«ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب»: المقروء وسدّ ثقوب الذاكرة

2022-07-04

بوشعيب الساوري

في الغالب ما يلْتبس مقروء مؤلّفي النّصوص الرحلية بعَيانهم ومشاهداتهم، ويتبادلان التأثير والتأثر أثناء فعل السفر، خصوصاً حين يقوم الرحالة بتحويل سفره إلى نص رحلي كيفما كان شكله، سواء أكان في شكل محكي، أو تقرير أو يوميات أو رسائل.. من هنا يتولّد التساؤل حول دور القراءة والمقروء في إنتاج النّص الرّحلي من إشكالية كيفية تحويل فعل السفر إلى نص. هل يقتصر دور المقروء في كونه مجرد باعث محرّض على السفر؟ أم أنه يتعدّاه إلى أن يضطّلع بدور مركزي في تلفيظ فعْل السفر وتحويله إلى نص رحلي؟

ننطلق من هذا التساؤل الإشكالي لقراءة كتاب «ذكريات شخصية لحياة حميمة بالمغرب» لمادّالينا شيزوتي فرارا (Maddalina Cisotti-Firrara) ترجمه عن الإيطالية أستاذ التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في وجدة مصطفى نشاط، وأستاذ اللغة الإيطالية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق في الدار البيضاء رضوان ناصح (الرباط ـ مطابع الرباط نيت 2019) مؤلفة الكتاب هي زوجة لرئيس البعثة الإيطالية التي كانت مكلّفة بمصْنع الأسْلحة في مدينة فاس في نهاية القرن التاسع عشر، أقامت في المغرب ما بين 1897 و1900، وبعْد مرور اثنتي عشرة سنة ألّفت كتابها هذا، وحاولت أن تستعيد فيه ذكريات مقامها في مدينة فاس.

من هذا المعطى، ومن خلال عنوان النص، يبدو أن الكاتبة اعتمدت في كتابة عملها هذا على رسائل كانت قد بعثتها إلى والدها أثناء مقامها في فاس، وعلى ذاكرتها، كما جاء في كلمة الناشرين الإيطاليين. وعلى الرغم من اعتمادها أسلوب النفي للتأكيد على فرادة تجربتها، بشكل مبالغ فيه، باعتبارها الأنثى الوحيدة التي كتبت عن المغرب، بقولها: «وإذا كان بعض الرجال قد كتبوا بدقة عن المغرب، فليس ثمة أبداً أي امرأة كتبت عنه. خلال هذه الرحلات المهمة والمتعبة، كانت العين في إعجاب دائم بالطبيعة السخية، والعقل يغتني بالنظرات الجميلة والمعلومات الجديدة، بينما تتألم الأطراف بفعل الساعات الطوال من السير تحت الشمس، ويبدي الجسم اللطيف قرفا واشمئزازا من دلو الماء المصفر لينتعش الوجه وتمسح الأيدي. كل ذلك، كتب من لدن شعراء وعلماء وفنانين، لكنه لم يكتب قط من لدن قلم أنثوي».

هكذا يبدو لنا أن مقروء الكاتبة مادّالينا شيزوتي فرارا، اضطلع بثلاثة أدوار، الأول كان دافعاً إلى الكتابة، والثاني كان مساعداً على سدّ ثغرات ذاكرة الرحالة، والثالث كان مكرِّساً للصور النمطية الأوروبية عن المغرب.

وتقول أيضا: «لا أحد تحدث عن إقامة أسرة أوروبية في مركز الإسلام، ولا أحد نفذ إلى الجوهر الحميم للأنوثة المغربية التي لم يعرها القرآن إلا جانبا بسيطا من الأهمية، ولا أحد استيقظ لآلاف المرات في جوف الليل بفعل «النفارات» الرتيبة والكئيبة في شهر رمضان، ولا أحد كان قادرا على استقبال الحفلات والمآدب أيضا، في خضم الهمجية». ويبدو لنا أن ذاكرتها لم تسعفها كلية في استرجاع كل تفاصيل مقامها في المغرب، وتعترف بذلك قائلة: «وألحقت ضررا بحقل لمغربي من ذلك الدوار كان مزروعا بحبوب، لا أتذكر نوعها». بل في كثير من المواقف اختلطت الوقائع التي عاشتها بآمالها ورغباتها ومخاوفها، الأمر الذي منح الفرصة لمقروئها ليطّلع بثلاثة أدوار رئيسية في نصها الرّحلي هذا:

الأول: تمثّل في دفعها إلى الكتابة بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على سفرها ومقامها في المغرب، إذ تكشف عن تأثرها العميق (الذي تظهره التعابير التي وظفتها) بما قرأته من رحلات لأميتشيس وبيير لوتي وبارزيني الذين سبقوها إلى كتابة أسفارهم، مع إفصاحها عن وعيها بالتباس الواقعي والتخييلي في نصوصهم الرحلية عن المغرب؛ حين تقول في مقدمة كتابها: «بينما وصف عباقرة متميزون، وكذلك أقلام رائعة ولوحات زاهية من الألوان العادات الغريبة لهذه المناطق وطبيعتها الوافرة الخصوبة وساكنتها الجميلة والخاملة، وكل شيء آخر يستحق أن يعرف عنها. وفي الواقع، من دي أميتشيس، الذي منح المغرب كل شاعرية روحه المفعمة بالأحاسيس، مرورا ببيير لوتي، الذي دثّره بكنوز من الألوان الرائعة، جعلت سرده مشرقاً جداً، إلى بارزيني في كتابه «تحت الخيمة» الذي سلّط الضوء مرة أخرى على عادات دائمة التجدد وشديدة الغرابة، وأخيرا إلى عدد من الرحالة المشهورين والجغرافيين ورجال السياسة، كلهم درسوا بلد الشرفاء دائم التجدد. وكل واحد فحصه من وجهة نظره الخاصة، انطلاقا من الخيال أو من العلم، أو من الدبلوماسية».

الثاني: لسدّ ثغرات ذاكرتها، نظراً للفجوة الزمنية الفارقة بين الرحلة والكتابة، يبدو من منطوق كلام الكاتبة أنها تأثرت بالعديد من الرحالين الذين سبقوها إلى الكتابة عن المغرب، وهو أمر فطن إليه مترجما الكتاب في العديد من تعليقاتهما التي تظهر اقتباسه الواضح عن بيير لوتي في الصفحات 57 و65 و111 و241 وكذلك عن دي أميتشيس في الصفحتين 163 و165، إذ نلمس تشابها ملحوظا بين مقطع من نصّها ومقاطع من نصوص لوتي ودي أميتشيس.

الثالث: تكريس النظرة الاستعلائية والمركزية الأوروبية عن المغرب وتفوقها، التي تظهر في كثير من التمثيلات الثقافية الثاوية في لاوعي الرحالة، فتتكرر بشكل لافت في جل النصوص الرحلية الأوروبية، التي تعود أيضا وبالدرجة الأولى إلى مقروئها، لا على أساس مشاهداتها، إذ أعادت إنتاج عدد من الصور النمطية عن المغرب والمغاربة؛ منها تفضيل المغرب على المغاربة، رتابة الحياة في المغرب، غياب الوعي لدى المغاربة بالخير والشر، همجية المغرب والمغاربة وخضوعهم للغرائز، العجز والقصور العقلي، قرف الحفلات وعنفها.

هكذا يبدو لنا أن مقروء الكاتبة مادّالينا شيزوتي فرارا، اضطلع بثلاثة أدوار، الأول كان دافعاً إلى الكتابة، والثاني كان مساعداً على سدّ ثغرات ذاكرة الرحالة، والثالث كان مكرِّساً للصور النمطية الأوروبية عن المغرب.

كاتب مغربي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي