نيويورك تايمز: مع دخول الحرب الأوكرانية حالة الجمود مواقف أوروبا وأمريكا تتباين حول "النصر"

2022-05-27

بعد تأكيدها رسالتها أرادت أمريكا ألا تتجاوز أوكرانيا وزيلنسكي فهو “منتخب ديمقراطيا ورئيس دولة ذات سيادة (أ ف ب)

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا تساءلت فيه عن الطريقة التي ستنتهي فيها الحرب في أوكرانيا، وما يمكن اعتباره نصرا حتى تتوقف الحرب.

 في التقرير، الذي أعدّه ديفيد سانغر وستيفن إرلانغر وإريك شميدت، وَرَدَ أن الولايات المتحدة، وحلفاءها، تناقش، وبعد ثلاثة أشهر من الغزو الروسي لأوكرانيا، وإن بهدوء، سؤالاً ملحاً حول كيفية نهاية كل هذا. وبات هذا السؤال يدور على الألسنة في الأيام الماضية، رؤساء ووزراء وقادة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وكلّهم طالبوا بالنصر في أوكرانيا، وليس أقلّ من هذا.

وتحت السطح هناك انقسامات حول ما يمكن اعتباره نصراً، وإذا كان يعني نفس ما يريده الأوروبيون والولايات المتحدة، والأهم من هذا ما يعنيه بالنسبة لأوكرانيا.

وشهدت الأيام الماضية مقترحاً إيطالياً لوقف إطلاق النار، وتعهداً من أوكرانيا لهزيمة القوات الروسية وإعادتها إلى الحدود التي كانت موجودة قبل الغزو في 24 شباط/ فبراير، وهناك نقاشات متجددة حول “الهزيمة الإستراتيجية” لفلاديمير بوتين، هزيمة تؤكد أنه لن يكون قادراً على شنّ هجوم مماثل.

وبعد ثلاثة أشهر من الوحدة الواضحة، وتدفّق كم هائل من الأسلحة القاتلة، وأشكال أخرى الدعم المالي والعقوبات الاقتصادية التي لم يتوقعها أحد من قبل، وعلى الأقل بوتين، هناك صدع واضح حول ما يمكن عمله في الخطوة المقبلة. وفي قلب النقاش حديث حول وقف المشروع الذي مضى عليه ثلاثة عقود لدمج روسيا في المشروع الأوروبي. وفي الوقت الحالي تتحدث الولايات المتحدة عن روسيا كدولة منبوذة يجب أن تقطع عن العالم الخارجي.

 وفي المقابل تحذّر أصوات أوروبية، وبشكل متزايد، من مخاطر عزل روسيا وإهانة بوتين. ويدور هذا الجدال في وقت تتوسع فيه طموحات الولايات المتحدة. ففي اللحظة التي بدأت فيه الجهود لحرمان روسيا من نصر سهل على أوكرانيا، وبعدما ارتكب الجيش الروسي عدداً من الأخطاء في حصاره لكييف، تحوّل إلى فرصة أمريكية لمعاقبة روسيا على عدوانها، وإضعاف فلاديمير بوتين، وتعزيز حلف الناتو، والتحالف العابر للأطلنطي، وإرسال رسالة للصين أيضا لتفكّر مرتين قبل غزو تايوان، وفوق كل هذا تريد الولايات المتحدة التأكيد على عدم مكافأة العدوان بمكاسب مناطقية.

ظهرت الخلافات هذه بشكل واضح في المنتدى الاقتصادي بدافوس هذا الأسبوع، عندما اقترح هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي السابق، والبالغ من العمر 99 عاماً، أن على أوكرانيا التخلّي عن بعض أراضيها في أي مفاوضات للتسوية، مع أنه أكد أن “خط الفصل يجب أن يقوم بشكل مثالي على العودة إلى الوضع القائم” قبل الغزو، بما يعنيه من ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 والأجزاء من دونباس التي سيطرت عليها روسيا. وقال كيسنجر إن “متابعة الحرب أبعد من هذه النقطة لن تكون من أجل حرية أوكرانيا، بل حرب جديدة ضد روسيا”. واتهم الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي السياسي العجوز مباشرة بأنه يحاول استرضاء روسيا: “لدي شعور أن المشهد ليس عام 2022، بل وعام 1938 الحاضر في أجندة كيسنجر”، في إشارة للعام الذي اجتاح فيه هتلر أوروبا، وهي الحادثة التي دفعت كيسنجر، الذي كان مراهقا، للهرب مع عائلته إلى نيويورك، و”لم يسمع أحد منه أن هناك ضرورة للتكيف مع النازيين بدلاً من قتالهم أو الهروب منهم”، كما قال زيلينسكي.

مع أن الرئيس الأوكراني كشف في عدد من المرات عن تناقض في تصوراته حول الكيفية التي ستنتهي فيها الحرب، بل وعرض التزام بلاده بالحياد بدلاً من الانضمام لحلف الناتو. وتعلق الصحيفة أن الأهداف المختلفة تجعل من الصعوبة بمكان تعريف النصر أو حتى السلام. وكل هذا هو إشارة عن النقاش الذي سيثار حول الموقف الذي سيتخذه زيلينسكي وحلفاؤه الغربيون لو بدأت مفاوضات التسوية. فلو وافق زيلنسكي على تقديم تنازلات، فهل ستوافق الولايات المتحدة ودول أوروبا على رفع العقوبات المدمرة التي فرضتها على روسيا، بما فيها التحكّم بتصدير المواد التي أجبرت بعض المصانع الروسية على وقف عمليات إنتاج الدبابات؟ وهل عمل هذا سيفشل كل الجهود لشل القدرات الروسية في المستقبل؟ وفي النهاية، يقول المسؤولون الأمريكيون إن الخيارات الصعبة هي التي يجب أن يتخذها زيلينسكي وحكومته.

وهم واعون تماماً أن الجمهوريين، وربما بعض الديمقراطيين، سيوجهون سهام النقد لبايدن لو تم رفع جزء من العقوبات المفروضة على بوتين، وأنه كوفئ على جهوده لإعادة رسم  خريطة أوروبا بالقوة.

ويندلع النقاش في نفس الوقت الذي يتغير فيه شكل الحرب وبشكل سريع. فقبل أشهر كانت خطة بوتين هي السيطرة على كل أوكرانيا وفي أيام، وعندما فشل كل هذا سحب قواته من كييف وبدأ بالخطة ب، مركّزاً على الجنوب والشرق، بعدما تبيّن أنه لن يسيطر على مدن مثل خاركيف وأدويسا. وتتركّز المعركة الآن على دونباس، المنطقة الصناعية الكئيبة لأوكرانيا، والتي حقق فيها بعض التقدّم، وبخاصة في ماريوبول، وبناء جسر مع شبه جزيرة القرم. وورقة النفوذ المهمة بيده هي حصاره البحري لموانئ أوكرانيا التي تعد عصب الاقتصاد الأوكراني لتصدير المواد الغذائية التي يعتمد عليها العالم. ورغم التقدم الذي حققته روسيا إلا أنه لا توجد أدلة عن نية لبوتين الدخول في مفاوضات، حتى مع الآثار التي تركتها العقوبات، وحاجة روسيا للقطع العسكرية التي تريدها لصناعتها العسكرية.

وقال دوي زاخيم، المسؤول السابق في وزارة الدفاع: “بوتين، أحببت أم كرهت بحاجة لأن يقدم شيئاً إلى الروس، وماريوبول هي قطعة صغيرة، ولكنها قطعة”، و”ستزيد كلفة الحياة  والمواد لأوكرانيا، وعليه فالقرار السياسي سيكون صعباً لها”.

وبالنسبة لبايدن فقد تحدث هو ومساعدوه في الشهرين الأولين للحرب عن تقديم ما يمكن تقديمه من الدعم لأوكرانيا وردع روسيا بالعقوبات. ومن فترة لأخرى كان هناك تلميح لأهداف أوسع. وحتى قبل الحرب، قال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان محذراً روسيا إن حاولت احتلال أوكرانيا بالقوة “فقوتها على المدى البعيد وتأثيرها ستتلاشى”. وفي 25 نيسان/إبريل قال وزير الدفاع لويد أوستن، متحدثا بصراحة أدهشت زملاءه، أن واشنطن تريد أكثر من انسحاب روسي، بل وتريد إضعاف روسيا وبشكل دائم. وقال “تريد أن ترى روسيا أضعفت لدرجة لا يمكنها عمل الأمور التي عملتها بغزو أوكرانيا”. وسارع البيت الأبيض لتوضيح تصريحات أوستن بالقول إنه لم يكن يعبّر عن تغيّر في السياسة، بل وكان كلامه توضيحاً لما يمكن أن تفعله العقوبات والسيطرة على الصادرات لروسيا.

ومع مرور الوقت، أبدى المسؤولون تفاؤلاً حول انتصار أوكراني في دونباس. وفي الأسبوع الماضي قالت سفيرة الولايات المتحدة في الناتو جوليان سميث، والمستشارة السابقة لبايدن “نريد رؤية هزيمة استراتيجية لروسيا”. وبدأ الأمريكيون الآن في تصريحاتهم العامة ولقاءاتهم مع مسؤولي الناتو بالحديث عن أهداف محددة. أولاً، يجب أن تظهر أوكرانيا حيوية وديمقراطية، وهو ما يريد بوتين تدميره. ثانياً، الكلام الذي اعتاد بايدن على ترديده، أو “ذلك الذي يطلق عليه الحرب العالمية الثالثة” وتجنّب حرب مباشرة مع روسيا. ثم جاءت تعليقات مثل تعليقات أوستن حول ضرورة إضعاف روسيا، وما قالته مديرة الاستخبارات القومية أفريل هينز في شهادة: “تقييمنا أن بوتين يحضّر لحرب طويلة في أوكرانيا يريد من خلالها تحقيق أهداف أبعد من دونباس”. وتحدّث المسؤولون الأمريكيون عن تقوية الأمن العالمي من خلال إقناع الدول المتردّدة بدعم الغرب أو البقاء مع المحور الصيني- الروسي الناشئ.

وبعد تأكيدها رسالتها أرادت أمريكا ألا تتجاوز أوكرانيا وزيلنسكي فهو “منتخب ديمقراطيا ورئيس دولة ذات سيادة، وهو الوحيد الذي يقرّر طبيعة النصر وكيفية تحقيقه”، كما قال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي في 29 نيسان/إبريل.

وأظهر الاتحاد الأوروبي وحدة مدهشة من خلال عقوبات مؤلمة ودعم عسكري لأوكرانيا بدون مقاتلات أو دبابات. لكن الوحدة هذه تتعرض لضغوط، فقد ترددت هنغاريا التي دعمت عقوبات على روسيا، رفضت وقف استيراد النفط من روسيا الذي تعتمد عليه، كما ولم تحاول أي دولة أوروبية وقف الغاز الروسي، على الأقل في الوقت الحالي. ولدى قادة وسط وشرقي أوروبا، ممن لها تجربة قوية مع الاتحاد السوفييتي مواقف متشدّدة من هزيمة روسيا، أو الحديث مع بوتين، وهو ما فعله رئيس وزراء أستونيا وبولندا، اللذان وصفاه بمجرم الحرب. لكن قادة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أكبر وأغنى دول الكتلة الأوروبية واعون من مخاطر الحرب الطويلة، أو تلك التي تنتهي بحرب مجمدة بشكل تضرّ باقتصادياتها. وتتعامل هذه الدول مع روسيا كجار لا غنى عنه، وبالتالي يجب عدم عزله. وبعد انتخابه من جديد قاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهوداً في تحديد الرهانات التي تواجه أوروبا، وأن مستقبل السلام في شرق أوروبا يقضي تجنب إذلال روسيا. ودعا رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي هذا الشهر لوقف إطلاق النار “في أسرع وقت”.

وفي النهاية فخيارات زيلينسكي هي تنازلات في مناطق، أو حرب طاحنة. وكان زيلينسكي حذراً في الدعوة لحرب طويلة، بل وطالبَ بالعودة إلى الوضع السابق قبل 23 شباط/فبراير. وعندها ستكون كييف جاهزة للتفاوض على وقف إطلاق النار وتسوية. وقال هذا الأسبوع إن الحرب يجب أن تنتهي بحل دبلوماسي وليس انتصارا عسكريا حاسما. إلا ان هذه الأهداف تعتبر حسب المسؤولين الأوروبيين والخبراء العسكريين طموحة جدا. فمن أجل الوصول إلى الحل الدبلوماسي يجب أن تكون أوكرانيا قادرة على استعادة خيرسون ومدينة ماريوبول. وعليها أن توقف تقدم الروس في دونباس وقدرتهم على بناء جسر مع القرم وضم دونباس. ويرى الخبراء أن هذا يظل خارج قدرات الأوكرانيين. فرغم ما فعله الأوكرانيون من إنجازات في الأيام الأولى من الحرب، إلا أن القتال في دونباس يحتاج إلى قدرات عسكرية بفارق 3-1، باستثناء السلاح، وهو أمر غير متوفر للأوكرانيين. ويحقق الروس تقدماً بطيئاً وإن بشكل تدريجي، ولو كان بخسائر عسكرية كبيرة. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة وبريطانيا، وبفرح، عن خسائر الجيش الروسي، وأحياناً بأعداد مبالغ فيها، كما يقول الخبراء، إلا أنها لا تتحدث عن خسائر الأوكرانيين الذين تتعامل الحكومة الأوكرانية معها كأسرار دولة.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي