كيمياء المدن في «جنائن الشرق الملتهبة» للجزائري سعيد خطيبي

2022-06-29

موسى إبراهيم أبو رياش

في كتابه «جنائن الشرق الملتهبة: رحلة في بلاد الصقالبة»، يحكي سعيد خطيبي رحلاته إلى كل من: ليوبليانا عاصمة سلوفينيا وبلدة غراد، وزاغرب عاصمة كرواتيا، وسراييفو عاصمة البوسنة ومدينتي موستار وسربرنيتسا، وبلغراد عاصمة صربيا، وكييف عاصمة أوكرانيا، وقد كان لافتًا وصف خطيبي للمدن التي زارها؛ ليس وصفًا لمادية المكان ومكوناته فقط، بل لروحه وكيميائه، وما يحدثه في النفس من أثر وشعور وانطباع، حتى لقد ذهب إلى أنسنة المدن واستنطقها أو قرأ أفكارها، وما تمور به دواخلها من آلام وآمال وقلق واضطراب وخوف. وتتناول هذه المقالة رؤية خطيبي الذاتية لهذه المدن وشعوره نحوها وصورتها النفسية التي تشكلت لديه:

ليوبليانا وزاغرب

في ليوبليانا عاصمة سلوفينيا، تسترعيه أرصفة الشوارع، وينصت إلى حديثها وشجونها: «صوت خافت يصعد من تحت البلاط، يخاطب المارة، يوشوش في آذانهم، ويحثهم على الإنصات إلى أعماقهم. يجرهم بهدوء إلى خشوع المدينة، وخجلها الإنساني في مصافحة الزائر، وتسترها الرزين خلف صمتها الصاخب.»

الانطباع الأول عن زاغرب عاصمة كرواتيا غير منصف، صحيح أنها مدينة عدائية، متوحشة، قلقة، من كثرة ما فيها من تماثيل لقادة عسكريين، ولكن ملامح أهلها عكس ذلك «قابلتني وجوه هادئة.. لا يبدو على الكروات روح صلبة، أو صدامية، وهم قليلو الثرثرة.»

سراييفو

يعترف خطيبي أنه تعلق بسراييفو، ويظن أنه يعرفها ويعرف أهلها قبل أن يزورها أو يفكر بذلك، ويرجع ذلك إلى تشابه الجرح بين الجزائر والبوسنة في الفترة نفسها، ويقول: «بدت لي سراييفو قطعة من القلب.. تدغدغ الذاكرة كلحن بعيد عائم، يظهر ويختفي دون توقف». وعندما عرف سراييفو عن قرب أدرك بعض أسرارها: «في سراييفو تمحى كل المسافات وتتقارب تفاصيل الحياة وتتقاطع فيما بينها… تشعر المقيم فيها بثقة في النفس وباعتزاز بالماضي. هي خاشعة وصادقة في حبها وكرهها إن وجد. مرنة في تواصلها، وغيورة على أبنائها أكثر من غيرتها على نفسها. سراييفو تحيا على ذكرى أسماء من مر بها، وكرونولوجيا العبث الإنساني الذي عاشته وما تزال تعيشه إلى اليوم. هي نقطة الفصل بين الدهشة والارتباك.»

وسراييفو على الرغم من أوربيتها، إلا أنها فقيرة الحال، ومع ذلك لا تعدم المريدين: «تغطي سراييفو خجلها من فقرها بصور سياحية لامعة، تأسر القادمين من بعيد، والذين لا يعرفون عنها الكثير». وعندما غادرها، شعر بلوعة الفراق: «أشعر أنني تركت جزءًا من قلبي في سراييفو. فقد وجدت فيها ما لم أجده في مدن أخرى: سكينة ورغبة في التأمل العميق. مدينة تشبهني وأشبهها إلى حد التماهي، كسولة مثلي، ظريفة وفقيرة وفخورة بنفسها. لحاراتها ونسائها ومقاهيها روائح قوية ما تزال تدغدغ أنفي، فهي سراييفو التي تغازل زائرها من لحظة المقابلة الأولى، تميل إليه وتغريه بما استطاعت إليه سبيلًا كي يظل فيها ولا يتركها، وإن غادرها فإنما يغادرها بنية العودة إليها. كل الحكايات تنصهر في يومياتها، والبلقان لا يمكن له أن يكون بعراقة وتاريخ وصلابة حاضر دون مدينة باسمة مثلها.»

ومن وحي رحلته إلى سراييفو سطر خطيبي روايته «حطب سراييفو» التي عبرت عن الجرح النازف في البوسنة والجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وما خلفته الجراح من آلام وآثار لا تنسى.

سربرينيتسا

زار خطيبي مدينة سربرينيتسا التي وقعت فيها مجزرة على يد الصرب راح ضحيتها 6000 من المدينة وما حولها، ووجدها ما زالت تعاني ظلال المجزرة: «الرتابة سمة من سمات البلدة، رتابة وترقب وضبابية المستقبل… المتسكع في شوارع البلدة الصغيرة يشعر كما لو أنها ملت انتظار التغيير، لا شيء فيها تغير منذ يوم الفاجعة، وتكرار اليوميات يذكرها بألم ليالي صيف 1995 الطويلة. سربرينيتسا اليوم لم تنزع عن نفسها رداء الحداد، كما لو أنها امرأة منبوذة، ولا رثاء لها سوى صلوات المؤمنين ورضاها بالقدر وقناعاتها بأن رب السماوات سيعيد لها بياضًا ضاع منها واعتقدت أنه لن يعود أبدًا». وعندما غادرها إلى صربيا تذكرها؛ فقد غادر الضحية وزار الجلاد، يقول: «وأنا أدخل صربيا، تذكرت سربرينيتسا الهادئة، حيث لامست خوفًا ممتدًا في عيون الناس، قلقًا في ملامح أطفال ومراهقين يمنعون أنفسهم الحق في الحلم، ولا يرجون سوى نهاية الكابوس الدامي بأي طريقة، يتمنون ولا يتساءلون عن سبل تحقق الأمنيات، المهم أن تحصل معجزة، تعيد بعثهم في دوامة الحياة العادية.»

بلغراد

وعن بلغراد عاصمة صربيا يقول: «في بلغراد… الحب يولد بين جنبات الأحياء الشعبية المزدحمة، وطعم الحياة يزداد حلاوة كلما استعاد الفرد لحنًا قديمًا أو ذكرى من الماضي القريب-البعيد في آن ». أما ليل بلغراد، فهو موحش، مرتبك، يتسربل بالتوتر والقلق والتيه، ومع ذلك فإن «بلغراد المتعبة يبدو عليها استعداد لنفض غبار ما مضى، رغبة منها في إعادة رسم البسمة على وجهها الممتلئ شبابًا، فرغم الأحزان يعيش أبناء المدينة فرحًا بانتصارات رياضية صغيرة.. يرددون أغاني تراثية ويرسلون باقات ورد إلى المستقبل.»

ومستقبل بلغراد رهن الانتظار والبحث عن خلاص: «كل شيء في بلغراد يبدو كما لو أنه انطلق على أحسن ما يرام، لكنه لم يتمم مسيرته ولم ينته كما ينبغي. كل شيء يقبع في حالة انتظار، متطلعًا إلى بعث جديد، إلى مخرج من الركود، وإتمام التكوين.»

كييف

زار خطيبي كييف عاصمة أوكرانيا في مهمة صحفية إبان الأزمة مع روسيا-بوتين عام 2014، وهناك اختلط بالثوار وتوحدهم وحماسهم في مقاومة التدخل الروسي، ويصور كييف المتقدة بالغضب والقلق والترقب: «الحياة تسير بشكل حذر، خجول… تبدو كييف حكاية ممزقة، تعيش اضطرابًا وشتاتًا داخليين، غير قادرة على استيعاب الصدمات التاريخية المتتالية، والتي تزايدت حدتها في السنوات العشر الماضية… في تلك المدينة القلقة التقيت سلافًا يختلفون عن نظرائهم في الجنوب في احتفالهم المستمر بالحياة رغم كل المحن… وعدم الثقة سمة لا يتنكرون لها، فهم لا يعرفون تمامًا أين تسير بهم الأقدار.. مع ذلك فهم مستمرون في الحلم… صادفت أناسًا مبتسمين تارة ومتوجسين خيفة من الغريب تارة أخرى، يقتصدون في الكلام، ولا يطيلون التحديق في عيون المارة، لا يثرثرون سوى في الثورة وتبعاتها، من إيجابياتها إشاعة جو غير معهود من الأخوة بين أبناء المدينة متعددة الأصول…. قابلت وجوهًا حائرة، فلا شيء يطمئنها ولا شيء ينبئ بقرب نهاية الصدمة والخروج من نفق الانتظار… والشباب الذين التقيتهم أكثر الفئات قلقًا وتأثرًا –خصوصًا- بسيل الأخبار والمقالات السوداوية المتضاربة فيما بينها، والتي يتداولها ويروج لها الإعلام الروسي عن مستقبل البلد.»

ومن المفارقة أن الأزمة تجددت في 2022 وتفجرت حربا دامية مع روسيا-بوتين أيضاً، وما زالت رحاها دائرة حتى اللحظة.

وبعد؛؛؛ فإن «جنائن الشرق الملتهبة: رحلة في بلاد الصقالبة»، أبو ظبي: دار السويدي، 2015، 151 صفحة، من كتب الرحلات المعاصرة التي أسهمت بتعريف القارئ العربي بمدن أوروبية شرقية، وبعض طبائع وملامح أهلها، بالإضافة إلى معلومات عن بعض معالمها وقادتها وأدبائها، بلغة جميلة، وسرد ممتع.

كاتب أردني







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي