سماح إدريس … فلسطيني حتّى النّفَس الأخير

2022-07-06

واسيني الأعرج

الحديث عن المرحوم الدكتور سماح إدريس المفكر السياسي، يقودنا حتماً إلى الحديث عن فلسطين التي شكلت خياراً جوهرياً واستراتيجياً في تفكيره، والحجر الأساس الذي يمكن من خلاله ليس فقط تحسس القضية الذي يدخل في خانة الخيارات النضالية، ولكن ملامسة تحولات المثقف العربي الذي تغير كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح تحت وطأة المال. لهذا تشكل قضية فلسطين بالنسبة للدكتور سماح مخبراً لفحص جدارة هذا المثقف بما يدعيه من التزام تجاه قضية هي من أكثر قضايا الإنسانية، وليس العربية فقط، أهمية لأنها تتعلق بمصير شعب طرد من أرضه بفعل القوة والظلم، من خلال هجرات ضخمة غيرت فيزيونوميا المنطقة. ولا يمكننا أن نتصور حلاً عربياً – إسرائيلياً إلا داخل هذه المعادلات المعقدة وشبه المستحيلة. فالقضية كما يرى الدكتور سماح إدريس، هي قضية احتلال وغطرسة واستعمار، وما عدا ذلك، فلا علاقة للفلسطيني بمأساة الهولوكوست إلا من باب العاطفة الإنسانية التي ترفض حرق شعب بسبب عرقي أو ديني. الهولوكوست هو في النهاية ثمرة الجشع الاستعماري الغربي، النازية وحلفائها، أو الذين ساروا في دربها وبرروا جرائمها.

يمكننا أن نجادل اليوم كثيراً حول هذه الموضوعات الصعبة التي شكلت المادة الخام لفكر الدكتور سماح القومي والإنساني، وحول العلاقات العربية الإسرائيلية، فهي في كل الأحوال حقيقة ميدانية تتسع رقعتها كلما أصبح العرب أشد ضعفاً. الضعيف عندما ييأس من إيجاد الحلول الذاتية أو الجهوية، أو حتى الدولية في ظل نظام دولي أحادي الجانب، يركض نحو الأقوى بشكل معلن أو مضمر. لقد انتهى زمن التسريبات السرية لتي كان يقصد من ورائها اختبار ردة الفعل الشعبية، هنا وهناك، قبل الإقدام على أي توقيع أو اتفاق. ليس هذا هو المهم بالنسبة للدكتور سماح على الرغم من قسوته، لأنه يرهن القوة العربية إلى زمن غير مرئي بسبب الخلافات والتمزقات، لكن الشعوب العربية التي مهما استُعملت من الأنظمة الديكتاتورية، تظل خامتها الجوهرية نضالية ورافضة للاحتلال، ومتعاطفة مع القضية الكبرى، قضية فلسطين، على الرغم من سياسات الإحباط والتيئيس والهزائم المتكررة. هناك قوة دفع كامنة في الأعماق ومتوارثة بكل حديتها، ستجد يوماً مساحة حقيقية تلتصق بها لتتحول إلى قوة فعّالة وضاربة. الغطرسة الصهيونية ليست قدراً أبداً.

المشهد اليوم قد لا يكون مفرحاً، وأكثر، قد يكون دافعاً لحالة يأس كبير. هناك ما لا يقل عن عشر دول عربية إما لها سفارات إسرائيلية أو علاقات تحتية، أو استثمارات تحت مسميات مختلفة، في بلدانها. الحقيقة القاسية التي يجب إدراكها هي أن هذه العلاقات حقيقة موضوعية وميدانية، وهو ما يسميه سدنة الاستعمار بـ «ريال بوليتيك» Real Politic السياسية الواقعية، كما يقول الدكتور سماح، أي تقبل معطيات الواقع كما تتبدى في ظل الإنهاك والانحطاط العربيين والتعاطي معها مقابل مكسب ما، حتى ولو كان صغيراً، أو حتى بدون مكسب. في هذه القضية تحديداً، فموقف الدكتور سماح إدريس كان واضحاً وحاداً أيضاً لأنه طريق غير مجد، ولن يوصل إلا إلى المزيد من الانهيارات والاستسلام. إسرائيل غير مستعدة لأي تنازل حتى ولو بدا أنها قبلت بذلك من خلال اتفاقيات أوسلو. لم تتنازل عن أي شيء. فقد احتلت القدس، ووسعت من مساحاتها لتكون عاصمة موحدة لها، ووسعت من مستوطناتها حتى أكلت الجزء الأهم من الضفة الغربية وما تزال. حتى لو قبلنا بهذا المنطق، السؤال الأكبر هو ماذا يقدم هذا التقارب الإسرائيلي-العربي للشعوب العربية ولفلسطين تحديداً باسم «الريال بوليتيك»؟ هل خففت كل التنازلات العربية والتفاهمات الأمريكية-الأوروبية من الحدة في الشرق الأوسط؟ هل قُوِّضت الترسانة الإسرائيلية بما فيها الترسانة النووية الإسرائيلية التي احتلت الأراضي العربية وضمت الجولان نهائياً، ضاربة عرض الحائط كل القوانين الدولية، والأخطر من ذلك كله، فقد احتلت السماء العربية كلها، متى بدا لها ضرب أي بلد عربي تفعل ذلك بلا تردد. فقد اتضح بالدليل القاطع أن إسرائيل كانت هي المشرف والمدير استراتيجياً لعسكرة منطقة سيناء، والإشراف على تدريب التيارات المتطرفة لإضعاف الدولة المركزية العربية. ولا يخفي الكيان الصهيوني أطماعه بالنسبة للأردن في قضية الضفة الغربية وغور الأردن، التي تعتبر إسرائيل السيطرة عليها أمراً ضرورياً لمنع قيام دولة فلسطينية في المستقبل. تدمير كل البنى التحتية في غزة وتحويلها إلى ميدان حي لتجارب الأسلحة الفوسفورية المتطورة وغيرها، واحتلال المزيد من الأراضي، وتدمير المساكن على أصحابها بالجرافات، والانقضاض على القدس وتحويطها بآلاف السكنات في إطار القدس الكبرى التي تغير المعادلة السكانية نهائياً، وضم هضبة الجولان نهائياً، وتجويع الشعب الفلسطيني، والمزيد من المستوطنات، هذا دون الحديث عن الاستيلاء على منابع المياه في المنطقة العربية (نهر الأردن، مزارع شبعا، بحيرة طبريا والضفة…). لم تحترم إسرائيل حتى ما وقعت هي عليه من اتفاقيات التي كانت تدميراً للمقاومة الفلسطينية؟ أي رييل-بوليتيك؟ والأخطر من ذلك كله، هو الجزء الأهم في الاستراتيجية الإسرائيلية: إضعاف العرب أولاً ومنع تواصلهم والتفكير في استراتيجيات محتملة، وتقسيمهم، للتمكن من الإجهاز عليهم، وتسميم العلاقات العربية-العربية، وقتل كل مبادرات السلام الممكنة بما فيها مبادرة السلام العربية التي تم الإعلان عنها في قمة بيروت 2002، والتي أطلقها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز بين إسرائيل والفلسطينيين وكان هدفها إنشاء دولة فلسطينية حقيقية معترف بها دولياً على حدود 1967، وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل.

ناقش الدكتور سماح إدريس هذه القضية معرياً كل الذين أضعفوا الجهد العربي، بالكثير من التبصر وإن غلب عليه أحياناً طابع الحدية، لكنها حدية توازي في جوهرها الظلم الذي تتعرض له فلسطين والتنكيل الذي كان ضحيته العرب، أولاً وأخيراً. هناك نية حقيقية تفطن لها الدكتور سماح، تعمل على تدمير أية مبادرة عربية أو أي ثورة إيجابية، تغير وتحفظ وحدة البلاد، فالأنظمة الاستعمارية الحديثة في شكلها ملساء كجلد أفعى، لكنها في الأعماق لا تريد لهذه البلدان إلا أن تظل على تخلفها، وتعمل على إجهاض الفعل الثوري وتحويله إلى وسيلة تدمرية وليس بنائية، ولنا في الحالتين السورية والعراقية ما يبرر ذلك.

لم يكن الدكتور سماح مخطئاً في تحليلاته للحالة الفلسطينية في كل تحولاتها التاريخية وصولاً إلى اتفاقية أسلو. فبعد أن تم إسكات الانتفاضات، قبِل الفلسطيني في ظل الخيارات التي تضيق كل يوم أكثر بشبه دولة صغيرة غريبة في التوصيف السياسي، لا هي بدولة حقيقية ولا هي بسلطة مستقلة. فلا هو قادر على الحرب، وليس قادراً على الانتفاضة من جديد في ظل المعطيات الحالية بعد أن تم تمزيق أوصال الصفة الغربية بآلاف المستوطنات، وليس قادراً على سلام بخسارات أقل يضمن من خلالها جزءاً من حقوقه التاريخية. يفترض الدكتور سماح بديلاً للرييل-بولتيك: الواقعية الثورية. لكن ما هي الوسائل المتاحة اليوم لتحقيق هذه الشرطية؟

الوهم كان كبيراً كما يقول الدكتور سماح إدريس، في ظل كيان متغطرس لا يؤمن إلا بالقوة. الانتفاضة هي التي جعلته يقبل التحاور، والضعف العربي اليوم هو الذي جعله يتنمر على الشعب الفلسطيني والعرب.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي