الأزمة في كازاخستان.. هل باتت روسيا أمام خطر تكرار السيناريو الأوكراني؟

2022-01-06

قُتل 8 عناصر من قوات الأمن والجيش وأصيب مئات في أعمال الشغب التي تهز كازاخستان منذ أيام عدة (أ ف ب)

فهيم الصوراني-موسكو: ككرة الثلج تتسارع التطورات الدراماتيكية المفاجئة في كازاخستان التي لطالما تميزت بالاستقرار السياسي منذ نحو 30 عاما، خلافا للجمهوريات السوفياتية السابقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وأدت الاحتجاجات العنيفة في كازاخستان إلى سقوط قتلى وشلل النقل الجوي، وفي حين أعلن الرئيس حالة الطوارئ على كامل الأراضي وقبل استقالة الحكومة دعا أبرز المعارضين إلى مواصلة الاحتجاجات لحين سقوط النظام.

وقُتل 8 عناصر من قوات الأمن والجيش وأصيب مئات في أعمال الشغب التي تهز كازاخستان منذ أيام عدة، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية عن وزارة الداخلية.

تطورات وقلق

وتشكل التطورات المتسارعة في هذا البلد قلقا منطقيا لموسكو التي تعيش ذروة تردي علاقاتها مع الغرب، بسبب الأزمة مع أوكرانيا ونوايا حلف شمال الأطلسي التوسع شرقا تحت ستار هذه الأزمة.

وتعليقا على الأحداث التي تشهدها كازاخستان، أعلنت الخارجية الروسية أنها تتابع عن كثب تطورات الأحداث هناك، وأعربت في بيان لها عن الأمل في عودة الأوضاع إلى طبيعتها في الجمهورية الجارة.

وكازاخستان هي أكبر جمهورية من حيث المساحة وحجم الموارد الطبيعية بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة بعد روسيا، وبمعنى آخر تتجاوز أهميتها الإستراتيجية أهمية أوكرانيا.

وطوال السنوات الـ30 التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي لم يشهد هذا البلد اضطرابات تذكر، فمن جهة تمكن الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف من بناء نظام سياسي وأمني فعال، وفي الوقت نفسه يعتبر سياسيا مقبولا تماما لدى الغرب.

مراقبة وتأثيرات

ويرى الكاتب السياسي مكسيم أرتيونوف أنه من البديهي أن تراقب موسكو عن كثب تطورات الأوضاع في كازاخستان، فالدروس المستفادة من التجربة الأوكرانية ما زالت حاضرة للغاية في الذاكرة ومؤلمة كما هو الحال كذلك مع العبر من أحداث بيلاروسيا قبل أشهر قليلة.

ويعتبر أن أي عدم استقرار سياسي داخلي في دولة مجاورة مثل كازاخستان -التي ترتبط مع روسيا بأطول حدود بين جميع جيرانها، والتي تقع على أراضيها محطة بايكونور الفضائية الواقعة تحت الإدارة الروسية- يمكن أن يؤثر بشكل خطير على مصالح موسكو.

وعليه -يتابع أرتيونوف- فلن تسمح موسكو لكازاخستان بالخروج من دائرة نفوذها، نظرا لأن التغيير المحتمل للسلطة فيها يهدد على وجه التحديد بإعادة التوجه نحو حلفاء جدد خصوم لموسكو كما هو الحال تماما الأن مع أوكرانيا.

لكنه في نفس الوقت يشير إلى أن أسبابا موضوعية ستجعل الحكومة الحالية أو أي حكومة قادمة هناك أكثر اعتمادا على دعم الكرملين، فموسكو هي أقوى المرشحين وأسرعهم في مساعدة السلطات الحاكمة حاليا من تداعيات اندلاع ثورة "ملونة" قد تدخل البلاد في دوامة فوضى باهظة الثمن.

أحداث وأهمية

لذلك، يرى المتحدث ذاته أن الأحداث التي بدأت تتكشف في غرب كازاخستان لها أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل كازاخستان، وستظهر الأيام القادمة ما إذا كان من الممكن القضاء على الاضطرابات في مهدها أو ما إذا كانت هذه هي بداية اتجاه طويل الأجل، كما يقول.

وفي هذا السياق، كان قسطنطين زاتولين النائب الأول لرئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون رابطة الدول المستقلة قد استبعد أن تشهد كازاخستان تكرارا لسيناريو "الميدان" في أوكرانيا، لأن الحكومة في نور سلطان أكثر صرامة مما هي عليه في كييف.

لكنه مع ذلك أشار إلى وجود مسارين محتملين: إما أن تقضي الحكومة على الاحتجاجات، أو أن تؤدي الاحتجاجات إلى انهيار هيكلية السلطة الحالية، إلا أنه اعتبر أن "الأسباب قليلة" لحصول السيناريو الثاني.

أحجار الدومينو

في المقابل، تقول الباحثة في العلاقات الدولية يوليا أوسمولوفسكايا إن موسكو ترصد الوضع في كازاخستان بقلق من نوع خاص.

وبرأيها، فإن النقطة المهمة تكمن في ديناميات مشاعر الاحتجاج، فالسبب الرسمي للاحتجاجات في كازاخستان كان ارتفاع أسعار الوقود، لكنه في الواقع رد فعل على ظواهر خطيرة ترتبط بأزمة الأنظمة والحكم في البلدان المجاورة، حيث الأنظمة الاستبدادية للنخبة الحاكمة، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة.

وبالتالي لا تستبعد أوسمولوفسكايا احتمال وجود تأثير أحجار الدومينو على طول محيط روسيا بالكامل، وتأثيرات ذلك على جزء كبير من بلدان آسيا الوسطى.

ووفقا لها، فإن أوكرانيا ستكون المستفيد الأول في حالة الافتراض النظري بأن الاتحاد الروسي سيضطر إلى تحويل موارده وقواته من الحدود مع أوكرانيا من أجل الحفاظ على سيطرته على طول محيط حدوده الأخرى.

مظاهرات عارمة في كازاخستان (ا ف ب)

بصمة تركية

بدوره، يعتقد الخبير في شؤون رابطة الدول المستقلة فلاديمير ليبيخين أن السلطات في كازاخستان لن تسمح بـ"ثورة ملونة" أيا يكن الثمن، ولكن سيتعين عليها الآن الأخذ بعين الاعتبار موقف الدوائر الليبرالية وذات التوجه الغربي، والقوى القومية في البلاد.

وبين أنه لطالما حاولت كازاخستان عدم التورط في المواجهة بين روسيا والغرب، خلافا للرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الذي -برأيه- أتقن اللعب على التناقضات الروسية والصينية مع العالم الغربي لحماية النظام في مينسك.

كما توقع حصول احتجاجات مماثلة في أي من البلدان الأخرى الناطقة بالتركية في المنطقة، موضحا أن مواصلة أنقرة رسم خرائط "منظمة الدول التركية" ليست عبثا، مؤكدا وجود "بصمات تركية" للاحتجاجات الحالية في كازاخستان.

دور الغرب

من جهته، لا يعتقد فلاديمير شابوفالوف نائب مدير معهد التاريخ والسياسة في جامعة موسكو التربوية بوجود أي أثر على الإطلاق للصين أو تركيا أو روسيا في الاحتجاجات، لأن هذه الدول الثلاث -حسب رأيه- كانت راضية عن السلطات الحاكمة في كازاخستان.

لكن في ما يتعلق بالغرب، يشير شابوفالوف إلى أن ما يحدث يشبه إلى حد بعيد التدخل الخارجي، ويشبّه في هذا السياق التكتيكات الأطلسية بـ"ضربة تحت الحزام" لروسيا عشية المباحثات المرتقبة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في 10 يناير/كانون الثاني الحالي.

ويضيف أن توقيت الاحتجاجات ليس عرضيا على الإطلاق، وأنه يمكن للمرء أن يرى في الاحتجاجات تصرفات "محركي الدمى" الذين يمثلون القوى العالمية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، حسب تعبيره.

أصابع خارجية

كما يعزز وجهة نظره بالإشارة إلى تمويل الاحتجاجات، وإرسال الرسائل بالبريد إلى المتظاهرين على شبكات التواصل الاجتماعي، معتبرا أن هذا عمل مدروس جيدا، وأن هذه العملية لن تنتهي بسرعة في كازاخستان كونها محاولة لثورة ملونة أخرى وليست مواجهة داخلية بين "عشائر".

ويعيد إلى الأذهان أحداث العام 2019 في كازاخستان، والتي جرت في نفس المناطق التي اندلعت فيها الاحتجاجات الحالية، وأدت آنذاك لاستقالة نزارباييف.

لكن الأوضاع الحالية -حسب رأيه- تتضمن "إرهاصات ثورة ملونة"، سواء عبر استخدام التقنيات ذاتها، أو بالنظر للتكتيكات المستخدمة وطبيعة الشعارات التي يرفعها المحتجون.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي