"العَمَهُ البُرتقالي" لوليد السابق: حكاية تيه في البادية السورية

2022-06-16

سومر شحادة

جزءٌ من عمل الأدب في أثره لدى المتلقّي، وما يثيره لدى القارئ؛ ما يدفعه إلى التفكير فيهِ، وما يصنعه بذائقته أو يتفاعل معها. لكن في رواية "العَمَهُ البُرتقالي" ينهمك الكاتب السوري وليد السابق (1970) بانشغالاتٍ تُعقَد في أثناء عملية القراءة نفسها. فالرواية الصادرة حديثاً عن دار "فواصل" رواية تجريبيّة ينصبّ جلّ جهد كاتبها في الصِّلة التي يعقدها مع القارئ. وقد اكتفى الكاتب برمي لغز عبر حكايات عدّة تدور حول موضوع واحد، هو غياب الشعور بالانتماء.

لا تزال الرواية العربية حديثة العهد قياساً بالشعر العربي وبحضورها في الثقافات الأخرى. وقليلاً ما يقع القارئ على نصوص أو محاولات تجريبيّة تستكشف ممكنات الفنّ الروائي.

تبدأ الحكاية مع عمران، الذي يجد نفسه في عائلة تُقايضه بالمال مع عائلة الآغا. وعلى هذا النحو، يمضي ابن الثالثة عشرة على الحصان برفقة الآغا للعيش في مزرعة السيّدة صاحبة القصر. وهذا ممكن. لكن يتوفّى الآغا في صباح اليوم التالي لوصول عمران، ثمّ تخبر السيّدة عمران أنّ بإمكانه العودة إلى عائلتهِ. لكن ويا للمفاجأة! يرفض عمران العودة إلى عائلتهِ. يقرّر البقاء في القصر، وتعلّم العمل سائساً للجِمال والخيول.

يختبر عمران رغبته الذكوريّة للمرة الأولى بحضور سيّدة القصر التي يراها تشبه والدته، وفي هذا يلتمس القارئ وجوداً لعُقدة أوديب. ثمّ مع تتالي الحكايات يتأكّد ذلك، فالرواية مؤسّسة في جانب منها على عقدة أوديب في العلاقة مع الأم. لكنها في الجانب الآخر، وعلى الرغم من مقتل الأب، لا يتأكّد للقارئ بصورة قطعية من قتله. لربما يكون الابن. فالرواية لا تكشف كلّ أسرارها، والراوي لا يتوقف عن ملء فراغات الذاكرة بالتخيّل والمرويات الشعبيّة. وهكذا، يستخدم السابق قصصاً تبدو من خارج الحكاية، ويرمي بها في صلب روايته بهدف فهم جوانب من حكاية الفتى التائه. لم يصنع صاحب "أصل العالم"  (2016) شخصياتٍ بسياقاتٍ خاصّة بها، بل صنع فضاءً روائياً مخاتلاً ومُبهَماً.

وفي الآن نفسهِ يجذب القارئ إليهِ من خلال التصوير البصري للبادية وللقصر والإسطبل وعالم الجِمال الآسر، ويرتبط كثير من عناصر المشهد الطبيعي لديه، خصوصاً مشاهد الغروب، بلحظات مؤثرة عرفها عمران. كذلك يصوّر الكاتب حياة البشر وتفاعلهم إزاء بعضهم، ولا سيّما عمران الطفل الذي يُدرك العالم من حوله بإدراك طفل، ويرى حياته تنمو بغموض أمامه. ومن ثمّ يتذكّرها ويحاول فهمها وتركيبها مجدّداً في زمن غير معلوم؛ من خلال سردها على قارئ يريد أن يعرف الحكاية، وعليه كي يعرفها أن يعيد تركيبها في رأسه.

تعود الأم إلى القصر وتعيدُ ابنها إليها. لكنّ عمران لن يكبر وسط عائلتهِ، إذ إلى جانب رفض الأب له وضعف بُنيتهِ والأعمال المجهدة المطلوبة منه، تعود رغبة الفتى ابن الرابعة عشرة بسيّدة القصر على أطراف مدينة دمشق. يتوه في دمشق، ويتوه خارج دمشق. ثمّ يصل إلى القصر في النهاية، وأخيراً يتوه برفقة السائس في أثناء رحلتهما مع الجِمال إلى البادية. إذاً، يبقى عمران محكوماً بأمرين متلازمين: العودة والتيه. صحيح أنّ السابق لم ينشغل في بناء الشخصيات أو وضعها في سياق يمكن القارئ معه أن يفهم العلاقات التي تربط عناصر الرواية إلى بعضها، إلا أنّه يسهب في عرض صراعات عمران النفسيّة، الفتى الذي نشأ مرفوضاً في عائلتهِ. لسبب يجهله. وبدا أنّه ما إن يكتشف الرغبة حتّى يبدأ بتفكيك اللغز الذي وَسَمَ حياته.

يبني السابق حكاية الفتى التائه عبر الاستعانة بحكايات مختلفة، ولربما أبرزها حكاية عمران مع أهل المنزل الذي آواه في البادية السورية. وقد غادر الزوج يوم ولادة زوجتهِ، وبقي عمران لستة أشهر ينام مكان الزوج، وهو ابن الخامسة عشرة، ويأخذ دور الزوج كي يحمي المرأة وسط البادية. ثمّ عندما يعود الزوج ويقف في الباب في مواجهة عمران والزوجة والطفل، يحضر في ذهن القارئ مشهد مشابه عرفه عمران؛ عندما وقف والده في الباب عائداً بصورة مفاجئة من عمل كلّفه إياه الآغا، ورأى الآغا مع والدة عمران وعمران عندما كان طفلاً.

بهذه التقنية يركّب السابق حكايته، والمشاهد التي تتوزّع على حيوات الشخصيات المختلفة هي مواقف حدثت لشخصية واحدة، هي شخصية عمران، لكن على مراحل مختلفة من حياته التي تنتهي بأن يعيد سيرة السيّد، الآغا. ولربما ساعد البناء المتشظّي للحكاية وعدم وجود زمن متسلسل، الكاتبَ على افتراض أنّ عمران الذي كان ثمرة اغتصاب السيّد للفلّاحة، سيرى نفسه الآغا في زمنٍ ما. لقد ساعد تشظي الحكاية الكاتب على افتراضٍ شهير في الأدب، وهو العبد الذي ينقلبُ سيّداً. وكلّ ما حدث في الرواية لم يكن إلا تداعياً لذكريات رجل يشهد نهاية حياته بعد أن أدّى الأدوار جميعها.

روائي من سورية







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي