كل شيء إلى زوال وهكذا هي الحياة!

2022-06-17

هايل علي المذابي

في تمام الرابعة صباحا استيقظت، كان ثمة حوار غريب تتردد كلماته في ذهني منذ زمن طويل، أحسست في هذا الفجر بنضجه تماما وأنه صار جاهزا للنزيف.. تربعت أمام جهاز اللابتوب واسترسلت في كتابته وحين انتهيت كان هكذا:

– في البدء كانت الحرية

– صحيح تماما كما قال مكسيم غوركي: «الحرية هي أول خمس دقائق ولدت فيها، أبكي عاريا، بلا إسم، بلا خطيئة، بلا توجهات، وبلا حقد بشري».

– ثم كما قال زياد رحباني: «بعد خمس دقائق من ولادتك، سيقررون اسمك، جنسيتك، دينك وطائفتك، وستقضي حياتك تقاتل وتدافع بغباء عن أشياء لم تخترها.»

ـ ثم ماذا بعد ذلك؟

– ثم يبدأ تصنيفك..

– كيف؟

– سيجهلك العالم أولا ليكون عليك إثبات ذاتك وتحقيق وجودك، ثم ستقف في كل محطة من محطات حياتك لتسأل شخصك، أو يسألك الآخرون أسئلة كثيرة منها: من أنت؟

فيأتيك التاريخ هامسا في أذنك تارة بصوت الأخطل: «أنا من ضيع في الأوهام عمره.. نسي التاريخ أو أنسي ذكره».. وتارة في وضع ومرحلة أخرى بصوت المتنبي: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وأسمعت كلماتي من به صمم».. وتارة في وضعية الحازم الواثق يأتيك صوت الحجاج هامسا لتردده: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.. متى أضع العمامة تعرفوني».. وتارة أخرى يهمس صوت محمود درويش في أذنك فتقول بصوت متعب مقهور غاضب: «أنا من قرية عزلاء منسية.. شوارعها بلا أسماء.. وجدي كان فلاحا.. بلا حسبٍ بلا نسب.. يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب..»، أو حزينا تارة يائسا بائسا تردد قول البردوني: «من أنت؟ ماذا تساوي؟ وكل ما فيك خاوي؟..»

– أو تقف لتسأل نفسك في كل محطة من محطات عمرك: ماذا تريد من هذه الحياة؟ فتجيب في ذات محطة بقول محمود درويش:

«لا شيءَ يُعجبُني … أُريدُ أَنْ أبكي»..

ومحطة أخرى ستجيب بقول لوركا:

«أريدُ أنْ أنامَ قليلًا.. قليلًا.. دقيقة.. أو قرنا»..

ومحطة أخرى ستجيب بقول الماغوط:

«لا أريدُ شيئا، فطول حياتي وأنَا أركضُ

ولم أصلْ، إلَّا إلى الشَّيخوخةِ! أيُّها النسَّاجونَ: أريدُ كفنًا واسعًا لأحلامي»..

ومحطة أخرى ستجيب بقول بوكوفسكي: «كلُّ ما أريدُ فعله هو أن أذهبَ إلى الفراشِ، أغلق عينيَّ، وأنامَ إلى الأبد».

ومحطة أخرى ستجيب بقول كافكا:

«أنا متعبٌ، ولا أستطيع التَّفكير في أيِّ شيءٍ.. أريدُ فقط أنْ أضعَ وجهي في حِضْنِكِ، وأشعرُ بيديكِ على رأسي، وأبقَى هكذا للأبد»

ومحطة أخرى ستجيب بقول دوستويفسكي: «أُريدُ أنْ يكونَ هناكَ إنسانٌ واحدٌ على الأقلِّ، أستطيعُ أنْ أكلّمه كما أُكلِّم نَفسي».

– نعم وستضطر أن تبرر دائما وستضطر إلى الدفاع دائما عن سلامة نواياك ولا بد أن تتهم دائما في انتمائك وسيكون لزاما عليك أن تقول للآخر البعيد دائما كما قال غاندي: «أنا إنساني لأنني هندي» وتارة باعتزاز وتسامح: «أنا أسمح لكل رياح الأرض أن تهب على بيتي لكني لا أسمح لها أن تجتثني من جذوري» أو تقول كما قال محمود درويش: «جنسيتي قلوب البشر فأسقطوا عني جواز السفر» أو تقول للآخر قول جبران خليل جبران: أنت أخي، وأنا أحبك سواءً إن كُنتَ راكعا في مَسجدكَ، أو مُصليا في كنيستك، أو جالسا أمام صَنمك، أنت أخي، وأحبك لأنك إنسان».

– وهل سأكون مقتنعا بهذا في قرارة نفسي؟

– ربما لكن دوستويفسكي سأل نفسه دوما هذا السؤال؛ «هل يستطيعُ المرءُ أن يُحبَّ جميعَ أقرانهِ البشر بغيرِ استثناء؟ فيكون جوابُهُ لا، حتما.

حتى إن ذلك يتنافى مع الطبيعة، وما حبُّ الإنسانيةِ إلا معنىً مجرد، منْ خلالهِ لا يحبُّ المرءُ إلا نفسه».

– وفي الأخير؟

– في الأخير لن تتمنى أن تقول أكثر مما تمناه وقاله الشعراء العظام.. ستقول قول مظفر النواب: «ثلاثون عاما كتبت على كل شيء.. فيا من يعلمني كيف أنسى الكتابة.. وأرجع صرخة روحٍ بدائية لم تلوث بأمراض جدرانكم.. تخدق فيّ كل يومٍ بنفس الرتابة»، أو تقول قول محمود درويش وأنت تتمنى أن تعود إلى حريتك في الخمس دقائق الأولى من ولادتك، التي بدأت منها: «حرا من عبادة أمس، من غيبي ومن لغتي، حرا من غدي المقسوم». وستكتشف في الأخير أن أجمل أيام عمرك هي تلك التسعة أشهر التي قضيتها في بطن أمك والخمس دقائق الأولى من ولادتك.. لكن رغم ذلك كل شيء إلى زوال وهكذا هي الحياة ونحن كل ذلك.

كاتب يمني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي