الكتابة الصدمة وصدمة الكتابة في رواية «عواصف رعدية»

2022-03-20

محمد تحريشي

لعل كل كتابة ترمي في جملة ما ترمي إليه أن تبني جسور تواصل بينها وبين القارئ، وهي إذ تسعى إلى ذلك فقد تنسف جسورا أخرى مرّ عليها من عبروا إلى نصوص سابقة، وفق تقاليد قرائية ترسخت بفعل نشاط فعل القراءة الرامي إلى إنتاج معرفة بالنص. وفي الوقت ذاته قد تؤسس الكتابة لتقاليد جديدة في قراءة النصوص انطلاقا من استراتيجية الهدم والبناء؛ ومن ثم قد تعوّل على خطاب بين اللين والشدّة، وبين العنف والمهادنة، وبين التصريح والتلميح، وبين الجرأة والسكوت، بل إنّ الكتابة قد تغادر أي سلمية وحبية أمام القارئ، فتتجاوز الجرأة إلى الاستفزاز والتصادم فتتناول ذلك المسكوت عنه والمحرم والتابو، وما قد يتحاشاه الناس في جلساتهم العامة. إن الكتابة وفق هذا الطرح تصبح صدمة وصادمة وعن الصدمة ومن أجلها.

إن الكتابة الصدمة هي رؤية فنية وقيمة جمالية وموقف فكري ومنطلق أيديولوجي للكاتب، وقد يكون طرحه هذا صادما للقارئ ومخلخلا، لكل ما يمثل الثبات والاستقرار لديه. وكما يقال هناك العلاج بالصدمة، فإن هذه الكتابة الصادمة ترى نفسها قادرة على تقديم البديل لهذا المجتمع البشري الغارق في تقاليد بالية وقديمة وتقليدية، ومن ها هنا تتوجه للكتابة عن الهامش وعن السلبي، للوقوف عند أسباب التخلف والتحجر.

إن صدمة الكتابة هي ذلك التيار الفني الجارف الذي يجعل القارئ مصدوما بقدرة النص على أن يتجاوز تلك الحدود المألوفة والمعتادة، ما دام أن المجتمع مريض ولا بد له من حصص علاجية، ومن ثم تصبح الكتابة علاجا بالصدمة، وعن طريق صدمة الكتابة، يتطهر القارئ من تلك الوضعيات المرضية، ومن ثم تقوم الكتابة بتنوير المجتمع وهي تكشف عما يريد ستره وتغطيته. لكن هل يجوز التنوير عن طريق الصدمة؟ وهل يمكن النصيحة في زمن الفضيحة؟ وإلى أي حد تؤدي صدمة الكتابة إلى الوعي بالذات ووعي الذات بالذوات الأخرى؟ مجازفة كبيرة أن نكتب للآخر كتابة قد تشكل صدمة لنا في واقع لسنا متحكمين فيه، وفي آليات اشتغاله وميكانيزمات حركته وتبدلاته وتحولاته.

رواية «عواصف رعدية» للكاتبة هنية بن ساهلة صادرة عن منشورات فرانز فانون، تندرج ضمن الكتابة الصدمة، والكتابة بالصدمة والكتابة عن الصدمة، وقد اختارت هذه الرواية محطات مهمة عن حياة شخصية لا نعرف لها اسما، ولا صفة ولا نسبا، شخصية لها وظيفة محددة في الزمان وفي المكان، ومتحركة في فضاء مفتوح طبيعيا ومنغلق حضاريا ومتنوع ثقافيا.

تقف الرواية عند مفارقة مهمة وهي صورة فرنسا الاحتلالية في زمن الاستعمار وفرنسا في زمن الهجرة الحالية.. «أتظن؟ لا تكن ساذجا! يقال: دون ثقافة ولا حضارة! تصبح النزعة العرقية الأساس النهائي للصرامة، حتى جول فيري الحكيم العظيم.

إن رواية «عواصف رعدية» رواية عن عذابات المرأة، وعن قهرها وعن استغلالها وعن جنونها وعن فرحها، وعن سعادتها وفرحها، وعن خيبات أملها المتكررة، رواية عن ضرورة أن تعي المرأة واقعها، كونها امرأة في ذاتها، وتعي أيضا أن وعيها هذا مرتبط بوعي أخريات، ومن ثم فلا بد من الوصول إلى وعي جمعي؛ ولعل هذه الكتابة هي تنويرية تسهم في التأسيس لهذا الوعي بوضع المرأة عموما وليس بوضع امرأة بعينها.

بنيت الرواية على ثلاث محطات مهمة من حياة هذه الشخصية الراوية للحكاية، وكانت المحطة الأولى لما كان عمرها ثمانية عشر عاما وهي في بداية حياتها الجامعية، لتعري هذا الواقع من الداخل، فتكشف عن بعض الانحرافات في الإقامات الجامعية، وما تتعرض له بعض الطالبات لما يبلغ قصور الوعي مبلغه، وتعتقد أن الثورة على التقاليد والأعراف في المجتمع هي السبيل إلى التحرر في مجتمع متخلف. اختارت الرواية لغة صادمة قوية تجاوزت المألوف في الخطابات النسائية في مواضيع كهذه، ولعل المقصود هو خلخلة تقاليد قراءة مثل هذه النصوص والعبث بدرجات تلقيها؛ إلى درجة أن القارئ قد يتساءل هل أن الكتابة الروائية تستهدف جمهورا من العائلات والأسر، أم أنها تسعى إلى تنوير أفراد وتنمية وعيهم فرادى، ومن ثم الوصول إلى وعي جديد لتفجير العائلة من الداخل، بالكشف عن بعض العورات فيها، التي إن كانت محدودة أو محصورة، فإن الإبداع يركز عليها لتبدو للعيان وكأنها نشاز خارج النظام.

أما المحطة الثانية فهي في سن الخامسة والثلاثين لما تنتقل هذه الشخصية من الجزائر للعيش في فرنسا؛ ظنا منها أن هذا التحول سيبعدها عن الاستغلال والظلم في مجتمع متحرر ومتحضر، يرعى الحقوق ويضمن الواجبات، لكنها ستتكشف أن واقع المرأة المغتربة أشد ظلما وأكثر استغلالا، وأن العلاقات الاجتماعية، وإن بدت عادلة، هي علاقات معقدة ومركبة في نظرتها للمرأة. تقف الرواية عند بعض مظاهر هذا الاختلال في نظام أكثر فردانية وذاتية، حيث يصبح الكلب، هذا الحيوان الأليف، هو الرفيق والجليس والأنيس والصاحب. إن الفردانية والذاتية قد تكون سببا في ضياع بعض الحقوق..»سبب المذبحة يُعزى إلى الهوى من الطبيعة! يموت الناس لأن الجو حار.. لا يموتون لأنهم «أحرار». من أي مرفق، يريدون «أن يكونوا» بصيغة المفرد، يتصور الجميع سعادته في فردية كيانه. صيغة المفرد، لكن أين السلطات؟ في عطلة! والناس الكرماء أين هم؟ الصحافيون ليشرحوا لنا: إنهم في إجازة أيضا. ها هم الشيوخ الذين تخلى عنهم العالم الحديث يموتون لوحدهم، كالوحوش المتعبة بجفاف لا يرحم، لم يعد يمتلك القوة للالتحاق بالقطيع الذي يهاجر إلى بيئة مناسبة».

كانت المحطة الثالثة في سن الخمسين ومشروع زواج محكوم عليه بالفشل؛ لأنه غير متوازن، وربما أخطأ وقته. تتزوج الراوية برجل من أصول تونسية، ومن ثم تكشف عن اختلالات أخرى للعائلة العربية في مجتمع غربي، فمن جهة هناك سعي للتكيف مع الوضع الجديد المرتبط ببيئة أوروبية لها نظرة خاصة للزواج، ومن جهة هناك نزوع أنثروبولوجي للحفاظ على ما تبقى من خصوصية العائلة عند العرب».. نحن في القرن الحادي والعشرين. استيقظ! لقد قلتها للتو: نحن في فرنسا! حتى لو كان الزواج مسموحا به في الغرب كممارسة عفا عليها الزمن، لا يزال الالتزام الأخلاقي في رأيي أهم. أنت لا تعتقد أنه شرعي؟ للأسف، لقد كانت حقاً تحبك وأرادت فقط أن تفهم ما توقعته منها.. وبصراحة – أنت تخيب ظني». هكذا تتابع الرواية في عرض مشاهد صادمة عن واقع مرير ومشحون في فرنسا إلى درجة جعلتها تشعر بأنها تعيش في كابول وليس في فرنسا. «مجرد سؤال صغير يزعجني: أنا في باريس أو كابول؟». ومجرد هذا التعجب أو الاستغراب أو حتى الاستفسار، يحيل إلى مرجعيات في التفكير وفي التجلي وفي التلقي، ومجرد الربط بين العيش في فرنسا والعيش في كابول مدعاة للصدمة، ما دام يجمع ما هو متباين في شكله ومضمونه.

تقف الرواية عند مفارقة مهمة وهي صورة فرنسا الاحتلالية في زمن الاستعمار وفرنسا في زمن الهجرة الحالية.. «أتظن؟ لا تكن ساذجا! يقال: دون ثقافة ولا حضارة! تصبح النزعة العرقية الأساس النهائي للصرامة، حتى جول فيري الحكيم العظيم.. للحديث عن الاستعمار في شمال افريقيا، «هناك أحقية الأجناس المتفوقة مقابل الأجناس الأدنى.. إذا كان لدينا الحق في الذهاب عند هؤلاء البرابرة، فذلك لأن لدينا واجب لتحضيرهم.. ينبغي عدم معاملتهم على هذا النحو على قدم المساواة، لكن ضع نفسك من وجهة نظر العرق المتفوق الذي ينتصر». هذا هو المحرك لما كان يعرف في ذلك بالتهدئة، الذي يقوم على إدخال هذه الشعوب المتوحشة إلى الحضارة. فهل تغير الوضع؟ ومتى يكون الإقلاع لهذا العقليات لتدرك عالم الحضارة؟ هكذا يصبح المنفى وطنا، بلدا يدعى المنفى.

كاتب جزائري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي