أبو الشوارب

2022-06-10

د. ابتهال الخطيب

خرج أحد المشايخ الخليجيين متحدثاً عن «حرب عالمية معلنة تستهدف أخلاق أطفالنا»، من خلال البرامج الكرتونية الغربية التي ترسم شخصيات متعددة الهوية الجندرية في رواياتها. كان المتحدث مستاء جداً أن آخر الأخبار تقول إن سوبرمان سيكون مثلي الجنس، معبراً أن «يا عيب الشوم، هذا سوبرمان، الرجل الخارق، الرجل الذي يطير، الرجل البطل الذي يقاتل المجرمين، في النهاية يطلع شاذ؟ يخرب بيتكم». بعدها أعلن المتحدث أننا «سوف نبقى هنا» مطالباً المسلمين تعليم أبنائهم الرجولة والأنوثة، ذلك أن «جنس وهويات وميول» أطفالهم مستهدفة، حيث إن الغرب «سيسرقون أحلام طفولتهم ويغتصبون براءتهم ويلوثون فطرتهم»، إلى آخر ما ورد في حديثه من أوصاف يعف قلمي عن ذكرها.

البيئة غير البيئة، والثقافة مغايرة للثقافة، وحين تُصدر جهة عربية فيلماً كارتونياً، لن يكون فيه شخصيات متعددة الهوية، لن يكون فيه لا شخصية ولا حدث ولا توجه مختلف عن المألوف أو خارج عن الصف، ذلك أننا مجتمعات جمعية، أحادية الاتجاه، مركزية المنظور، لا مكان في ثقافتنا للمختلف؛ فهذا نسميه منبوذاً، لا مساحة للجديد؛ فهذا نسميه بدعة، لا صبر وتعامل مع ما يكشفه الزمن والعلم من جديد في حياتنا البشرية، فنحن على ما وجدنا عليه آباءنا، نتوارث الأفكار ونجتر المفاهيم، العلم عدونا، والتراث ولو كان كاذباً مغمساً بالدماء، ملاذنا ومولانا ونعم النصير.

نحن ثقافة تجمدت في الزمكان، نفضل الماضي على الحاضر، والتراث على العلم، ولنا ذلك. حين تنتج شركة عربية فيلماً كرتونياً لن يكون إجبارياً عليها استكشاف مناطق جديدة من الحياة أو عرض نماذج مختلفة من الهوية أو طرح الحرية والتعددية كفكرة، ليس هناك إجبار على ذلك. فلماذا نعتبر طرح ثقافة أخرى لأفكارها المغايرة تَعَدِّياً علينا ومحاولة لشن حرب ضدنا؟ الأفلام الكارتونية الغربية، خصوصاً الأمريكية، عالمية الانتشار لأسباب، لجودتها، لتكنولوجيتها، لجمال سرديتها، ولتطور أفكارها. إذن حاربوا الكارتون الغربي بمثيل له عربي، يكون بذات الجودة ويطرح الأفكار والمفاهيم التي تناسب الثقافة العربية المستهدفة، ما المانع؟ المتحدث في الفيديو المذكور أعلاه يأتي من دولة خليجية ثرية، لمَ لا يأخذ على عاتقه إنتاج فيلم كارتوني لسوبرمان «أبو شوارب»، رجل الرجال، كما ترد أوصافه في كتبنا التراثية، والتي نعلم أين تصب كلها وعلى ماذا تركز، تراه موضوعاً تراثياً مناسباً للأطفال؟

وهل الغرب هو الذي يسرق أحلام الطفولة ويغتصب البراءة، أم هي مخيماتكم التي تخرجون منها شباب زهد الحياة من أجل نساء الجنة وخمرها؟ أنتم من ينتهك طفولة الأولاد مع أول وسوسة تنفثونها في أذن الصبي الصغير «عيب، أنت رجل والرجل ما يبكي»، وصولاً إلى حزام ناسف وأشلاء مبعثرة، ولا داعي لأن أخبرك كيف تنتهكون طفولة الفتيات، فالطرق لا تعد ولا تحصى. ثم ما الذي يخيف الغرب لهذا الحد من أطفالنا لدرجة شن حرب تخريبية عليهم؟ لا شك أن أطفالنا أغلى ما في الحياة وكذلك أطفالهم، لكن حقيقة ما الذي يجعلنا مستهدفين لهذا الحد؟ هل نحن مصدرو العلم، مطورو الذرة، مسافرون في الفضاء، قادة للسياسة والاقتصاد على الأرض؟ أفهم أن نحب ونعز أطفالنا، لكن أن يأخذنا الغرور حد الاعتقاد أنهم فخر البشرية، فهذا ما لا تستطيع أمة ولا ثقافة ولا مجتمع ادعاءه مهما بلغت، فما الذي يجعلنا «آخذين الموضوع على صدورنا» إلى هذا الحد؟

بالمناسبة، هل يعلم المتحدث الفقيه الفكرة الأساسية من شخصية سوبرمان؟ ما تمثل؟ وما بُعدها الفلسفي؟ في الغالب هو لا يعرف، لكن لو عرف لا أدري أينبذ الفكرة أم يزداد إصراراً على تقديس هذا الرجل الطائر البطل. فالذكورة في مجتمعنا تعادل الألوهية، ولربما لو عرف المتحدث أن سوبرمان هو تشخيص لحلم الإله على الأرض، هو معرَّف «إله القوة» في أحد خطوط قصصه، وبذلك هو يربط بين الرجولة والألوهية، أقول لربما يزداد تمسكاً بفكرة سوبرمان الذكر الصنديد الذي لا يمكن أن يكون سوى عاشق للنساء، هذا الذي لا يكتفي منهن بدافع فحولته التي طالما كانت مصدر فخر واعتزاز في كتبنا التراثية. وبمناسبة ذكر كتبنا التراثية، كيف حال قصص العلاقات المثلية فيها؟ إذا أراد الغرب تعريض أطفالنا لمثل هذه القصص، يكفي أن يزجوا أمامهم بكتبنا التراثية التاريخية وغيرها، «تكفي وتوفي، على فكرة».

يريد الشيخ الكريم أن نعلم أبناءنا الرجولة والأنوثة، ولربما هذا شيء طيب، ولكن أي تعريفات يروم؟ أنعلمهم أن الرجولة خشونة وعنف وحروب، ويضرب بسيفه عن يمينه فيقطع مئة رقبة، ويضرب بسيفه عن شماله فيقطع مئة رقبة، ويذهب ليله يختلي بنسائه بلا تعب أو كلل؟ أنعلمهم أن الأنوثة ضعف وخجل وحياء وصوت خفيض وانكسار، ولف ودوران، وطاعة وزواج وإنجاب؟

الرجولة والأنوثة الحقيقيتان، في رأيي، توحدهما الإنسانية، هما شرف واستقامة، عطف وحنان، رحمة وشفقة، احترام الآخر وحرياته وحياته واختياراته، الرجولة هي ألا تستخدم قوتك الجسدية لترضخ أهل بيتك وتخيفهم وتتحكم بهم، بل أن تستخدمها لتحميهم وتحسن إليهم. والأنوثة هي ألا تمثلي الضعف والرقة لتصلي لمآربك، بل أن تكوني طبيعية وقوية وواضحة. الرجولة والأنوثة هما إنسان يحترم الآخر، يقدم العطف على القسوة، الرقة على الخشونة، هما إنسان دمث، طيب اللسان، لطيف المعشر، لا يكره ولا يقصي ولا يعتقد نفسه صاحب حق مطلق أو حقيقة خالصة. الرجولة ليست رجلاً يطير يا شيخ، أيامنا سوداء بسبب أفكارك الطائرة هذه.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي