السبك السردي في قصص «جذوة نوفمبر» للعراقية إيمان كاظم

2022-05-24

جاسم عاصي

أن تكتب قصة، فهذا أمر سهل جداً، إذا ما افترضنا أن القصة ترمي إلى طرح حكاية ما، تنطوي على حدث صغرت مساحته الورقية أو كبرت. إن الاحتكام بهذا الصدد إلى مساحة الذهن القصصي الذي يُفترض أن يتسع بما تمليه عليه الرؤى التي تحاور المُشاهَد. فالذهن القصصي بمثابة مختبر يُعالج عناصر المشهد، بما يتجاوب ذلك مع التشكل المعرفي الذي ينتج عقلاً جدلياً، يرى ما وراء المشهد، أي يرى المحرك الخفي في الظاهر. فالمسار الواقعي لا تتم أنساقه عفوياً وإن بدا على هذه الشاكلة، إذ يبقى مجموع المحركات من شأن القاص الذي يجرد الأشياء من غطائها الذي يخفي ما لا تراه العين المجردة، لذا فمن أجل تحقيق مثل هذا الحلم الذي ربما يراود الكثيرين يقتضي العمل على توسيع الرؤية السردية، بما يحقق الموازنة بين ما يُرى وما يتحقق على الورق، لكن لو احتكمنا إلى المتحقق القصصي على طول التاريخ السردي، نجد غير هذا تماماً، قياساً إلى ما توفرنا عليه في الوقت ذاته من رخاء قصصي متين عند الرواد والستينيين وما بعدهم، فهم يمتلكون عقلاً جدلياً يتحول جينياً إلى الأجيال القصصية. الأمر الذي يتطلب في حاضرة الفحص للنص أن لا نجتهد بما يخالف المنطق، أو نتغاضى عن الجزئيات لصالح الكليات، لكننا لا نغلق بصيرتنا عن الأُسس التي يحقق من خلالها النص وجوده عبرها.

نذكر هذا بدوافع ما حصلت قراءتنا على أهم المرتكزات في السرد في مجموعة القاصّة إيمان كاظم «جذوة نوفمبر» التي تميّزت بالكثير من الخصائص الفنية والموضوعية، إضافة إلى اجتهادات في ما يخص المعالجة. نعتقد أن المثابرة على تطوير أنماط السرد وكشف ما هو مخبأ في الظواهر ما يقود إلى تحقيق الهوية الذاتية في السرد، لاسيما أن القاصة أتت على تراكم نوعي وكمي من السرد النسوي ابتداء من القاصّة سافرة جميل مروراً بالقاصة لطفية الدليمي وميسلون هادي، عبوراً إلى جيل رغد السهيل وما تلاهن من قاصّات، أي أن القاصّة لم تكن قد نشأة بالصدفة، وإنما من تراكم كمي ونوعي، سواء ما أنجزته المرأة أو الرجل. فهو بمجموعه قص يسير وفق خط بياني صاعد. وثمة ظاهرة توارثتها القاصّة من تراكم نوعي أثبت الصوت الأُنثوي في السرد، بمعنى استقلالية الصوت عن الصوت الذكوري باتجاه تحقيق هوية السرد الأنثوي.

التزامات السرد

القاصّة تعمل وفق مكوناتها المعرفية بعلم السرد، الذي يترشح من تطبيقاتها القصصية متكئا على الموهبة؛ كونها تولي للحرفية وتاريخ السرد قيمة عليا. لذا نجدها تُمسك بمقود السرد بقوة، وفق حضور الحذر من انسياب الإنشاء وغوايته. فالنص السردي حدث وبناء نفسي ومعالجة تُعطي للواقع قيمته وللخيال قيمة مماثلة. فلا نص ناجح دون واقعية منتقاة، ولا نص متمكن يخلو من سحر المتخيّل، لذا نجد في نصوصها خروجا عن هيمنة صوت الرجل. أي أنها تجتهد في بلورة صوتها ومنحه استقلالية وصفاء أُنثويا. فهي ذات مستقلة حين تنظر إلى عالم زاخر بالهواجس والمتناقضات والاضطراب المتعدد الأسباب. إذ نجدها تخرج من كل هذه الفوضى التي تكبل وتسيّر الوجود العراقي، لتخرج عن علاقاته الجدلية.

لعل اهتمامات القاصّة بمجموع ما ترى، حيث يعيش الآخرون، وما تعيش تفاصيله ذاتياً؛ يمنح النصوص في الكتاب القصصي مجموعة أصوات تطرح عوالمها وفق رصانة سردية ورؤية مستقرة ومنفتحة على معالم معرفية، أي أن نهلها من علوم المعرفة وظفته في توسيع ورصانة نظرتها لمشاهد الآخرين. وهذا يتبلور من خلال تعدد مستوى المعالجات في كشف كينونة ما تعالجه من نماذج إنسانية، إذ يبدو التعاطف والميل إلى بعض النماذج واضحاً، وهو انحياز فئوي وطبقي مألوف عند تحديد وجهة النظر في الحياة ومضاربها. وبهذا لا بد من الوقوف على أهم الخصائص المرشحة من طبيعة المعالجات القصصية:

ـ الخروج من معطف السرد الذكوري بتعميق النظرة الأُنثوية. وهي لا تختلف

في الصيرورة، وإنما تظهر في التأكيد على الوجود والوعي غير التابع.

ـ الاهتمام بتأريخ الأفعال عبر استعادة مشهد سابق (فلاش باك) بمهارة موضوعية.

ـ الاهتمام بالأفعال وردوها، المتحكمة بتفاصيل الأفعال.

ـ سرد دقيق مرهون ومرتبط بالزمان والمكان. بمعنى يتحكم في الوضع النفسي طبيعة الثنائي المؤثر.

ـ الركون أحياناً إلى الرموز الأُسطورية، كي تتماثل مع الحالة النفسية للنموذج.

ــ عنايتها بالمكان وطبيعته ، لأنه المؤثر المركزي في صياغة الشخصية في النص.

العتبات

العنوان الرئيسي دال على نوع من صياغة الموقف (التمرد) من دلالة (جذوة). والمفردة ترتبط أساساً بما تتخذه القوى المهضومة والمصادرة حقوقهم. أما (نوفمبر) فهو ارتباط بالزمن.. فهو تحديد لفعل في زمان أما عتبة لوحة الغلاف، فهي دالة على توصيف لجذوة نوفمبر؛ كونها فعل سلمي، رمزت له الوردة فائقة الجمال. أما الاهداء ففيه نوع من الوفاء لرمزين هما منبع الوجود والبنى الإنسانية (الأم والأب). وهذا ما يُضيف إلى العتبتين معنى كبيراً. أما عناوين النصوص، فقد استكملت دائرتها من خلال علاقاتها بالمتون القصصية. وهي استرسال مبكر لا بد من كشفه داخل النصوص، بمعنى تقود العتبات إلى معان كثيرة استطاعت القاصّة أن تؤسس إلى ارتباط متين ودلالة بين الطرفين.

متون النصوص

من مسلمات نصوص الكتاب القصصي؛ أنه ينحى سردياً باتجاه تكثيف صورة المشهد، وذلك بوضع مقاييس بين الزمان والمكان. وهما محركان أساسيان في النص، خاصة حين يكون المكان محدودا، والزمان تابعا لقياس الظاهرة. لذا تكون الرؤية ضمن فضاء كهذا محددة بأطر خارج سياق الزمن المعيش، والعبور إلى زمن آخر. وهذا محدد أيضاً بما تفرزه الحالة النفسية. فثمة توجهات يحكمها الحس الذاتي النفسي. ومن هذه التوجهات الكثيرة تكون الأُسطورة حاضرة لمعالجة التشكل النفسي. وهي (أي الأُسطورة) حسب مريسليا إياد العود إلى الوعي البدئي لمنح الذات فسحة التحمل، كما فعلت القاصّة وهي تستحضر وجود (باندورا). وبذلك يكون الخلاص بحضور الأُسطورة (وثمة من أتى من الجنة ليصحبني بعيداً عن جسمي الذي هُتك ستره). إن أُسطورة (باندورا) هنا مثلت المخلّص من براثن المعتدين. لذا فإن غيابها انفتح بحدوث الفرج (أختاه انهضي فقد سقط النظام). إن التوسل بالأُسطورة يعني البحث عن الخلاص حتى في زمن مختلف في إيقاعه وشديد الضغط على الجسد وباستلاب واضح، فهي معارف تؤدي وظائف فنية وموضوعية.

تهتم القاصّة بحالات التوتر النفسي الذي تخلقه الظواهر، وبأسلوب يتركز في المعالجة النفسية. ولهذا نجدها تراعي الفعل ورد الفعل الذي يمثل المعالجة النفسية. بهذا تستيقظ المفارقة كنوع وأُسلوب لمعالجة تناقضات الواقع. كما في صورة كهذه (المرحوم ميثم عبد الرحمن النجار/توفي في 4/5/2016 إثر حادث مؤسف) وهو تاريخ مماثل لتاريخ آخر، فالمفارقة في النص نوع من العوامل المؤثرة التي يمنحها السرد كدرس اجتماعي نفسي.

ويؤشر نص (صخور وثيرة) جملة اهتمامات تتداخل مع بعضها بالنتائج. ومنها بناء الشخصية القصصية وبنائها النفسي الذي هو دأب نظام سرد النصوص جميعاً. إن خلق أجواء مثيرة تذهب بالمتلقي مذهب التواصل مع مسار النص، ولا نقول مشوقاً فقط، وإنما يشكل منحى يؤدي وظيفة ترصين الحدث، وكشف التناقض الطبقي في الواقع. فنموذج النص المسحوق طبقياً شكّل النواة التي خلقها النص المتأثر والمُنقاد بفعل الضاغط الفكري للسارد، الذي يخلق عوالم تُساعد على تصعيد وتيرة الحدث القصصي. فبين عامل التصليح وصاحب المنزل الذي يتميّز بالفساد، حيث كشف النص وبهدوء رصين طبيعة هذه الأطراف وجسّد النتائج التي يخلفها الوجود المتناقض. إن شدة التناقض يكشف بناء معماريا يعتمده المنتج كبناء محكم وقادر على رفع الغطاء عن صيرورة الشخصية ومعالجة الظاهرة، بتسلسل منطقي وإحكام رائد، يدلان على حرفية في السرد، خاصة التحكم بالاستطرادات الذهنية والحذر من الوقوع في الإنشاء في اللغة. إن الاقتصاد يعني غلبة نمط الأفعال ومسارها الذي يعتمد حركة الشخصية وسيادة فعلها، وليس الفعل الذي يخلقه القاص. ولعل التدخل من قبل الساردة خارج النص وداخله، أعطى للمشهد القصصي قدرته على تمثل واقعيته. وهو تدخل مبني على اجتهاد شخصي يعني وجود ضميرين رئيسيين في النص.

القاصّة من خلال مجموعتها هذه قدمت درساً قصصياً يُضاف إلى تاريخها القصصي والمعرفي، سيكون مقياساً لدلالة ما سوف يأتي من عطاء.

إيمان كاظم «جذوة نوفمبر» من منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق2021

كاتب من العراق







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي