوب.

الرواية بضمير المتكلم، لكن المؤلفة تنتقل من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب، وأحيانا إلى ضمير الغائب حتى ضمن فقرة واحدة من عدة سطور، ما يربك أحيانا فهم ما تسرده، ويتطلب من القارئ بعض التركيز. على الرغم من ذلك، فإن رواية «موجز تاريخ الجرارات الأوكرانية» ممتعة، وكتبت بأسلوب فكاهي سلس، تنساب فيها الكلمات بسهولة ويسر، وتحتوي على مقاطع ذات جمال شعري أخاذ.

كاتب عراقي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي