سلسلة "للمُغفّلين": تيسير العلوم لقارئ عجول

2022-06-28

نجم الدين خلف الله

تخصّصَت دار النشر الفرنسية "فيرست"، منذ 1991، في إصدارٍ أطلَقَت عليه اسم Pour les nuls (الذي تمكن ترجمته بـ:للمُغفّلين). وتعودُ الجذورُ الأولى لهذا العنوان المُستفزّ إلى سلسلة For Dummies الأميركية، والتي تحتمل الترجمة العربية نفسها. وتبدو هذه التسمية بمثابة انعطافة في الإصدارات الموجَّهة للمُبتدئين، بغرض تبسيط المعارف وتحديثها.

يجترح هذا العنوان علاقةً مختلفةً مع المعرفة، أو على الأقلّ هذا ما يُوحي به، حيث يضع القارئ في موضع المُبتدئ أو خالي الذهن من المادّة المقترَحَة، والقابل للتعلّم والاطّلاع، كما يَضع العِلمَ في موضع النصّ المتاح المُيَسّر الذي لم يعد مقتصرًا على النُّخبة ولا حِكرًا على أهل الاختصاص، فيصير موردًا مشاعًا في لغة بسيطة وهيكلَةٍ واضحة، يُمكن لأيٍّ كان أن يمتلك ناصيته ويَفوز بمفاتيحه الرئيسة، تبعًا لمَسار دَمَقْرَطَة المعرفة التي دعا إليها مؤخّرًا غير واحدٍ من الفلاسفة الفرنسيّين؛ مثل ميشال سار (1930 - 2019)، وميشال أونفراي (1959)، في مسعًى لجَعلها مُتاحة لكل فئات الشعب.

وقد لَعبت هذه السلسلة دورًا بارزًا في هذا المجال، على العنوان الذي يبدو، في اللغات الأجنبيّة، غير مشجِّع على التعليم، إن لم نقُل مُهينًا للقارئ، فَهو يرميه بالضحالة وضَعف الإدراك والابتداء. ولئن اقتَرنت هذه السلسلة، في أصل نشأتها وانطلاقها في فرنسا سنة 2001، بتبسيط علوم الحَوْسَبَة والإعلاميّات، فإنّها الآن باتت تَشمل كلّ مجالات المعرفة، اجتهادًا في تقديمها واضحةً ميسورةً للقرّاء الذين لا يملكون المبادئ العامّة في الحقول المعرفيّة المتناوَلَة.

وقد كان الغرضُ الأصليّ من إنشاء هذه السلسلة تعليميًّا - مدرسيًّا، ففي سنة 2001، حاول جان- جوزيف جيلود، أستاذ الأدب الفرنسيّ والتاريخ بِأحد المعاهد الباريسيّة، مساعدةَ صغار التلاميذ على إصلاح أخطائهم الإملائيّة وحثَّهم على الكتابة بشكلٍ سليمٍ. وبعدها بثلاث سنواتٍ، أعاد الكرّة في كتابه "تاريخ فرنسا للمغفّلين"، والذي شهد إقبالاً منقطعَ النظير، فاتحًا بذلك صفحةً جديدةً في الكُتُب الأكثر مبيعًا، رغم العُسر الأصليّ للموادّ المَطروقة.

وتكمن الخصيصةُ الثانية لهذه السلسلة في الطّابَع الهزليّ الذي يَسِم أسلوب الكتابة والعَلاقة الضّاحكة الخفيّة التي تربط الكاتب بقارئِه، فكأنما يعلّمه وهو يضحكُ، أو يداعبُه في الوقت الذي يُنيله بعضَ المعارف الوَعرَة. ومنذ سنة 2016، أصبحت هذه الكتبُ، ذاتُ اللونَيْن المُمَيِّزيْن: الأسود والأصفر، ضمن سلسلة Pour les Nuls من أحبّ الإصدارات إلى قلوب القرّاء الفرنسيين، الذين تَجاوزَ عددهم العشرين مليون قارئ، أيْ ما يقارب ثلثَ سكّان البلد، وكلّهم يقبلون على العناوين الطريفة التي تقترحها هذه السلسلة في كافّة شؤون المعرفة والحياة اليوميّة، حيث شَملت موضوعاتُها كلَّ ما يَخطر على البال، حتى تلك المحاور البَعيدة عن مجال التدريس، كالموضة والنظام الغذائيّ وأنواع الزوارق والغليونات!

وأمّا طريقَةُ العرض فتوضيحيّة سَلسة، تُراعي المستويات العامّة لجمهورٍ مُبتدئٍ، راغبٍ في اكتشاف مبادئ هذا الحقل. ويؤكّد القائم على هذه السلسة فانسون برنار أنَّ النجاح الاستثنائيّ الذي حَصَدته عَناوينُها إنّما يعود إلى هذا الاسم اللافت الذي يجلبُ الاهتمامَ ويحرّك لدى القارئ مشاعرَ مُتناقضةً، فهو يُداعبه ويشاكسُه، ويبدو قريبًا منه في الآن ذاته. ومع ذلك، وهذا شأن جُلّ الهياكل الرأسماليّة، لعبت هذه السلسلة على قوانين السّوق من عرضٍ وطلبٍ ومبادئ الترويج باعتماد حيل تجاريّة، حتّى حقّقت نجاحاتٍ كبرى وتُرجمتْ بعض عناوينها إلى أكثرَ من ثلاثين لغةً.

ولا تَمنع هذه الخصائص وخطّها التحريريّ في المضامين العلميّة، وهي مُقدَّمَةٌ في شكل مقرّراتٍ أو معاجم و"مداخل"، من توخّي منهجٍ علميٍّ وإهداء عُصارَة الموضوع التي عادةً ما يَصوغها كبار المُتَخصّصينَ في كلّ حقلٍ معرفيّ.

ومع أنّ هذه السّلسلة لا تهتمّ باللغات بشكل خاصٍّ، فَإنّها خصّصت العديد من أعدادها لتَقديم مناهج تعليم الألُسن واللغات على تنوّعها. وقد حَظِيت الضادّ بمؤلفَيْن شهيرَيْن، على الأقلّ، وهما "المفردات العربيّة للمغفّلين" لـ سيلفي شرايبي (2013)، و"العربية للمغفّلين" من تحرير أبي بكر شرايبي، وأمين بوشنوف، وسيلفي شرايبي (2008). وهما كغيرهما من المناهج، هادفان إلى تبسيط قَواعد الضادّ وتقديمها في شكلٍ واضحٍ. كما أنّ هذا النوع من الأعمال يتوَجّه إلى جمهورٍ عريضٍ عَجول، همّه فقط أنْ يلتَقطَ المعرفة ويستهلكها على جناح السرعة وعلى سبيل الانتقاء والإجْمال، بمعنى أنّه لا يختار إلّا المعلومات التي يحتاجها في وقتٍ ما ولغاية مرسومة سلفًا. وهو ما يندرج ضمن التعامُل الاستهلاكي النّفعي مع العلوم والثقافة.

ولئن بَدت الحاجة ماسّةً إلى التبسيط، فإنّه من المشروع أيضًا أن نَتساءل عن تَبعات هذا النزوع العامّ إلى جَعل المعارف "سلعًا" للاستهلاك السّريع والتناول السّطحيّ، فضلاً عن كون هذا المنهج في التأليف يقتضي من الكاتب أن يَمرَّ عبر عمليّات تلخيص وتحجيم وانتقاءٍ، غالباً ما تُفضي إلى تشويه المادّة المعروضة، وربّما إلى استنقاص القُدرات الذهنيّة للمُتلقّي، إلّا إذا كان قادرًا على إكمال المعلومات المَعروضة بمفرده، وتعميقها عبر قراءات جانبيّة مُكمِّلَة. بل إنّ هذه النّزعة قد تنقلب إلى هوسٍ تجاريٍّ، بتعلّة التبسيط والنّشر الواسع، ممّا يُؤدي إلى التسرّع في العَرض والخَطأ في التقدير.

ويترتّب على ذلك تَبسيط الموادّ إلى درجة قد تُفقدها حقيقتَها المُجرّدَة، مع بقاء السؤال قائمًا حول الإمكانيّة الفعليّة لمثل هذا التبسيط للمَعارف والنزول بها إلى مستوى مُتلقٍّ خَالي الذهن تمامًا، مع خَطر حَقيقيّ في تشويهها، وحتى تحوير جوهرها بذريعة عَرضها في ثوبٍ مُتاحٍ ميسّر. وللحَدّ من خَطر مثل هذه المآخذ، تبحث الدّار، نظريًّا، عن أكبر المتخصّصين في ذلك الموضوع وتلتمس منه أن يحرّرَ كتابًا فيه، إلّا أنها، عمليًّا، لا تقع دائمًا على هؤلاء المتخصّصين، وإن وُجدوا فهُم لا يَقدرون على الإيفاء بما تطلبه، فتَلجأ الدار إلى غَيرهم، ممّن قد يُسيء الكتابة والتأليف.

كما قد تكون لهذا التبسيط تداعياتٌ خَطِرة، حين يَتَجَرّأ القرّاء على الخوض في معارف دقيقة، مثل موضوعات المجال الطبّي والعسكري وحتّى الدّيني، من دون الاطّلاع المسبق على بعض عناصرها، أو قراءتها معزولةً عن سياقها العام، بلا تمكّن من نصوصها ومَبادئها الأُولى.

وفي هذا الجَدل بين التيسير والصّرامة، يبدو أنّ الكفّةَ رَجَحت لفائدة الطرف الأوّل، حَيث بات تبسيطُ المعرفة اليومَ بمثابة أيديولوجيا، تُروّج لها هيئاتٌ وجماعات التفكير، ولا بدّ فيها من التمييز بين مبدأ نشر المعرفة على نطاق واسعٍ، وبين تبسيطها الى درجة نَزع جوهرها التقنيّ.

ولا ندري إن كانت توجد، في العالَم العربيّ، سلسلةٌ أو دار نشر شبيهة بها، تَعمل على تَعميم المعارف وإيصالها إلى أوسع جُمهور، في هذا الوقت الذي اقتصرت المعارف عند الأغلبيّة الغالبة منه على ما تُوفِّره الشبَكة العنكبوتية من أخطاء وفظاعات. هذا الغياب مؤسفٌ، بالنظر إلى وفرة الإمكانات وثَراء المصادر والضّرورة الملحّة لتثقيف الجمهور.

كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي