عبد الفتّاح كيليطو.. في صحبة كتب تقتل قرّاءها

2022-05-20

خالد الريسوني

في كتابه "العين والإبرة" (1996)، أطلَق الكاتبُ المغربي عبد الفتّاح كيليطو (1945) صفةَ "الكتاب القاتل" على "ألف ليلة وليلة". كتب قائلاً: "كثيرةٌ هي شخصيّات الليالي التي تروي حكايةً لتحيا أو لتظلّ على قيد الحياة، لكنّها نادرةٌ جدّاً تلك التي تكون مستعدّة للتضحية بحياتها من أجل حكاية. الفضول يمكن أن يؤدّي إلى الموت [...] إنّ الموتَ هو جزاء الرغبة في المعرفة".

على عكس تلك الشخصيات التي يدفعُها فضولها إلى التضحية بحياتها، يعزف حسن ميرو، في رواية كيليطو "والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي" (2020)، عن قراءة كتاب قاتلٍ آخر هو "مثالب الوزيرَين" لأبي حيّان التوحيدي، حتّى وهو يختار تخصيص أطروحته للدكتوراه للبحث في أعمال الفيلسوف المسلم باعتباره شخصيّةً استثنائية في تاريخ الأدب العربي، هُمّشت ولم يُعتَرف بعبقريّتها ونبوغها في عصرٍ لم يَمنح الحكّامُ للأدب والمعرفة مجالاً للارتقاء الاجتماعي.

يُمكن القول إنّ كتابَ التوحيدي هو بطلُ الرواية الصادرة عن "منشورات المتوسّط". لكن، هي حكاية من؟ هل هي حكاية الراوي أم حكاية حسن ميرو أم حكايتهما المشتركة؟ يقول الراوي: "إنّه هو الذي... هو الذي فتح كتاباً، كتاباً قديماً، يعود إلى القرن الرابع الهجري، 'مثالب الوزيرين'، من تأليف أبي حيان التوحيدي. لقد فتح حسنُ البَصريّ باباً ممنوعاً، أمّا حسن ميرو، فإنّه فتح كتاباً ما كان له أن يقرأه. وفي الواقع لم يقرأه، بالكاد بضعة أسطر، وهذا ما قد يبدو غريباً؛ أن يمارِس كتابٌ تأثيراً على القارئ، أن يقلب حياته رأساً على عقب، فهذا ليس مفاجئاً، أمّا كتابٌ لم يقرأه! هذا الكتاب سيكون، بلا شك، بطلَ هذه القصّة".

يجد قارئ الرواية نفسه أمام تداخل للحكايات عبر تماثُلات واستطرادات تشي بإتقان للعبة الحكي الممتعة، وهذا ما يكشف عنه الراوي في تضمين أقرب إلى التصريح حين يقول: "أرى أنّني أخلط بين قصّتين، يجب عليَّ أن أنتبه، وأن أُعيد ترتيب الأمور. إنّني بالإشارة إلى حكاية حسن ميرو، تحت تأثير حكاية قديمة، 'حكاية حسن البَصري'، هذا دُون ذكر حكايتي الخاصّة التي يجب أن أُبقيها بعيداً، فلا رغبة لي، على الإطلاق، في روايتها".

هكذا ينطلق الراوي في جدْل خيوط مَحكِيه، ليكاشفنا بتماثُلٍ غامضٍ ما بين حكاية حسن ميرو وحكاية حسن البصري لا تنجلي عتمتُه. يقول: "ليس هذا، على الأرجح، سوى لوحة، شاهدتها في مكان ما، في متحف ربّما، أو بالأحرى مُنمنمة في كتاب. أيّ كتاب، يا ترى؟ ومن هو الرسّام الذي أنجزها؟ ومن أوحى له بها؟ [...] غير أنّني قرأت ما لا يُحصى من الكتب، ما لا يُعَدُّ من الحكايات، إلى درجة أنّني نسيتُ العديد منها، وأنّها تختلط في ذهني".

لكن، لنعُد إلى حكاية "الكتاب القاتل" عند كيليطو. يُقدّم حسن ميرو ملامح عن الأستاذ ع. (وما أشبه حرف العين هنا بعبد الفتاح)، خلال حديث عن رغبته في الاشتغال على أطروحة تتناول جوانب من شخصيّة أبي حيان التوحيدي وفق تصميم محدَّد سلفاً، لكنّ الأستاذ ع سيرفضُه، مُبدياً ازدراءه لكلّ تصوُّر يراه مُبتذَلاً، وسيقترح عليه: "تناوَلْ بدلاً من ذلك تفصيلاً، صورةً، مشهداً يبدو طفيفاً، ولا يثير الانتباه، واجعَل منه محور مؤلّفات التوحيدي، وبالتالي محور أطروحتك".

هكذا يدخل حسن ميرو متاهة البحث، وجّهَهُ المشرفُ لأن يكون منطلق عمله من فكرة إحراق أبي حيان التوحيدي لكتبه، وسأله هل اطّلع "على بحث الأميركي يوليوس موريس 'عن كتاب ضائع'، خصّصه لمُصنّف للتوحيدي، لم يصل إلينا، 'تقريظ الجاحظ'".

لكنّ المُثير في الحوار الدائر هو التساؤل الذي يشغل بال الأستاذ ع: "ما يبعث على الاستغراب أنّ يوليوس موريس، وقد عزم على البحث في ما يخصّ كتاباً للتوحيدي، فحص في نهاية الأمر، أعماله كلّها، ما عدا 'مثالب الوزيرين'. لم يستشهد بأيّة فقرة منه، ولا يظهر حتى في ثبت المصادر التي اعتمد عليها". وهنا تنجلي أمامنا جملة من المفارقات، اختار يوليوس موريس أن يهتمّ بكتاب لا وجود فيزيقياً له هو "تقريظ الجاحظ"، والتقريظ هنا بمعنى المديح، مديح لأديب ملأ الدنيا وشغل الناس، بينما أغفل كلّياً كتاباً له وجود فيزيقي هو "مثالب الوزيرين"، والمثالب هنا تعني العيوب؛ أي إنّه يندرج في إطار الهجاء، هجاء لوزيرَين؛ أي لِمن يُمارس سلطة الحكم، ولكنْ هل أساس النفور أنّ الكِتاب - حسب تصنيف كيليطو - قاتل؟ ولِمَ يُصنَّفُ كذلك حسب استقصاءات حسن ميرو؟

حسم حسن ميرو أمره، لن يقرأ كتاب "المثالب"، بل لن يفتحه، لأنّ اللّعنة تتعقّب قارئه، سيمارس الخداع والمناورة عبر الإيحاء لأعضاء لجنة المناقشة أنّه قرأ العملَ ليتجنّب لعنته: "بعد تردُّد طويل، اتّخذ حسن قراراً خطيراً للغاية، قرّر الانكباب على أعمال التوحيدي كافّة، ما عدا 'مثالب الوزيرين'. لن يقرأه، بل سيتجنّب حتى فتحه، إعادة فتحه بالأحرى. سيكتفي بذكر العنوان في دراسته بصورة عَرضيّة، وتسجيله، بشكل جَليّ، في قائمة المراجع، وسيُعرِض عن أيّ شكل من أشكال الاقتباس".

وأيّاً ما كان، كيف له أن يفعل عكس ذلك، وهو لم ينظر إلى النص؟ لن يلاحظ أعضاء اللجنة مناورته يوم المناقشة، أو هكذا حاول إقناع نفسه. لكنّ حسن ميرو كان يتهيّب أن يتحوّل إلى موضوع للتهكّم والسخرية من انكشاف لعبة مَكرِه واحتياله أمام اللجنة المتفحّصة للأطروحة. لكنّه يجد بعض الاطمئنان والعزاء أيضاً في ألّا يكون أحد من أعضاء لجنة المناقشة قد قرأ الكتاب: "الأرجح أنّ المتفحّصين لن يقولوا له شيئاً، لأنّهم، في معظمهم، لن يكونوا قد قرؤوا 'المثالب'، إمّا عن كسلٍ أو للسبب نفسه الذي أرَّقه، الرَّهبة"، بل إنّ العزاء الذي لا يُضاهى سيكمُن في تواطؤاتٍ محتملة بين حسن وأعضاء اللجنة: "نعم، نعرف الحكاية، نتفهّم تخوُّفك، ونغضُّ الطرف عن طيب خاطر".

لكن من سيعترض بشكل قاطع على فكرة القفز عن قراءة الكتاب، بسبب لعنة تُصاحبه، هي نورا التي حين علمت ما عزم حسن القيام به، "أظهرت عدم موافقتها على ذلك، بحجّة أن ليس من الإنصاف عملُ أطروحة عن كتاب غير مقروءٍ، حتى لو كان ذلك مُمكنا". لكنّ رأي الأستاذ ع. مخالفٌ لذلك؛ فهو "يزعم أنّه، للتحدُّث بصفة جيّدة عن كتاب، يجب الامتناع عن قراءته". وسواء كانت الفكرة صحيحة أو لا، فإنّ حسن كان قد حسم أمره منذ البداية؛ "إذا كان هناك كتاب لن أقرأه، فهو، بالطبع، هذا. [...] لأنّه كتاب ملعون، وأنا رجلٌ حُبُّ السلامةِ غالبٌ عليَّ، كما يقول التوحيدي عن نفسه".

سيؤجّل حسن ميرو لعنة الكتاب بتأجيل أطروحته أو بالأحرى بحثه، وسط تردّدٍ وشكوك في قدرته على إتمامه، "الحقيقة التي لا غبار عليها أنّه كان يروم تجنُّب اللعنة المرتبطة بـ'المثالب'، أو على الأقل، تقليصها، على افتراض أنّ تبعاتها تتناسب مع عدد الكلمات المقروءة".

وللإفلات مؤقّتاً من لعنة التوحيدي وكتابه، سيُسلّم نفسه لمشروعٍ متعلّق بترجمة حكاية حسن الآخر، حسن البصري في "الليالي" وهو ما سيقوده إلى خُلاصات مهمّة بصدد رأي التوحيدي في "الليالي" في صيغتها الأولى، رأي ظاهره الاحتقار والاستهجان والانتقاص، لكنّه في العمق لا يُخفِي أنّه كان مسكوناً بروحها؛ التوحيدي "لم يبتعد عنها [أي الليالي] إلّا للاقتراب منها"، مثلما لم يبتعد حسن عن أطروحته إلا ليبقى قريباً منها، ولعلّ مدخله إلى ذلك استنتاجاته حول تأثير "الليالي" في كتاب "الإمتاع والمؤانسة": "يتألّف 'الإمتاع والمؤانسة' بشكل مدهش من أربعين ليلة، يتحدّث في أثنائها التوحيدي مع الوزير أبي عبد الله العارض، واللّافت للانتباه أنّه، مثل شهرزاد، يتكلّم بالليل، ويسكت مع اقتراب النهار، ثم إنّ أحد مواضيع 'الإمتاع والمؤانسة'، كما هو الحال في 'الليالي'، يُشير إلى العلاقة بين المثقّف وممثّل السُّلطة. لكن بخلاف ما يجري في هذين المؤلّفين، يجبُ الإقرار بأنّ 'المثالب' يصف، دون أي تنازل، إخفاق هذه العلاقة".

وجدَت نورا نفسها متورّطةً، بحُكم علاقتها بحسن، في مشروع بناء الحكاية، حكاية حسن البَصري عبر مشروع مشترك: "تأليف كتاب جميل، يُنجز فيه حسن ترجمة جديدة للحكاية، وتضْطلع هي بتصاوير، تُصاحب النص". لكن، هل ستبني نورا "حكاية حسن البَصري" أم أنّها ستبني حكايتها مع حسن ميرو على ضوء الحكاية في "الليالي"؟ هي التي قرأت التوحيدي في "المثالب" بالنيابة: "هو الذي كتب للرجال فقط، يحصل الآن على تقدير نسوي، ومن شأن هذا أن يخفّف مرارته. لقد شرع في رفع الإدانة التي استهدفت أحد كتبه، فضلاً عن أنّ ذلك تحقّق في لغة أخرى". كيف تحقّق ذلك؟ عبر ترجمة انتقائية بترت جزءاً من كتابه رُفض، باعتراف المترجم نفسه. هذا الأخير قال عن عمله إنّه يشتمل على 'مقتطفات مختارة من كتاب طويل جدّاً، قد يُعدُّ تكراراً وحشواً، لو تُرجِمَ بكامله' ومن تلقاء ذاتها أو ربّما بحدس داخلي استنتجت: "أعلم ما تريد الوصول إليه، تحاول أن تجعلني أصدّقُ أنّ النصَّ بُتر تحتَ تأثير تَطيُّرٍ ما، وأنّ المُترجم تصرّف بحذر، مثل ما يفعل الذين يستشهدون به جميعهم".

لعنة "المثالب" ستصاحب أيضاً الباحث الأميركي يوليوس موريس، فقد سافر مع زوجته نورما إلى إشبيلية مُصطحباً معه الكتاب قصد نقله إلى الإنكليزية، لكنّ تنبّؤات إحدى الغجريات ستجعله يعدل، إلى غير رجعة، عن فكرة إنجاز الترجمة: "إنّك ستؤلّف ثلاثة كتب قبل أن تموت". وبما أنّ موريس أصدر كتابين، فقد صار محكوماً عليه بالتوقّف عن الكتابة، والتخلّي عن مشروع ترجمة "المثالب" قيد الإعداد. هذا يُعيدنا إلى المنطلَق، فضول المعرفة يؤدّي إلى الموت، ولعنة الِكتاب القاتل تُرافق كتاب التوحيدي المَشؤوم، كتاب "المثالب"، بطل المَحكي السردي في "والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي".

شاعر ومترجم من المغرب







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي