"الطقس مناسب للموت" لزينب فيّاض رواية تضجّ بالحياة

2022-04-30

مارلين سعاده

شهدَت بيروت بين الثالث والثالث عشر من شهر آذار الفائت حدثاً ثقافيّاً بارزاً طغى على كلّ الأخبار، حتّى السياسيّة منها، إذ تأثّر بها وأثّر فيها... فبعد غياب سنتين عاد معرض بيروت العربي الدوليّ للكتاب في دورته الثالثة والستين متسربلاً بالأمل المشوب بالقلق الذي فرضته ظروف لبنان الراهنة. وقد كان بالنسبة لكثيرين أشبه بواجبٍ رسميّ، يؤرق المدعوّين إليه لما سيكلّفهم من مشقّة في تأمين الوقود شبه المفقود من السوق، لسيّاراتهم، أو العثور على سيّارة أجرة بسعر معقول، أو الإثقال على أحد معارفهم الذي أخبرهم أنّه سيزور المعرض، ليقلّهم معه... ومتى نجح أحد هؤلاء في سعيه، وحطّ الرحال في المعرض، قد يجد نفسه حائراً في خياراته بين أن يساير من دعاه إلى توقيع كتابه فيشتريه وهو غير مقتنع ربّما بموضوعه، أو مجبراً على اختيار الكتاب الأنسب سعراً لجيبه بين الكتب الأقرب إلى ذائقته واهتمامه، لا سيّما أنّ ثمن بعض الكتب حلّق حتّى بات أبعد من متناول اليد...

يسعى القارئ غالباً خلف اسمِ كاتبٍ معروف وناجح، أو كتابٍ نال حظّاً وافراً من الإعلان عنه والإشادة به، أو موضوعٍ يتابعه بشغف ويسعى للاطِّلاع على كلّ جديد حوله، أو كاتبٍ صديق يهمّه أن يلتقي به ويشجّعه، أو دار نشر يعلم أنّها لا تتبنّى سوى المنشورات القيّمة والجديرة بالاهتمام والقراءة... كما قد يحصل، وأنت تقوم بجولتك في المعرض، أن يشدّك عنوان كتاب لا تعرف كاتبه، أو ربّما لم تسمع به مسبقًا، يحرّضك لاقتنائه، ودخول عالمه، واكتشاف خباياه؛ فتنطلق في مغامرة حقيقيّة غير معروفة النتائج، إذ قد تقرّر بعد اجتياز شوط منها، التراجع، وقطع الرحلة، أو قد تشدّك فلا تتركها حتّى تصل إلى خواتيمها. لكنّ المغامرة الحقيقيّة تكمن في قبولك الغوص في رحلة غير مأمونة الدرب، تشوبها بعض العراقيل اللغويّة، فتبدو مسالكها غير معبّدة، ومع ذلك تجد فيها سحراً يشدّك للتقدّم واستكشاف بقيّة الطريق حتّى نهايته، والوصول إلى حيث يريد لك الكاتب أن تصل!

"الطقس مناسبٌ للموت"، #رواية ل#زينب فيّاض، صادرة ضمن "منشورات زمكان"، الطبعة الأولى 2022؛ يطغى على صورة غلافها اللون البنفسجيّ يغلّف مدينة يشوبها طقس ماطر يضفي عليها الحزن، ويهيمن على ملامح وجه المرأة التي تتصدّر المشهد. يوقعنا العنوان في حيرة، فنحن حين نسأل عن الطقس يكون هدفنا- في الغالب- التأكّد من سلامة خروجنا دون المخاطرة بالتعرّض لضربة شمس، أو لفحة برد، أو مواجهة عاصفة ثلجيّة، أو سيول جارفة... كما قد تحثّنا الرغبة للقيام بنزهة، فينصبّ اهتمامنا على اختيار الوقت أو الطقس الأنسب للقيام بمشاريعنا؛ لكن، أن نعتبر الطقس مناسباً للموت، فهنا يكمن اللغز، وتبدأ التساؤلات تراودنا لمعرفة السرّ.

منذ عتبة الرواية، يطالعنا الإهداء الصادق والمؤثّر الذي ينمّ عن رهافة إحساس الكاتبة:

"لروح

ابني المميّز..

للون الحبق في عينيك

لمواسم الكرز في ضحكتك

وعناقك الشهيّ الأبديّ

إلى علي الرضا

الذي غادرنا مبكّراً".

ثمّ يلفتنا خلال الرواية تركيزها على شخصيّة الولد المصاب بشلل دماغيّ، تضعه في مرتبة رفيعة وسط أسرته، فهو بين أخويه المتعلّمَيْن (الطبيب والعامل في السلك الدبلوماسيّ) يبدو "كشاة في إمبراطوريّة فارسيّة. نائم على عشق وثير يغمره اهتمام مخمليّ يظلّله تفهُّم ووعي من حرير" (ص 27). وفي موضع آخر تقول: "قلب أخي المصاب بشلل دماغيّ أكثر حيويّة من كلّ القلوب التي عرفتها. جسده الهشّ في داخله قلب مخمليّ وروح ممتلئة بالفرح" (ص 77).

تنجح زينب فيّاض خلال السّرد في استخراج الحِكَم من حوادث الحياة البسيطة، تنقلها بشفافية، تُظهر الواقعة ونتائجها، وما يمكن أن تأتي به من احتمالات أخرى، لتخرجَ بالخلاصة الطبيعيّة لما عرضته، كأنّها تقوم بعمليّة حسابيّة دقيقة ولكن بسيطة، ولا يمكن أن تكون نتيجتها سوى ما خلصت إليه وكشفته في روايتها التي ضمّنتها كلّ هواجسها؛ فهي تعتبر "الروايات أولادنا وذاكرتنا وأسرارنا الصغيرة" (ص 8). من ناحية أخرى، تشير إلى "أنّ عصر الحداثة قد أتاح للأدباء والرواة العبث بالكتابة. هي أناتهم، هم سلاطين الحكايات وجلّادوا (كذا) التقاليد والقوانين الأدبيّة" (ص 11)، وبعض "الكتّاب يدفنون جثث أفكارهم المشوّهة في رواية" (ص 20). فالكتابات- برأيها- هي مرآة كوكبنا، المرآة التي تحاول أن تفاجئ الله بواقع عالمنا، الله المتواري عنّا ويراقبنا، كما تقول. وتبدو مدركة تماماً لدورها الجوهريّ في الرواية: "نحن الرواة آلهة رواياتنا، نقرّر ما نشاء وكيفما نشاء، نحن القضاء والقدر لكلّ الذين جلبناهم إلى صفحات القصص، خلقناها من خيالنا الشره". (ص 12) وفي موضع آخر تقول: "كتاباتنا  أولادنا الذين  ننجبهم من رحم مشاعرنا وأفكارنا وها أنا قد أنجبت رواية مسكونة باللعنات" (ص 84).

تخوض الكاتبة في الرواية مواضيع إنسانيّة واجتماعيّة وفلسفيّة؛ تقول إنّنا لو استشرنا كلّ طفل يأتي إلى الحياة تاركين له حرّية اختيار أسرته، لنجا الكون من تراكم الأمراض النفسيّة. وتكشف من خلال مثال بسيط، هيمنة الفكر البشريّ على الطبيعة والمخلوقات، فالشجرة القائمة في المقهى الذي يرتاده بطلا الرواية، يتغيّر لونها باستمرار، ليس تبع تغيُّر الفصول فحسب، وإنّما تبع تنوّع طقوس البشر وأهوائهم؛ فتارة تتزيّن بقناديل رمضان، وأخرى بزينة الميلاد... مؤكّدة لنا أنّ الشجرة "ثابتة ولكنّ البشر ملعونون، يحمّلونها كلّ موبقاتهم وأفكارهم وثقافتهم وعنصريّتهم" (ص 21). ثمّ تستشهد برواية لـ خوسيه فاسكونسيلوس، "شجرتي شجرة البرتقال الرائعة"، موظّفة ثقافتها ومعارفها بطريقة تنسجم مع الصورة التي تريد إيصالها، أكان من ناحية الشكل أم المضمون، مطعّمة السرد بأمثلة من أقوال كبار المفكّرين مثل فرناندو بيسوا، وستانسلاف ليتس القائل: "لا تقابل الناس بأذرع مفتوحة، سيسهل صلبك". كما لا تتوانى عن إعلان موقفها الشخصيّ أو رأيها الخاصّ فيهم، فـ "كافكا ليس سوى كاتب طبيعيّ يعيش في مجتمع مخبول لم يفهمه"، و"سيوران كان يحثّنا على فهم الحياة  كي نستمر من الولادة حتّى الموت دون عقد نفسيّة" (ص 19)، مؤيّدة قول أمبرتو إيكو: "الحماقة سلوك اجتماعيّ"، مضيئة على روايته "بندول فوكو"، كما على الفيلسوف ميشال فوكو الذي نوّهت بكتاباته. من ناحية أخرى، تتقن رسم الشخصيّات وإنطاقها بما يتلاءم مع ما تريده لها من أنماط فكر أو انفعال.

تعالج زينب فيّاض في روايتها العديد من الأفكار المتوارثة في مجتمعاتنا العربيّة، ساعية إلى إبراز التشوّه فيها أو مسبّباتها ومخلّفاتها، كموضوع الخيانة الزوجيّة التي تكون فكرتها- في الغالب- متولّدة من "الخيالات والتصوّرات المتوارثة من مؤسّسات... [الرجل] الدينيّة والأسريّة وثقافة السلطة الذكوريّة" (ص 53). وتشير إلى أنّ "البشر مفطورون على الانقياد نحو قائد ما غيبيّاً كان أم بشريّاً. الانتماء إلى قبيلة أو عشيرة أو جماعة ما." مضيفةً: "نحن صور عن الانهزاميّة مهما حاولنا التفلّت من كلّ القيود" (ص 66). ثمّ تأتي بعد ذلك بخلاصة قد يكون أوصلها إليها تأمّلها في واقع البشريّة، فتطلقها على لسان بطل الرواية، حيث يقول: "البشريّة تختلق الأسباب والنتائج لتخفّف عن الله كلّ هذا الجنون الكونيّ. هكذا تبدأ المعتقدات بالانتشار وكلٌّ منّا يتبع ما يهواه وما يُشعره بالراحة" (ص 78). ورغم ذلك، نجدها في موضع آخر تلجأ إلى الله الذي سبق وحمّلته الذنب في كثير من الأمور، كالسلطة الذكوريّة "البطريركيّة- وفق تعبيرها- التي منحها [الله] لفئة لتقوم بممارسة الظلم تحت لوائه. هو الله نفسه الذي أعطى للرجل صلاحية الزواج من عدّة نساء تحت شروط... واهية، تؤمّن له ذريعة تعدّد الزوجات..." (ص 83).

في القسم الأخير من الرواية، تأخذنا الكاتبة معها في سياحة مبهرة إلى بلاد فارس، ترسم لنا بوضوح المواقع التي تمرّ بها، فنراها بعينيها تضجّ بالألوان؛ تشدّنا مشاهد حقول الزعفران المتوهّجة بالحياة خلال موسم القطاف، ويأسرنا السرد المفعم بالحركة والحياة عند لقاء الأم بابنها في بلاد فارس، حيث يبدو لنا كلّ شيء ساحراً مضمّخاً بطيب الزعفران ونقاء طويّة "نينار" الأم و"سرمد" الابن؛ يكشف هذا اللقاء خبايا النفس البشريّة وتعقيدات العلاقات الإنسانيّة والمجتمعيّة، حيث تعلن "نينار" الأم والكاتبة والرسّامة، أنّ المرهفين هم "ودائع  الله على الأرض، ظلال الجنّة، فلا يخرج من أرواحنا إلّا الجمال وإلّا أصابنا الإحباط"، وتتابع حديثها مع ابنها الكاتب قائلة: "لذلك اكتب يا صغيري يا وارث روحي المتعبة" (ص 135-136).

يلفتنا أسلوب الكاتبة في مزج العطر مع اللون، بشكل ينمّ عن إحساس مرهف ومعرفة أكيدة وعميقة بالروائح والرسم والألوان، وأبعادها في ثقافة بلاد فارس، حيث تأخذك لتقوم معها بجولة مُغرقة في تاريخ هذا البلد وتقاليده. يشدُّك ما تخرج به، على أثر مشاهداتها، من لوحات ومقاطع من الأدب الرفيع الآسر، وإن شابته أحياناً بعض الأخطاء اللغويّة التي طغت على بعض المواضع فحجبت شيئاً من جمالها كما يحجب التراب الذهب الخام.

تمتاز الكاتبة أيضًا بالحسّ الشاعريّ، فتنقل لنا مشاعر إنسانيّة سامية بلغة شعريّة جميلة، على بساطتها، كما في الفصل الذي تتحدّث فيه "شيرين" بطلة الرواية عن مشاعرها الجيّاشة خلال الثورة، جرّاء سفر حبيبها "سرمد"، فتناجيه بشوقِ عارم، لا سيّما أن التواصل بينهما معدوم: "لو أنّك هنا أيّها المتواري في حقول القرى النائية، ليتك هنا تراقب معي هذا المهرجان الثوريّ. بيروت تبدو كطائر الفينيق، انتفضت، اشتعلت، احترقت، والآن تعود لتنفض رماد القسوة والظلم والفساد. تحرّك جناحيها قلقة مضطربة قويّة عنيدة... رغم كلّ معاناتها وشهقات الموت التي توالت عليها  ورقصات الفرح التي رافقتها.. أعشقها كطفلة صغيرة، كبائعات الهوى، كجنديّ فقد ذراعه، كفقير يشحذ كسرة الخبز من القمامة، كأغنية فيروز الوديعة، إنها بيروت فتاة الغنج والدلال، يتيمة المدن، بيت قصيد الشعراء، لديها ما يكفي من الموانئ لتتصيّد الغرباء التائهين الفارّين من انكساراتهم. آلهة الحبر والورق، كلّرصيفٍ فيها بألف أغنية، ولّادة المستحيلات والتناقضات، ابنة السماء المدلّلة، مدينة المؤمنين والملحدين واللاأدريّين، صاحبة الطوائف، عشيقة المذاهب. القدّيسة التي هربت من أسوار العبوديّة..." بيروت التي "استشهدت على أيدي حكّامها..." (ص 98-99).

نجتاز القسم الأكبر من الرواية قبل أن نجد أنفسنا قد وصلنا إلى تاريخنا الحديث، ففي الثلث الأخير من الرواية تتكشّف لنا أحداث عاشها العالم، وعشناها في لبنان تحديدًا منذ انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، حين أصبح "الطقس مناسبًا للثورة"؛ تتولّد الأحداث بشكل تلقائيّ جرّاء ما يستجدّ من أزمات، وما يليها من "ندوات في ساحة الصلح وساحة الشهداء. لقاءات متلفزة مع أقطاب المعارضة والموالاة. إغلاق الطرقات عنوة  وبعض الشغب والكثير من الحنق على أمراء الحرب الأهليّة، الذين تولّوا حكم البلد بقراراتٍ سياسيّة دوليّة..." (ص 87).

تتواتر الأحداث بشكل تصاعديّ متسارع، من ثورة 17 تشرين إلى وباء كوفيد19 الذي بدّل وجه الأرض، فـ"العالم بعدَ كورونا ليس كما قبله، حالات الهلع تستشري في النفس البشريّة. التغيّرات المجتمعيّة بكلّ أبعادها اجتاحت العالم، الموت القادم، الجنوح نحو العزلة الاختياريّة، توقّف رئة العالم عن الاستمرار بالتنفّس..." (ص 107)، وصولا إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وما تلاه من كوارث، والأزمة الاقتصاديّة وتدهور سعر العملة. لقد حشدت الكاتبة كلّ الأحداث الكارثيّة في الجزء الأخير من الرواية، فكان لها الدور المفصليّ في ترتيب النهاية إذ وظّفتها لإيصال خلاصة تصوّرها لواقع كلٍّ من أبطالها، والأبعاد الإنسانيّة والروحيّة العميقة التي استطاعت أن تخرج بها بعد كلّ ما عاشته من صراعات، هي التي نلمس ملامح من شخصيّتها وفكرها موزّعة كأجزاء "البازل" داخل كلّ شخصيّة من شخصيّات الرواية.

يهيمن واقع الطقس على القسم الأخير من الرواية، فنجده مناسباً لكلّ شيء، ونشعر أنّ طقس الرواية في معظمه، ولا سيّما في القسم ما قبل الأخير، مناسبٌ للحياة بأبهى تجلّياتها، فنتساءل ما الذي دفع الكاتبة لجعله مناسباً للموت تحديداً؟! لكنّنا لا نلبث أن نكتشف أنّ الموت أقوى وأصفى من الضعف الذي يكتنفنا!

"الطقس مناسب للموت"، رواية تضجّ بالحياة، تضع أعين أبطالها وجهاً لوجه مقابل عيون الموت، تتحدّاه بعيونهم، وتبثّ الفرح في عالمهم من خلال كلماتها وخلاصاتها العميقة، رغم هيمنة الموت على واقعنا. رواية تستحق أن تشارك في الجوائز العالميّة للرواية- شرط العناية بلغتها - كونها تختصر بأقلّ عدد من الشخصيّات، واقعَ شعوب كثيرة، وجزءاً مهمّاً من تاريخ بيروت الحزين.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي