«حديقة لكسمبور» للتونسي عبد القادر بن الحاج نصر: كتابة الذاكرة ومطابقة المرجع

2022-04-24

رياض خليف

ليست الكتابة عن باريس ويوميات الرحيل إليها نزعة جديدة في الأدب العربي. فقد شهدت المكتبة العربية مؤلفات عديدة تقدم مشاهدات مؤلفيها في باريس وتنقل انبهارهم. ولعل أبرزها «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة رافع الطهطاوي و»حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي. ويبدو أن هذه المدينة استطاعت أن تغوي الكتاب العرب ليكتبوا عنها باستمرار. فلم تنقطع كتابة باريس عن الكتاب العرب ممن ظلوا يقدمونها نموذجا اجتماعيا وثقافيا وإصلاحيا.

وها هي تعود من جديد في العمل السردي الأخير «حديقة لكسمبور» للروائي عبد القادر بن الحاج نصر، الذي يكتبها كتابة مغايرة ليست كتابة تمجيد لكنها كتابة لذاته فيها ولمعاناته. فليست باريس في هذا العمل درسا للاعتبار به، لكنها مجرد فضاء للذاكرة، يعود إلى كتابتها من جديد بعد أن راودته في مجموعته القصصية «حكايا باريس». فهذا العمل الجديد الذي اكتفى المؤلف بإدراجه تحت التصنيف الأجناسي «رواية» المرسوم على غلاف، يدخل ضمن الأدب السيرذاتي، وهو من أنواع الأدب الحميم، على حد تعبير الصادق قسومة.

ويمكن اعتباره سيرة ذاتية روائية. وهذا التصنيف الفرعي ضمن أصناف السيرة الذاتية يلتزم بالمطابقة ويغلب عليه المرجعي وهو منسجم مع الميثاق السيرذاتي الذي رسمه فيليب لوجون، على غرار «رحلة جبلية صعبة ورحلة أصعب» لفدوى طوقان و»الأيام» لطه حسين. فهو عودة إلى الذاكرة ونهل مما تلقى عالقا فيها. وهو ما يبدو في هذا العمل حيث يستسلم الكاتب لذاكرته، مستعرضا سنوات من تجربته الحياتية، وتحديدا سنوات الهجرة إلى فرنسا بسبب الدراسة، سنوات المغامرة والظروف القاهرة ـ ساردا معركته مع الحياة وصراعه المرير مع الخبز وبحثه عن غرف النوم، متحدثا عن سنوات قلق وتململ انتهت بحصوله على عدد من الشهادات الجامعية العليا ودروس عند كبار الباحثين من بينهم محمد أركون، معرجا في الأثناء عن ذاكرة تونسية محلية، متحدثا عن ذكريات عوداته المختلفة إلى العاصمة وإلى القرية. وهو بذلك يؤرخ لتجربته ويكتب خفاياها، معترفا بالجميل للكثير من الأشخاص ممن ساعدوه في هذه المراحل، ومدوا له يد المساعدة.

فضاءات الذاكرة

تتجلى مرجعية هذه السيرة في ما طافت به الذاكرة من فضاءات، بعضها في فرنسا على غرار مكتبة سانت جنفياف ومكتبة دار الآداب العربية ودار تونس في باريس، وبعض الشوارع الباريسية مثل «شارع سان ميشال كم هو طويل وجميل جذاب بمكتباته بمغازاته بمقاهيه…» أو شارع جوردن، إضافة إلى الحديقة الشهيرة في العاصمة الفرنسية التي اتخذها عنوانا، وسبق أن عاش فيها أزمنة تشرد ورحيل…». حديقة لكسمبور، أشجار مصفطفة حول مسارات، بعضها معشب وبعضها مسفلت، كل ما في الحديقة كسطر بحساب ومعد بمقدار. الحوض الدائري الكبير المملوء ماء صافيا رقراقا، حوله الأطفال يسيّرون عليه مراكبهم الصغيرة». أما البعض الآخر من الفضاءات فيرتبط بالوطن وبتونس. وتعود الذاكرة إلى العاصمة التونسية فيذكر الروائي العديد من شوارعها وفضاءاتها الثقافية من ذلك، هذا المقر الذي تذكره وهو في باريس « تذكرت فاعتصرني إحساس بالبكاء. نهج روما مقر صحيفة العمل وملحقها الأدبي». ويذكر الكاتب أيضا بعض فضاءات قريته بئر الحفي وسط البلاد. فهذه السيرة تحمل تطابق الفضاءات مع المرجع الخارجي، ما يدعم انتسابها إلى الذاكرة لا إلى الخيال، ما يتعمق بذكر أسماء شخصيات ذات وجود حقيقي تنتمي إلى المجال المعرفي والثقافي أو المجال الاجتماعي.

شخصيات الذاكرة

تمر هذه السيرة بشخصيات كثيرة لها وجود تاريخي ومكانة رمزية، ولعل أهمها ينحدر من الوسط العلمي الفكري والثقافي من ذلك الحديث عن أساتذته وفي مقدمتهم محمد أركون. وتتحول هذه السيرة إلى شهادات عن الوضع الثقافي التونسي فيذكر محمد العروسي المطوي بحب كبير، ويشير إلى الكثير من خصاله. « تذكرت. لاح لي طيفه. مرّ سريعا أمام ناظري العروسي المطوي وهو يسير في نهح روما ويصعد إلى الطابق الأول حيث دائرة الدراسات الاشتراكية. يفتح باب مكتبه كل صباح ويجلس على المقعد الجلدي ينكب على الكتابة. فلا يرفع رأسه إلا حين يطرق الباب أحد الأدباء الشبان. فيستقبله بابتسامة عريضة».

ويتحدث أيضا عن الشاعر أحمد اللغماني، وهو في الإذاعة القومية التونسية التي سبق للروائي الاشتغال فيها.. متذكرا وقائع له معه. والحقيقة أن الحديث عن التجربة الإذاعية يحيلنا إلى تعالق بعض ما ورد في هذا الحديث مع بعض أعمال الكاتب الأولى. فهناك أصداء لـ«صاحبة الجلالة» و»زقاق يأوي رجالا ونساء». وهو ما يعني أن التجربة الروائية لعبد القادر بن الحاج نصر تحتضن الكثير من السيري الذي أعاد الروائي تشكيله روائيا.

ويمكن القول إن هذا النص السردي يكتب لنا مرحلة من مراحل حياة وجوه كثيرة لعبت أدوارا مهمة في المشهد. فيبدو بن الحاج نصر كاتبا لنوع من الشتات الأدبي التونسي في فرنسا في تلك الفترة. فإلى جانبه كان هناك عامر بوترعة والطيب الرياحي وعبد الحق شريط وأحمد ممو وآخرون. ومما يدخل في هذا الإطار لقاؤه بالشاعر عامر بوترعة.

«مفاجأة أن التقيت بالشاعر عامر بوترعة مرحا، يتفرج على المعروضات عبر واجهة مغازة للملابس الجاهزة، مرحا يتقدم ويتأخر، مرحا يميل رأسه نحو كتفه اليمنى ثم نحو كتفه اليسرى…يا الله أنا وعامر بوترعة في الحي اللاتيني…خفيفا نشيطا مبتسما… بين مغازة وأخرى يقرأ لي قصيدة فأتوقف وأطلب منه أن يعيد القراءة».

وتغلب على حياة هؤلاء حالة التشرد والخصاصة والاضطراب. فهم جميعا في حالة كدح وصراع مع الخبز اليومي، وهو ما يتضح من دردشة السارد مع الراحل عامر بوترعة:

« – هل التقيت بالشاعر سويلمي بوجمعة؟ هل عثرت على عبد الحق شريط المذيع السابق صاحب الصوت الجهوري، هل اصطدمت بالشاعر الطيب الرياحي؟

سألته متعجبا:

ما الذي جعلك تسرد عليّ أسماء هؤلاء دفعة واحدة؟

رف شاربه ولمعت عيناه.

– لأنهم مثلنا من زمرة الأشقياء… متعبون مشردون… حين يلتقي أحدنا بالآخر يبادره بالسؤال. هل تسقيني قهوة.. هل تمكنني من سلفة تستردها مني غدا. وكلنا يعرف أننا كذابون نصابون لكن في إطار الأخوة الخالصة».

ويمكن القول في نهاية المطاف إن «حديقة الكسمبور» ليست درسا حول الحضارة الغربية، بل هي درس في التضحية ومقاومة الصعوبات. فالروائي يكتب مغامرته ويتذكر معركته من أجل المعرفة والعلم. لكن الطابع المرجعي لهذا العمل لا يخفي طبيعته الأدبية. فالسيرة الذاتية الروائية لا تتخلى عن لغتها الأدبية وعن جمالياتها. وهو ما يسجله قارئ هذا العمل. فعبد القادر بن الحاج نصر يصيغه صياغة أدبية حيث يعطي للوصف ولجماليات اللغة وللتشويق مكانة مهمة.

كاتب تونسي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي