"أفاعي لاماتشو" لـ كاصد محمد: مفكرة أسطورية عن الموت العراقي

2022-03-29

حسن أكرم

في "أفاعي لاماتشو"، يقدّم الكاتب العراقي كاصد محمد مجموعة قصصية تضم أربعة عشر نصاً تتباين في الشكل الفني والإيقاع، لكنها تبدو كسردية واحدة توثّق الحياة اليومية لعراق ما بعد 2003. ينبّهنا الكتاب إلى حقيقة واضحة على امتداد التاريخ العراقي، فمنذ قصة الأم لاماتشو حتى العراق الجديد، تبدو قصة العراق أنها سردية انكسارات وحزن واحدة دون انقطاع.

ينتمي كاصد إلى جيل ما بعد 2003 أو جيل القطيعة، حيث يمثّل عمله "أفاعي لاماتشو" (منشورات المتوسط، 2022) امتداداً لما كتبه مجايلوه في محاولات لمراقبة انهيار الدولة وانبثاقها من جديد وما تبعه من آثار نفسية على الفرد العراقي، وليس قبل المرور بالاقتتال الطائفي.

يحاول الكاتب العراقي في مجموعته القصصية أن يُنشّط الذاكرة العراقية بما مر بها مؤخراً، فلا يترك للأفراد فرصة أن يتجاوزوا ما مروا فيه من حروب احتكار العنف وإلغاء الآخر.

يبتدأ كتابه بقصة طويلة تتجاوز ثلاثين صفحة، بشخصيات تملك سيرة ذاتية متكاملة، كأنها شخصيات هاربة من روايات مكتملة، هذا ما يسهل عليك الانزلاق لفضائه التخييلي، فسرعان ما تجد نفسك قد تداخلت مع الأماكن والأحاديث، التي ستشعرك بادئ الأمر بالسخرية والبساطة، ثم فجأة تجد أن حدثاً خطيراً ينمو مع السرد الهادئ.

تكمن صنعة الكاتب في قدرته العالية على التحكم بإيقاع القصة صعوداً ونزولاً، ثم سريعاً ينتقل من البناء الكلاسيكي للقصص إلى الكتابة الحديثة للقصة، حيث نجد ذلك واضحاً في قصة "أفاعي لاماتشو"، وهذه القصة بالذات تأتي كعقوبة للقارئ، أنت تعرف النهاية ولا تود المواصلة والتوحّد بذلك الألم المكتوب، لكنك تسير إلى حتفك واعياً بما تفعل، وهذا ما يحسب للكاتب الذي لم يترك لك فرصة التخلّي عن القراءة والتنصّل.

ثم يعود كاصد ليثبت لنا في قصصه رغبته الجادة في التنويع والتجريب، حيث ينتقل إلى شكل جديد في الكتابة في قصة "السلاح لا يحمي"، في شكل مسرحية من ثلاثة مشاهد تكشف عن حيرة الظالم لا المظلوم في محنته المستمرة مع المصيبة العراقية.

كل تلك التنويعات تخدم نصاً واحداً مكثفاً عن الحرب العراقية المستمرة، سواء أكانت مع الآخرين أم مع أنفسهم، ثم ينتقل الكاتب في وصف سِيَريّ أقرب ما يكون إلى سيرة مجتزأة من حياته، وكأنه يعتمد على عمله الأكاديمي في دراسة الأدب المقارن ليوفق في كتابة مقارنة من نوع آخر، مقارنة ساخرة بين الخوف عند الإيطاليين والخوف العراقي، ففي قصة "ليلة في ماجيرتا" يعقد كاصد مقارنة واضحة بين الخوف من هزة أرضية ضربت المدينة لعشر ثوان وما مر به من تنويعات على الخوف في العراق، حيث يقول: "كنت طفلاً في الثمانينيات. كبرتُ مع الحرب، والبكاء، والثياب السود، والموت والشهداء والجرحى، والمبتورين والمشوَّهين. كنتُ صبياً في التسعينيات، أيَّام الانتفاضة والحرب الداخلية، والقصف على قريتي الصغيرة، والألغام التي نُثرت في القرية، كان الموت والدم والقتلى في كلِّ مكان".

أما في قصة "أفعى برؤوس ثلاثة" فيحاول الكاتب أن يلاحق أوهام الإنسان العراقي حتى بعد مغادرته حروب العراق، فيروي لنا قصة حاسمة عن الأثر البليغ الذي تركته ترسّبات الحروب والاقتتال الطائفي في النفس العراقية، فما إن يغادر العراقي بلده حتى يظن أنه صار مواطناً آخر تاركاً وراءه الحرب والمذابح، إلا أنها سرعان ما تلاحقه وتسيطر عليه، وتدور في رأسه طوال الوقت ولا يمكنه النجاة منها.

وتروي لنا قصة "كلاّ، أنت لم تقتل ياسين، أنت قتلت جاسن، جاسن بيري البطل الأميركي" عن حادثة قتل على شواطئ سانتا مونيكا الأميركية بطلها عراقي موهوم، حيث تتناقل وكالات الأخبار عنه مرّة أنه إرهابي، ومرّة أنه سايكوباتي فاقد للعقل، وهنا إشارة مخفية عن دور أميركا في تحويل العراقيين إلى متطرفين ثم الإشارة إليهم بالإدانة.

في هذا النص، يمكننا تأويل خطاب الكاتب حول دور أميركا في ما انتهى إليه المهاجر العراقي، فيبدو كنتيجة للحروب التي خاضتها أميركا ضده، فما إن انتهت تلك الحروب، حتى صارت أميركا نفسها تدفع الثمن. 

كاتب من العراق







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي