التشكيل الزخرفي للصورة الشعرية في «صلوات للرمل… وللذكرى»

2022-06-26

رياض خليف

يعمد الشاعر نور الدين بالطيب في هذه المجموعة، إلى تشكيل فسيفسائي للصور الشعرية. وهو وجه آخر من وجوه تشكيل الصورة الشعرية، مختلف عن التشكيل التقليدي القائم على البلاغة من استعارات وتشابيه وكنايات، يستدعي أساليب الزخرفة، متفاعلا مع تقنيات فن التوريق العربي الإسلامي (الأرابيسك) التي تنسج صورا، «أساسها كتابة «لا نموذجية» أو «لا قياسية» قد لا تعدو دلالتها المتعة الخالصة: متعة تجميع الحروف والعناصر النباتية والأشكال الهندسية…» (منصف الوهايبي «القدس العربي» أرابيسك الشعر/ يونيو/حزيران2019) وهو ما تنسج على منواله الكتابة الشعرية الحديثة «حيث تتصل الوحدات الصغرى (الأبيات) بوحدات مماثلة لها تجاورها أو تعلوها أو تدانيها، أو بصور متقابلة أو متعاكسة؛ وتنتظم كلها في هيئة واحدة محكومة بنظام هندسي صارم، وعقلية رياضية دقيقة». (المرجع نفسه). فنحن في هذا السياق أمام كتابة شعرية تصنع لذّتها وجمالياتها ودلالاتها من هذا النسيج وهذه الزخرفة التي تحمل نظاما داخليا ويضمر صاحبها أفكارا كثيرة. فهي ليست عملا عشوائيا وليست كتابة سيريالية تفتقد الروابط المعنوية والدلالية، ما يمكن اعتباره ملمحا من ملامح الخطاب الشعري المعاصر. ولعل هذا الأسلوب يلفت انتباهنا في «صلوات للرمل وللذكرى» لنور الدين بالطيب، فالشاعر يبدو ميّالا إلى هذا الأسلوب القائم على الزخرفة والتلوين بالكلمات والأسماء، زخرفة تضمر مواقف ودلالات.

فكيف يتجلى هذا التشكيل الزخرفي؟ وأي دلالات يضخها في هذه المجموعة الشعرية؟

زخرفة الصور الشعرية

إذا كانت الصور الشعرية تقوم عادة على المنجزات البلاغية المعروفة فإنها في هذا النمط من الكتابة تقوم على شيء من التجميع والتنويع أو التلوين بألوان وأشكال مختلفة ـ فتتابع الأسماء والرموز والأفعال والأماكن والأزمنة، منتظمة وفق سياقات دلالية. على هذا النحو تتشكّل الصور الشعرية في هذه المجموعة الشعرية. فيجمع الشاعر أشياء طفولته وذاكرته، على غرار هذا المقطع:

«أعود للنّخلة…/للغيمة…/لنجمة الصّيف/ للبئر المنسيّ»

ويزخرف قصائده بأسماء رموز الشعر العربي:

يحدث للشّنفرى…/ لطرفة بن العبد…/ للمتنبي…

مرتحلا بذلك عبر ذاكرة ثقافية بعيدة، متنوّعة، يتعدّد حنينها وأشواقها وأرجاؤها.

وفي الأسلوب الزخرفي/الفسيفسائي نفسه تتالي الأماكن وتزدحم وتتحوّل القصائد إلى فضاء تجوال سريع، راسمة خرائطها النابعة من وجدان الشاعر. فتتالى مقاهي العاصمة التي يرتادها الشاعر الراحل عبد الحميد خريف:

سيقولون…/كان هنا

في باب البحر/في فلورانس*/في مقهى الكون*…

وتطير الذات الشاعرة من مدينة إلى أخرى ومن فضاء إلى آخر، ففي قصيدة «أصدقاء كتالونيا» يطوف الشّاعر في عدد من الأماكن الحاملة لأصداء مختلفة، مرتحلا من «شوارع برشلونة القديمة إلى المتحف المصري وشارع*Rambla وحديقة كتالونيا* وغيرها من الأماكن. وعلى هذا النحو تحضر الأماكن في قصائد مختلفة، منخرطة في إنشائية تشيد لبناتها الخرائط والأمكنة العميقة التي تأتي القصائد حاملة معها شحنتها الدلالية، جاعلة مجرد ذكرها إيحاء بدلالات كثيرة.

في هذا الأسلوب تأخذ الصور الشعرية زخرفها، فالشاعر يشيّد عالما شاسعا. ولكن هذه الزخرفة ليست عشوائية ساذجة، بل هي مدخل لفهم هذه الكتابة الشعرية والولوج إلى أعماقها.

الكتابة بوجع الذاكرة

يغلب على هذه الزخرفة استدعاء الذاكرة الجماعية لتلوّن الكون الشعري وتشكّل لونا عميقا في هذه القصائد، مذكية مداراتها وكاشفة هواجسها ومعانيها. فهذا اللون الثقافي العربي الذي يعتبر من ألوان هذه الصور الشعرية، موطن مهم من مواطن الدلالة. فتبدو هذه الزخرفة تشكيلا حواريا، تنخرط معه أغلب القصائد في حوار حضاري بين الشرق والغرب، وبين اليوم والأمس. فالشاعر يرحل بالثقافة العربية إلى باريس وإسبانيا، فتنتصب رموزها في مقاهيها وحدائقها وأنهارها.

« يحدث للعشبة البريّة…/أن تنبت في باريس/ يحدث للشّنفرى…/لطرفة بن العبد…/للمتنبي…/أن يشربوا الأنخاب/في مقاهي السّان جرمان

يحدث… في باريس/أن يمتزج دمع الخنساء /بمياه السّان

يحدث لرياح الجنوب/أن تعصف بستائر السّربون

يحدث لحنينك…/أن يزهر في اللّيل الباريسي

ولبوقنة (فنان تونسي من دوز)/أن يغنّى الصحراء

في شتاءات فرنسا…

فهذا المقطع يحمل مقابلة دالة بين حضارتين. الحضارة العربية التي يمثلها حضور أسماء الشنفرى وطرفة والمتنبي والخنساء والفنان بوقنة ورياح الجنوب والصحراء والحضارة الغربية التي تمثلها باريس ومقاهي السان جرمان ومياه السان وستائر السربون والليل الباريسي.

والملاحظ أن أغلب الأفعال مسندة إلى الجانب العربي، فهذه الكتابة تحمل نوعا من الفخر بالذات والهوية ونوعا من الانتصار. فالشاعر ينتصر لهويته العربية والمحلية، فذكر الجنوب والصحراء وبوقنة هو كتابة للانتماء المحلي للشاعر أصيل دوز القابعة في الجنوب التونسي. وتعبر هذه الزخرفة أيضا عن حالة حنين، ملوحة بالسؤال الحضاري الموجع، ومتذكّرة المجد التّليد وأزمنة العرب في الأندلس وأوجاع النكبة، فيفصح اللون التراثي العربي الممتزج باللون الإسباني عن ذلك الحنين العربي الدفين إلى الأندلس.

« تستحضر وجه ابن زيدون

تبكي مع ابن العبّاد

تسأل ابن خلدون عن ممالك آفلة

وتحلم…

تحلم بليلة حبٍّ في حضن ولاّدة…»

هي كتابة حلم بذلك الزمن وتذكير به. زمن ابن زيدون وابن عباد وولادة. ولعلها حوار بين التاريخ والراهن.

إنه الحنين الثقافي العميق إلى الأندلس:

« فمن سيضيء قناديل

في ليل عزلتك؟!

غير الشّعر…

وذكرى أندلسٍ

ترقص…

ترقص

كم ترقص هذه الذّكرى في روحك؟

على إيقاعات الفلامنكو…»

يمكن القول إن التشكيل الفسيفسائي للصور الشعرية في هذا العمل يجعل مجموعة «صلوات للرمل وللذكرى» منتمية إلى الذاكرة العربية لالتقائها بفن التوريق المزدهر في الحضارة العربية الإسلامية وغوصها في وجع التاريخ والذاكرة.

كاتب تونسي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي