محمد الداهي من السيرة الذاتية إلى الكتابة عن الذات: الانحياز إلى التخييل كاستراتيجية في التأويل وتنسيب الحقائق

2022-07-04

عبداللطيف الوراري

زمن السرديات

في أواسط تسعينيات القرن الماضي، ونحن طلبة في المدرسة العليا للأساتذة في الرباط، كان اسم محمد الداهي متداولا بيننا بقوّةٍ، من خلال ما واظب على نشره من دراسات ديداكتيكية تتعلق بالنص الحكائي في ضوء استراتيجية القراءة المنهجية؛ وفي طليعتها كتابه «دينامية الإقراء: أوراق عبد الله العروي مثالا» الذي وجدنا ضالّتنا فيه، وقرّبنا ليس من الفكر الأدبي لهذا الفيلسوف الإشكالي وحسب، بل من طبيعة عمله السردي الذي يقع بشكل متوتّر بين ما هو مرجعي- سيري وروائي- تخييلي، أي من عمارته النوعية التي كانت تخرق ما تواضعنا على قراءته من نصوص الرواية العربية، بقدر ما شرعت تقترحه من جماليّاتٍ جديدة على مستوى الرؤية والإنجاز.

كانت تلك الفترة تشهد وثبة السرديّات كعلم جديد وإبدال معرفي طموح يؤسس لتقاليد جديدة في قراءة النص الروائي العربي، والمغربي خاصة، ويمارس إغراءه على كوكبة متميزة من النقاد والباحثين المغاربة داخل الجامعة وخارجها، بل فيهم من ترك ما كان بين يديه من بضاعة أدبية أو «نقد» راكد، ونهض لهذا العلم بما يستحقه من تَفرّغ ونشاط نادرين، ومن انفتاح على منجز السرديات الفرنسية في مظانها، والجُنيتية والغريماسية تحديدا. ولم تكن هذه السرديات واحدة، بل متنوعة بالنظر إلى خلفياتها النظرية والمنهجية، وتطبيقاتها النصية؛ بين سرديات بنيوية تتأطر ضمن بويطيقا الخطاب الأدبي، كما عند محمد برادة وعبد الفتاح كيليطو وسعيد يقطين وحسن بحراوي وغيرهم، وسرديات سيميائية كما عند المصطفى شاذلي وسعيد بنكَراد ومحمد الداهي ومحمد حجو وغيرهم، قبل أن يتشعب هذا العلم من خلال انفتاحه على لسانيات التلفظ والعلوم المعرفية والدراسات الثقافية والبلاغة الجديدة والرقميات، وينتقل إلى طور جديد يسميه سعيد يقطين بـ»السرديات ما بعد الكلاسيكية». وقد تبوأت أعمالهم النقدية تباعا موقع الصدارة داخل خريطة النقد العربي المعاصر، وهي تعيد قراءة نصوص السرد العربي القديم، أو تسلط الضوء على قضايا الرواية المغربية الجديدة، تحت تأثير تحولات الواقع والمجتمع والثقافة، التي عملت بطرائق متعددة ومختلفة على تشخيصها فنيا.

فاعلية التخييل

وقد توجّه محمد الداهي، في فورة هذا النشاط السردولوجي المغربي واستئثار الرواية بثماره الناضجة، إلى الانشغال النظري والمعرفي بالسيرة الذاتية كنوع سردي وتخييلي في آن، في وقت كان يُنظر فيه إلى هذا النوع بازدراء واستخفاف. وأزعم أن أحد الأسباب الأساسية التي ألحت عليه هذا الأمر، ضمن أخرى شخصية وجمالية؛ هو انشداده المعرفي الدائم إلى أعمال عبد الله العروي السردية أولا، الذي أثمرت دراسته المنقّحة والرائدة في بابها: «متعة الإخفاق. المشروع التخيُّلي لعبد الله العروي» (2022) وإلى نظائرها في المتن الروائي العربي الجديد، بل كذلك إلى بعض النصوص السيرية القديمة، التي ما زالت تنتظر من يرفع الحجاب عنها، باحثا في مجموع هذه الكتابات المسماة «ذاتية» عن الشروط المتحكمة في إنتاجها وتلقيّها، وما تمليه عليه من إشكالات متراصة تستحق النظر وواجب المعرفة. كان الانشغال بالسيرة الذاتية على مستوى الرؤية والتجنيس واضحا منذ البداية في مشروع محمد الداهي النقدي، ومتجاوبا مع متطلّبات النزوع التجريبي الذي بدأت تطرحه مثل هذه الكتابات في مختلف مظاهرها وأشكالها (السيرة الذاتية الذهنية، محكي الحياة، اليوميات، المذكرات، التخييل الذاتي..). وهو بقدر ما يريد أن يردّ الاعتبار لها نقديّا ضمن مُستحقّات المدوّنة السردية الجديدة، يسعى إلى تجاوز مآزق نظرية الظروف الخارجية التي كانت تجترّها نقود السيرة الذاتية الكلاسيكية (إحسان عباس، يحيى إبراهيم عبد الدايم، عبد العزيز شرف..) أو حتى المتأثرة بنظريتها الحديثة بين قطبيها جورج ماي وفيليب لوجون (عمر حلي، شكري المبخوت، محمد الباردي، معجب الزهراني..) على اعتبار نسببية الحقيقة والتباسها في كل عمل أدبي مهما ادّعى وثوقيته ووفاءه للمرجعي والتاريخي. وضمن هذا الفهم، كان مشروعه السيرذاتي ينحاز ـ تدريجيّا- إلى التخييل كاستراتيجية في القراءة والتأويل، وبالتالي في تنسيب الحقائق التي يجري تهويلها لصالح الخارج – نصّي.

في كتابه «الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات» (2007) عمل الناقد على إدماج مشروعه ضمن دائرة أوسع؛ وهي دائرة الكتابة عن الذات، التي أخذ الاهتمام بها يتزايد بسبب اتساع هامش الديمقراطية والحريات، وانتشار التعليم، أو بفضل التقدم التكنولوجي.

بل يمكن القول إنّ هذا الانشغال النظري والمعرفي بالنوع السيرذاتي عند محمد الداهي، والمنحدر من سميائيات ذات أبعاد بويطيقية وتلفّظية، كان يوازيه انشغالٌ محايث من طبيعة أخرى؛ يتعلق الأمر بالتوجيه البيداغوجي والتدريسي لأشكال هذا النوع وتجلياته النوعية على مستوى إقرائه، ونقل مفاهيمه ديداكتيكيّا، وهو ما طبع مقاربته بالوضوح المنهجي والضبط المصطلحي، وتجويد اللغة الواصفة وربطها برهانات التلقّي الجديد، وبالتالي جنّبها من البدء مما كانت تقع فيه معظم المقاربات من مزالق الفهم وتوظيف المصطلح السيرذاتي نتيجة كثرة استعمالاته واستسلام النقاد لإغرائه.

هو ـ إذن- مشروعٌ نوعيٍّ وراعٍ يتجاذبه همّان متراكبان؛ تأصيلي ومعرفي. ويظهر ذلك بوضوح منذ كتابه «شعرية السيرة الذهنية: محاولة تأصيل» (2000) الذي يعيد فيه اكتشاف السيرة الذهنية في بعدها النوعي الجامع؛ أي ما تتفرع عنه من أنواع من ذاتية وموضوعية؛ تربوية، ودينية، وفهرسية، ومعجمية، ومناقبية وإخبارية، وذلك على قاعدة معايير كلية وجوهرية، تشتغل عبر نصوص عديدة من قديم الثقافة العربية وحديثها («المنقذ من الضلال» لأبي حامد الغزالي، و»التوابع والزوابع» لابن شهيد، و»حي بن يقظان» لابن طفيل، و»أنا» لعباس محمود العقاد، و»أوراق» لعبد الله العروي، و»شارع الأميرات» لجبرا ابراهيم جبرا) وتتغيا تحديد العلاقة بين العمل وطبقة هذه النصوص، بما هي ذات طبيعة أطروحية ومرجعية تقوم على جماليّة التشخيص.

في كتابه «الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات» (2007) عمل الناقد على إدماج مشروعه ضمن دائرة أوسع؛ وهي دائرة الكتابة عن الذات، التي أخذ الاهتمام بها يتزايد بسبب اتساع هامش الديمقراطية والحريات، وانتشار التعليم، أو بفضل التقدم التكنولوجي. ولا يعوزنا الحديث لتسمية عددٍ من أشكال هذه الكتابة التي أفاضت حبر «القارة المجهولة»: الأدب الشخصي أو الحميمي، الشهادات السيرذاتية، محكيات الذات، الأدب الذاتي، قصص الحياة، وثائق المعيش، اليوميات، الرسائل، الاعترافات، المذكرات، التخييل الذاتي.

ثمة مظهرٌ إشكالي في التعريف الذي وضعه فيليب لوجون، يتمثل في أن الميثاق السيرذاتي، وهو الشرط الضروري للسيرة الذاتية، غير قابل للفصل عن الميثاق المرجعي؛ لأنه يُمثل قصد المؤلف «لقول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة» ويُنْشئ وَعْدا لدى القارئ بأن «ذات التلفظ وذات الملفوظ» هما الشيء نفسه، مُوحيا بأن الأمر يتعلق بالسيرة الذاتية وليس بالتخييل. لكن دارسين كثيرين؛ من أمثال: جورج غوسدورف، وجون ستاروبنسكي، وجيمس أولني، وسيرج دوبروفسكي، وكريستين مونتالبيتي، وأرنو شميث وفيليب غاسباريني، تساءلوا عن فرضية الصدق التي طرحها لوجون، ووجدوا أن الميثاق السيرذاتي يُشكل بالأحرى «إعادة» بناء الأنا انطلاقا من الذاكرة، وبالتالي فإن القول بأن السيرة الذاتية تُشكل تمثيلا دقيقا وأصيلا لحياة المؤلف يكشف عن كونه وَهْما، ما نقل الاهتمام عندهم من مقولات المماثلة والتطابق والصدق (ما حقيقة ما يسترجعه الكاتب عن نفسه؟) إلى بحث طرق تمثيل الحقيقة وتشخيصها جماليّا (كيف يقدم الكاتب صورة/ صورا عن ذاته؟)؛ بمعنى «أنّ صدق الكتابة الذاتية – كما يقول عبد القادر الشاوي في تقديم الكتاب – كامنٌ في محكيها الذاتي نفسه لا في الواقع الذي تستنسخه كتابته».

يبدو الطابع الاسترجاعي للسيرة الذاتية بديهيّا: يستعيد الكاتب ماضيه. ومع هذه الواقعة الواضحة، ينكشف استرجاع وجوده كاملا عن كونه وَهْما: بين زمن الكتابة وزمن التاريخ علاقة ما فتئت تتغير. ولهذا، فالوهم المرجعي الذي تنتجه السيرة الذاتية، يجب أن لا يُخفي عنا حمولة التخييل المتضمنة فيه، إذ لا يمكن للكاتب أن يأخذ بالاعتبار حياته كما جرت. إنه يصنع منها حَكْيا، بمعنى أنه يُكيف هذه الحياة مع الإكراهات المرتبطة بالشكل السردي، أي يعيد تشييد حياته حتى يكتبها. وهذا ما انتبه إليه محمد الداهي وهو ينشط مبدأ التخييل بكفاءة أنجع في قراءة أشكال الكتابة الذاتية على تنوعها، وإعادة الاعتبار لها كخطاب جمالي، مؤمنا بأنها «أسهمت في خلخلة علاقة الأدب بالواقع، وأعادت الاعتبار لما يكتبه الإنسان عن ذاته، وأبرزت إمكانات تشخيص التجربة الشخصية من منظورات وزوايا وخلفيات متنوعة». ولهذا، تتفاوت طرائق تشخيص «الحقيقة» من طرف هذا المحكي أو ذاك تبعا لطبيعته ووظيفته، وهي غير «الحقيقة» التي في الواقع كما يُفترض، بل التي يستحيل القبض عليها أو تشخيصها كما هي. وانطلاقا من هذا التمرين الإشكالي، لم يعد مستساغا تقييد الكتابة الذاتية بخطاب الحقيقة، بل صارت تتلبّسُ بالخيالي حين يضفي المؤلف طابع التخييل على تجربته الشخصية، فتصير قادرة على احتضان ما هو واقعي وما هو خيالي بدرجات متفاوتة، ومن ثمة «تُعقّد العلاقة بين الكتابة والحياة».

من التمثيل إلى الاصطناع

لقد أخذت السيرة الذاتية تُخْلي مكانها للتخييلات، بل لم يعد متقبّلا أن يُسمّى النص الذي يطغى عليه التخييل «سيرة ذاتية» ما جعل التخييل داخل السيرة الذاتية يلغم الطابع المرجعي للنوع، ويفسح المجال لبروز كتابات ذاتية- تخييلية وانتعاشها، وهو ما عاد إليه مٌجدّدا في كتابه «السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع» (2021) إذ يقدم تلقيا مغايرا وأكثر بلورة لأشكال هذه الكتابات من منظور السيميائيات الذاتية.

ينفي الناقد وهم المطابقة أو علاقة التطابق/ التشابه بين الكتابة والواقع، كما كرستها الدراسات السيرذاتية في السابق، وعلى أساسها جرى التمييز بين السيرة الذاتية والرواية، وبالنتيجة ينقض التمثيل الذي يقوم على مبدأ تكافؤ الدليل والواقع ويعتمد بديلا عنه مبدأ الخيال (الاصطناع) بحكم أنّ اللغة صارت قادرة على تحويل الواقع وإزاحته، بل على خلق نموذج مصطنع يحلُّ محلّه.

وفي هذا السياق، وسعيا لضبط التمايزات بين الأشكال، يستعير من أرنو شميث مصطلح تأرجح البندول بين حدي التخييلية (الرواية) والمرجعية (السيرة الذاتية) داخل الفضاء الأجناسي، لتصنيف هذا النوع من المحكيات الذاتية، حسب انتمائها إلى هذا الحد أو ذاك، أو اقترابها منه أو ابتعادها عنه، قبل أن يعمل على تثمينها حسب أدبيتها أو غناها البلاغي من عدمه. كما تتمايز، تحت تأثير البندول نفسه، صورة الكاتب حسب احتكامها إلى معيار المطابقة أو الانفصال، فيما هي تتجسد بواسطة ألاعيب متعددة، ووفق المواقع التلفظية التي تشغلها في النص. لا يستقر الكاتب على صورة واحدة، بل يتنكر في صور متعددة على نحو يسهم في تنوع محافل السرد وأشكاله بضمير المتكلم أو غيره. فهو ينتج في مجال الكتابة صورا عديدة كُلما اقترب من ذاته (أي هذه الصور أقرب إلى ذاته؟) وبالتالي يتحرر من أسر بيجماليون (صناعة القرين المثالي). كما لا يتيح الأدب نفسه إمكانية العثور على الذات، إلا في شكل صورة ناقصة. لكن رغم نقصان كتابة السيرة الذاتية، فهي تبقى أكثر تماسكا واكتمالا من الواقع عينه، لأنها كتابة تؤجل فعل الموت وشواهدها لا تزول إلى الأبد.

وإذن، ففي مقابل هذه السيرة التي كان يمتحنها الباحث ويعتكف على تحليل مستوياتها النصية ويتتبّع ظلالها التخييلية بمهماز المعرفة ومرحها، يمكن أن نتحدث عن سيرة أخرى موازية؛ هي سيرة محمد الداهي نفسه مثقّفا أصيلا وباحثا أكاديميّا من الطراز الرفيع.

كاتب من المغرب







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي