أجيال تعيش لحظة تعلم وتكوين بنكهة سفر استرجاعي في الزمن الشخصي وطفولة متجددة على إيقاع

جيلا بعد جيل : أجيال مغربية تحفظ الغناء الأندلسي في فاس

وكالات - الأمة برس
2022-06-02

لحن الوصل بالأندلس (تواصل اجتماعي)فاس (المغرب) ـ داخل حجرة صغيرة في معهد "الجامعي" للموسيقى بفاس، سر مصغر يفسر ملحمة القرون العشرة من عمر فن عابر للأزمنة. يتجاور الشيخ مع الفتاة دون العشرين. جيلان متباعدان يتمايلان إنشادا وانتشاء في رحاب الطقس الأندلسي.

لم يتبدد الماضي، وقد حفظته الشفاهة وسنة التواتر، حتى ولج عصر التدوين والتقعيد، ولن يضيع لأن الشغف عدوى تصيب ما طاب لها من فتية وشباب يقبلون عليها بقلب سليم ليكونوا ضمانة خلود هذا السجل الإبداعي.

يأخذ الأستاذ مكانه أمام البيانو، يصطف على يساره بضعة عازفين، يحل السكون. ينعكس النص بكلماته وتقطيعه الصوتي، ضوئيا على الجدار بمقاطع متحركة، تشرئب لها أعين أفراد الكورال الأندلسي. يغردون سربا واحدا. يرفع يده فيبدأ الإنشاد، بوجوه مشدودة، وأرواح مجنحة. يحدث أن يتوقف التمرين بخطأ شارد، فيتدخل المايسترو شارحا مصوبا هفوة في النطق أو زلة في التشكيل الصوتي. يتجدد التمرين الجماعي بهمة أشعلها ترقب المشاركة في مهرجان فاس للموسيقى الأندلسية، الذي يعيد إلى الحاضرة الروحية ذاكرتها وعبقها بعد ركود وبائي طويل.

الموسيقى الأندلسية في الأصل تعتمد الغناء الجماعي وفتح المجال أمام فئات عمرية وثقافية واجتماعية متباينة عامل انتشار هذا الفن

يدير عبدالمالك العثماني مجموعة صوتية من رجال ونساء، من فئات متنوعة مهنيا. مهندسون، أطباء، موظفون، جلهم ممن أقبل على المعهد طمعا في تدارك زمن التعلم الذي فاته في الصغر. معهد "الجامعي" أتاح لهم فرصة عمر وحلم بإسقاط شرط السن. لذلك، يعيشون لحظة التعلم والتكوين والتدريب بنكهة سفر استرجاعي في الزمن الشخصي. طفولة متجددة على إيقاع الصنائع الأندلسية البديعة.

مايسترو التجربة دون الأربعين. تنفس العثماني الحرفة والشغف بالوراثة. قبل خمس سنوات، أبحرت السفينة بفكرة طموحة. من المتعلمين الولوعين، تكون الكورال الذي يحمل هم الحفاظ على الموروث الثقافي الموسيقي الأندلسي. يصفهم العثماني اليوم بالمحترفين لأنهم يمارسون بمعرفة أكاديمية راسخة، وكلهم عازفو آلات مختلفة. الموسيقى ليست مورد رزق، لكنهم محترفون بالأداء.

يقول العثماني "الكورال يعتمد الغناء الموحد، لا تعدد الأصوات، رغم أنه بالإمكان تطوير التجربة علميا في اتجاه مناهج أخرى. لذلك نفتح الباب أمام مولعين قد لا يتقنون تماما الأداء الصوتي. يتاح لهم باب الاحتكاك والتطور وصولا إلى المستوى المطلوب الذي يؤهلهم لمواجهة الجمهور".

يعلق على المزيج الذي تتكون منه الفرقة قائلا، إنه "مشهد سلسلة متعاقبة الحلقات، تلخص فكرة ديمومة الفن الأندلسي عبر الأجيال". محمد الجاي منصوري، متقاعد، يتوسط الصف الأول للمرددين. ولج المعهد منذ افتتاحه. تنفرج قسماته وهو يشارك زملاءه الغناء بحماس طفل يردد أنشودته المفضلة.

أجيال تحلم بتدارك فرصة التعلم على إيقاع الصنائع الأندلسية البديعة

"هذا الفضاء يلبي حاجتنا لتحقيق شغف قديم. لقد وجدت ضالتي هنا، أنا المولع بهذا الفن منذ زمن". يرى الجاي أن التلاقح بين فئات مختلفة داخل الكورال آلية بيداغوجية لتعميق المعرفة بالموسيقى الأندلسية والزيادة من تقدير عظمتها. "نحن نعيش تجربة جماعية لتذوق وأداء فن يعد جزءا من هويتنا وكياننا".

يذكر العثماني بأن الموسيقى الأندلسية في الأصل تعتمد الغناء الجماعي. أكثر من ذلك، فإن فتح المجال أمام فئات عمرية وثقافية واجتماعية متباينة عامل انتشار هذا الفن. لقد أصبح أعضاء الفرقة وسائط إشعاع لتشجيع أفراد آخرين في أوساطهم الاجتماعية على تذوق وتعلم الفن الأندلسي.

هناك جمهور واسع يطمح إلى الجودة. ولا ينبغي الارتهان لحكم الاستسهال والشائع. الجمهور يكون في الموعد حين يقدم له الأجود. من هنا يستمد العثماني وغيره من رواد الأندلسي حماسة الاستمرار في طريق مزدحم بالتدفقات الثقافية الفنية الوافدة من مختلف أرجاء الكوكب، وخصوصا من أستوديوهات الغرب وصيحاتها الإلكترونية.

هل الموسيقى صعبة إلى هذا الحد؟ سؤال يتردد في دواخل عدد من الملتحقين بالمعهد، خصوصا في سن متأخر. نعم، التكوين الموسيقي ليس سهلا، يجيب العثماني. هو مجال علمي بامتياز، ولا سبيل إلى الاستسهال في الطريق إلى إرساء الاستمرارية والمصداقية في تكوين أجيال تنهض بمستقبل الموسيقى الأندلسية.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي