العرض الأرجنتيني «الجزيرة الصحراوية»: تجربة رائدة في مسرح المكفوفين

2022-01-04

مسرحية  «الجزيرة الصحراوية» من تأليف الأرجنتيني روبرتو أرلتياسين سليماني*


قدّم المخرج جوزي مانشاكا José Menchaca مسرحيته «الجزيرة الصحراوية» من تأليف الأرجنتيني روبرتو أرلت ابتداء من سنة 2001 وظلّ العرض ناجحا، ويلقى اهتماما كبيرا داخل الأرجنتين، وفي عروض دولية على مدار عشرين سنة كاملة، نظرا للرؤية الإخراجية ذات الطرح العالمي النزعة لدى مانشاكا، التي شجّعت على نقل النقاش حول العرض إلى جمهور أوسع بكثير من المتلقي المألوف للمسرح وجمهور الفن، إذ اهتمّ متخصصون في علم النفس والاجتماع وحتى سياسيون بالعرض باعتباره تجربة لا تخلو من ريادة، لها وجاهتها الفنية وقيمتها المعرفية وإسهامها الفاعل في تحويل رؤية الناس لقضايا الإعاقة.
والفرقة المسماة «المسرح الأرجنتيني للمكفوفين» التي قدّمت مسرحية «الجزيرة الصحراوية» فرقة مستقلة يصفها مؤسسها مانشاكا بأنها مسرح يعتمد نظاما تعاونيا، لكل فرد دوره الخاص، بالإضافة إلى التمثيل كمخرج وممثل، قد يعمل أيضا كمهندس إضاءة ومصمم أزياء ودعائم، كما أنّ الممثلين المكفوفين الذين عرفهم مانشاكا منذ عشرين عاما لديهم الآن أطفال وينقلون هذا النوع من الفنون الأدائية إلى الجيل القادم. إذ لا تشير هذه المسرحية بوصفها ضمن «مسرح المكفوفين» إلى أداء الممثلين المعاقين بصريا وحسب، بل يتم تقديم الدراما بأكملها في بيئة مظلمة وغير مضاءة تماما.
في البداية يوجه «الممثلون المعاقون» الجمهورَ إلى المقاعد في الظلام فيستمعون إلى حوار الممثلين في مشهد مظلم، وتتعدد الأصوات والروائح وحتى الرياح والأمطار المفاجئة. ويقوم السمع واللمس والشم بتحفيز اهتمام الجمهور بالعرض. ويرى مانشاكا أن تكامل العالمين الكفيف والمبصر يمكن أن يكون مفيدا للطرفين للتعلم إذ «في اللحظة التي ينطفئ فيها الضوء، لا أحد أعمى! الجميع سواسية!»
هذه المسرحية التي تم تقديمها بالفعل في عدة دول، ابتداء من الأرجنتين ثم زيارات متنوعة إلى المكسيك وإسبانيا والمملكة المتحدة وغيرها تدور أحداثها في الأرجنتين في ثلاثينيات القرن الماضي. في المكتب في ميناء بوينس آيرس، يشتكي العديد من الموظفين من العمل الشاق والرتيب، وعندما ينتقل مكتبهم من الطابق السفلي إلى الطابق العاشر تتغير حياتهم. ينظر البطل إلى السفن في الميناء خارج النافذة، ويشرع في الحلم بالعالم خارج ذلك المكان الذي يعمل فيه، وبينما يروي بطل المسرح رحلة غير عادية تغمر الموظفين هلوسة غير مسبوقة.

إنها دعوة للتفكير في العالم الحديث للبشر المحشورين في المكتب، الخوف الكامن من فقدان الوظيفة والاستقرار المعروف يسلبهم راحتهم ورغباتهم، تاركين الأحلام القديمة تمتلئ بالغبار وأنسجة العنكبوت في أعماق أنفسهم. وتتحوّل صفارة الميناء القريب إلى ما يشبه «صوت صفارات الإنذار» .
يتيح مسرح المكفوفين لهذا العرض باعتباره يعتمد على التجريب، أن يأخذ بعدا جديدا للمتلقي نظرا لأنّه يجد في المسرحية الروائح والأصوات والأحاسيس اللمسية الخفية التي تنقل المتلقين إلى تجاربهم الخاصة، ما يولد في كل واحدة حدثا شخصيا. تعود هذه اللعبة الفنية لدعوة المتلقي إلى أن يعيش تجربة مسرحية مختلفة، حيث يغمر الغياب التام للضوء المتلقي في عالم من الأحاسيس الصوتية والشمية واللمسية، ما يؤدي إلى تنشيط قوة الخيال، يدخل الجمهور بداية إلى مسرح مظلم تماما، ويتم اصطحابهم إلى مقاعدهم بمساعدة الممثلين المعاقين بصريا، كما يتم أداء المسرحية بزاوية 360 درجة كاملة.

يستمتع الجمهور الذين يجلسون في الأمام أو الخلف بالمسرحية بالجودة نفسها، لأن الممثلين يتحركون في أرجاء المسرح بأكمله، وبخلاف العروض التقليدية يصبح الجمهور الكفيف أو الذي وضع في الظلام الدامس، محورَ المسرح، حيث يحيط الممثلون الجمهور ويخلقون أصواتا وروائح مختلفة، ويعتقد مانشاكا أن التحفيز الحسي والخيال الذي يتلقاه الجمهور يقودهم إلى الاستعداد للعودة إلى المسرح مرارا وتكرارا.
يقول المخرج إنه قبل عشرين عاما، لم يكن هناك ممثلون مكفوفون في الأرجنتين، ولم تكن هناك مثل هذه الثقافة، وجد في البداية بعض المعاقين بصريا في المكتبة الأرجنتينية للمكفوفين، وشجعهم على الأداء وقراءة الخطوط وإصدار الأصوات والمشي حول المسرح. لقد اعتاد الممثلون غير المكفوفين بشكل تدريجي على الأداء في الظلام، ولم يبدؤوا بتقديم العروض إلا سنة 2001 بعد عام كامل من التدريب، بالإضافة إلى ذلك، فإن إنجاز عمل يقوم على الروائح كما يرى مخرج العرض مليء أيضا بالتحديات.

يقول جوناثان ألبرتو جوسيد، أحد الممثلين المعاقين بصريا، إن الإنتاج «يتم في ظلام دامس ويسمح للجمهور بإلغاء تنشيط حاسة البصر لديهم، وإعادة الاتصال مع حواسهم الأخرى» ويوضح جوسيد أن الهدف من المسرحية هو محاربة الأحكام المسبقة المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، و»إظهار أن الظلام يسمح للناس أيضا أن يعيشوا حياة كاملة» كما يرى «أنها تجربة متعددة الحواس تسمح للحواس الأخرى من غير الرؤية، بأن تكون أكثر حدة، وليكون المتلقي قادرا على الاستكشاف من خلال اللمس والشم والسمع وجميع الحواس، التي تتدفق معا في تجارب مختلفة» ويضيف الممثل أن المسرحية لقيت استحسانا كبيرا من قبل الجماهير، حيث تم عرضها سابقا «ربما لأنها سمحت لهم بالانفصال عن الواقع وفهم وجود عالم غير عادي في الظلام».

 

*كاتب جزائري







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي