رائعة تولستوي «الحاج مراد»: عن بطل قوقازي فاق أوديسيوس وأخيل وإينياس

2022-05-22

جودت هوشيار

سئل ليف تولستوي ذات مرة وكان ذلك قبل وفاته بسنة، عن أحب أعماله الأدبية إلى قلبه، فأجاب دون تردد رواية «الحاج مراد» فهي ثمرة حوالي خمسين سنة من الخبرة الإبداعية، وواحدة من أفضل آثاره الفنية، ويعتبرها النقّاد أفضل رواية قصيرة في الأدب العالمي.

فكرة هذه الرواية كانت تراود خيال تولستوي، ويفكر بها منذ زمن طويل. بدأ في كتابتها في سن الشيخوخة عام 1896 وانتهى من كتابتها عام 1904، وهي مفعمة بذكريات شبابه في القوقاز، يتخللها حب جارف للحياة. وحين أنجزها، قرر عدم نشرها خلال حياته. وكان يقول إنه كتبها لنفسه في اوقات فراغه. ورغم ذلك بذل جهوداً عظيمة في تأليفها من أجل بلوغ الكمال الفني، وكان ذلك استجابة لحاجته الروحية العميقة إلى الإبداع. استهل تولستوي روايته بالقول: «تذكرت قصة وقعت في القوقاز من سنوات خلت، شهدت بعضها بنفسي، وسمعت بعضها من شهود عيان، وتصورت سائرها.

كان تولستوي في الثالثة والعشرين من عمره في نوفمبر/تشرين الثاني 1851 عندما ذهب مع شقيقه نيكولاي إلى مدينة تبليسي ليؤدي امتحان القبول في المدرسة العسكرية. ومع ذلك لا نجد في يوميات تولستوي عام 1851 أي ذكر للقائدين الأسطوريين الإمام شامل (1797 – 1871) ونائبه الحاج مراد (1818- 1851). بالطبع كان تولستوي قبل سفره إلى القوقاز، خاصة في غضون إقامته في تبليسي، قد سمع قصصاً مثيرة للاهتمام حول هذين البطلين الأسطوريين في حرب القوقاز. لاحقا كتب تولستوي في إحدى مسودات رواية «الحاج مراد» عن بطل الحرب الحاج مراد، وأكد أن من الصعب على الأشخاص الذين لم يزوروا القوقاز خلال حربنا مع شامل، أن يتخيلوا الأهمية التي كان يتمتع بها الحاج مراد في نظر جميع القوقازيين في ذلك الوقت.

في تبليسي قرأ تولستوي خبراً نشرته صحيفة «القوقاز» المحلية في عددها الصادر في 15 نوفمبر 1851 مفاده، أن خلافا شديدا وقع بين الإمام شامل، الزعيم الروحي لقبائل القوقاز، وقائد الحركة التحررية القوقازية المناهضة للعدوان القيصري، ونائبه الحاج مراد. وفي 11 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام نشرت الصحيفة ذاتها، خبراً عن استسلام الحاج مراد للقوات الروسية. عند نشر هذا الخبر الجديد كان الحاج مراد في تبليسي منذ يومين عند الجنرال م. س. فورونتسوف حاكم القوقاز. لكن تولستوي كان في هذا الوقت مريضا، ولم يكن يغادر محل إقامته إلا نادراً. وكان مشغولا في إنجاز رواية «الطفولة» لذلك لم يستطع رؤية الحاج مراد في تلك الأيام. قال تولستوي في رسالة إلى شقيقه سيرغي مؤرخة في 23 ديسمبر 1851: «إذا كنت تريد التباهي بأخبار القوقاز، يمكنك أن تقول إن الشخص الثاني بعد شامل، وهو الحاج مراد قد استسلم مؤخرا للحكومة الروسية. وكان أبرز فارس مغامر وشجاع في كل الشيشان، لكنه ارتكب عملاً دنيئاً»

تشير هذه الرسالة إلى أن تولستوي الشاب ما يزال لا يعرف المأساة الحقيقية للبطل المستقبلي لروايته، ولا يدرك سبب انضمامه إلى الروس. صحيح أن تولستوي لم تتسن له مقابلة الحاج مراد شخصيا، لكنه كان يعرف الكثير من الشخصيات الروسية البارزة، الذين تعاملوا مع الحاج مراد بحكم مواقعهم العسكرية في حرب الشيشان، وتحدثوا إلى تولستوي عن البطل الأسطوري الحاج مراد. ومن هؤلاء الشخصيات، فورونتسوف، وبولتوراتسكي، وبارياتينسكي وبعض الشخصيات الأخرى لروايته. ولاحقا شارك تولستوي في حرب القوقاز، وشهد الأماكن التي وصفها في روايته في ما بعد. بعد نصف قرن سيغير تولستوي رأيه في الحاج مراد ويرى فيه بطلا مطلقا يتسم بسمو أخلاقي وروحي مقارنة مع القادة العسكريين الروس ومع القيصر نيكولاي الأول.

درس تولستوي بعناية حياة سكان الجبال وعاداتهم وأسلوب حياتهم وتراثهم الشعبي، ولم يتضاءل اهتمامه بالقوقاز والحرب القوقازية على مر السنين. قرأ تولستوي كل ما وقع في يده من كتب ومقالات ومذكرات عن القوقاز.

في عام 1896 كان تولستوي يزور شقيقه سيرغي في بلدة بيروغوف، على بعد 35 ميلاً من ضيعته (ياسنايا بوليانا) وخرجا للنزهة. ولفتت نظر تولستوي زهرة التتر. وكتب في دفتر يومياته: «تتر على الطريق.. الحاج مراد».

الزهرة المشلولة المجروحة الصامدة أوحت إلى تولستوي بفكرة روايته المقبلة عن الحاج مراد. صورة الزهرة القاسية التي تدافع عن نفسها، وردت في بداية الرواية وخاتمتها: وصف رائع ومثير للقاء زهرة التتر في حقل أسود محروث: «لقد ذكرني هذا الموت بزهرة تتر مسحوقة في وسط حقل محروث». هذه الرواية ـ التي كانت على صعيد الفن الروائي ـ إبداعاً إعجازياً- عزيزة على قلب تولستوي بشكل خاص.

درس تولستوي بعناية حياة سكان الجبال وعاداتهم وأسلوب حياتهم وتراثهم الشعبي، ولم يتضاءل اهتمامه بالقوقاز والحرب القوقازية على مر السنين. قرأ تولستوي كل ما وقع في يده من كتب ومقالات ومذكرات عن القوقاز.

الغريب أنه كتبها في خضم أزمته الروحية والدينية والأخلاقية. ربما كانت محاولة لإقناع نفسه والآخرين بالحاجة إلى التواضع، وعدم مقاومة الشر بالعنف ورفض الملذات الدنيوية. كان ينتابه القلق دائما لأن فكرة هذه الرواية – عن شخص قوي وكامل يدافع عن حياته في صراع شرس حتى النهاية – تتناقض مع فلسفته، ومع التولستوية، وما تبشر به من معتقدات. في أوج أزمته الروحية التي بدأت منذ نهاية السبعينيات من القرن التاسع عشر اتخذ تولستوي موقفا سلبيا من الإبداع الفني، معتقدا أن الفن مطلوب فقط للمثقفين الذين لا يصلحون لشيء، ومع ذلك لم يستطع أن يقتل في نفسه الفنان العاشق للحياة، ولهذا انغمس بحماس في كتابة «الحاج مراد» مبرراً ذلك بأنه سيعبر فيها عن وجهة نظره في الاستبداد، وستكون الرواية مفيدة. وفي مناسبة أخرى ناقض نفسه بنفسه بقوله إنه انصاع لعمله المحبوب مثل السكير. خضعت مسودة الرواية للتغيير المستمر، حيث أعاد تولستوي كتابة كل فصل من فصول الرواية الخمسة والعشرين مرات عديدة. وبلغ عدد صفحات المسودة 1266 صفحة، لرواية تتألف في صيغتها النهائية من حوالي 250 صفحة. ما يدل على اهتمام تولستوي المكثف بهذه الرواية القصيرة العظيمة.

جماليات السرد والوصف

تحكي الرواية قصة بسالة ونبل وسمو أخلاق الحاج مراد، أحد القادة الكبار في جيش الثوار ونائب الإمام شامل، الذي يختلف مع الإمام الذي أصبح يغار من بطولات وانتصارات وشعبية الحاج مراد، ويعتبره عائقاً أمام تولية ابنه لولاية العهد، فيصدر أمرأً بالقبض على الحاج مراد حياً أو ميتاً، فيضطر هذا الأخير إلى الهروب من قبضة الإمام المستبد، واللجوء إلى أعدائه الروس، ليس من أجل استعادة موقعه القيادي في جيش الثوار، بل لإنقاذ عائلته من قبضة الإمام. لكن الروس لم يثقوا به، فحاول الفرار منهم، وكاد أن يفلت من الحصار المضروب حوله، لولا أن قادة الجيش الروسي أحسوا سريعاً بهروبه، فتمت ملاحقته ومحاصرته، فدافع الحاج مراد دفاع الأبطال عن نفسه إلى الرمق الأخير، لكن القوى لم تكن متكافئة، فخرّ صريعا، وتحول استشهاده إلى أسطورة يتناقلها مواطنوه من جيل إلى جيل.. قبيل هروبه اليائس الأخير، أوغل الحاج مراد في التفكير، وتذكر كيف كانت أمه ترقده لينام بجوارها تحت سترة من الفراء على سطح الدارة، وتذكر سؤاله إياها أن تريه الموضع من جانبها الذي ما تزال ندبة جرحها ظاهر فيه، كما تذكر الأغنية التي ألفتها أمه عقب ولادته مباشرة، وهي الأغنية التي وجهت إلى أبيه: «نفذ نصل الصلب اللامع في صدري ـ لكني ضممت فوقه مباشرة ولدي المشرق، ولدي الغالي، حتى اغتسل جسده في مجرى دمي الحار ـ ثم برىْ الجرح دون الاستعانة بأعشاب أو حشائش أو بذور. وكما أني لا أهاب الموت، كذلك ولدي لن يهابه أبد الدهر».

عندما تنتهي رواية تولستوي بالمعركة البطولية الأخيرة للحاج مراد، ورفاقه المخلصين، الذين لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة ضد جيش كامل من الأعداء، لا يسعنا، إلا أن نتذكر المشهد الذي لا ينسى من «لمن تقرع الأجراس» حيث يخوض «آل سوردو» وحفنة من رفاقه معركتهم الأخيرة ضد الفاشيين الأكثر عددا، والأفضل تسليحاً. هنا همنغواي تلميذ مخلص ومثابر لتولستوي، ويقلد بشكل رائع الأصل العظيم، على حد قول الناقد الأمريكي البارز هارولد بلوم. وعلاوة على ذلك، يعيش الحاج مراد ويموت كبطل ملحمي قديم، يجمع بين جميع مزايا أوديسيوس وأخيل وإينياس، لكنه خال تماماً من مثالبهم.

تولستوي يؤله بطله ولا يتباكى على هزيمته

لا أحد من شخصيات الرواية الرئيسية استحق مثل هذا الوصف الباهر والمفصل مثل الحاج مراد. وليس في الأدب العالمي بأسره بطل يمكن مقارنته بالقائد القوقازي الأفاري، فهو يموت موتا مشرفا وبطوليا. في السياق نفسه، صور تولستوي ببراعة شديدة حال الجيش الروسي في تلك الفترة، فالجنود الصغار يموتون، والضباط لا يهتمون سوى بالقمار وسرقة صناديق الميزانية والتغزل بزوجات بعضهم بعضا، فيما يحكم روسيا رجل جاهل يخطئ في الكتابة والإملاء ويدعى نيقولاي. وهو ما يشبه إلى حد بعيد ما اتفق معظم أدباء روسيا القيصرية في تلك الفترة على تصويره بدقة شديدة، وعلى النقيض من ذلك، يبرز لنا ليف تولستوي طبيعة الشعب الشيشاني، مجسدا في شخصية الحاج مراد، وخصاله السامية، ومعالم وجهه التي جعلت فاتنات الروس يعجبن به، أيما إعجاب، لما أظهره من نبل، وذكاء، وكياسة، وسرعة بديهة.

كاتب عراقي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي