مدن غير مرئية.. ينسجن سجّاداً من ليف النخيل

2021-11-28 | منذ 2 شهر

إيتالو كالفينو

مدن وعلامات (5)

لا أحد يعرف، أيها الحكيم قبلاي، أفضلَ منك أنه لا يجب أن يحدث خلطٌ بين المدينة والكلمات التي تصفها. ومع ذلك، هنالك صِلةٌ بين إحداها والأخرى. إذا وصفتُ لك أوليفيا، وهي مدينة ثريّة بالمنتجات والأرباح، لا أستطيع الكشف عن رخائها إلّا بالكلام عن قصور مزركشة بالتخاريم، ذات حشايا مهدّبة فوق مقاعد بجوار نوافذ معّمدة. عن نوافير مدوّمة تروي مرجاً أخضرَ ينشر فيه طاووسٌ أبيض ذيله خلف ستارة باحة مُنْخُليّة. ولكنّك تدرك فوراً من هذه الكلمات كيف أنّ أولفيا مغطّاة بغيمة من سناجٍ وشحم يلتصقان بالبيوت، وأنه في الشوارع المليئة بالمشاجرات تسحق المقطوراتُ المتنقّلةُ المشاةَ على الجدران.

إذا وجب عليّ أنْ أحدّثك عن صناعة السكّان، فسأتحدّث عن حوانيت السّراجين التي تفوح منها رائحة الجلود، عن النساء اللواتي يثرثرن وهنّ ينسجن سجّاد ليف النخيل، عن القنوات المعلّقة التي تحرّك شلّالاتها أذرعةَ الطواحين، إلّا أن الصورة التي تستحضرها هذه الكلمات في عقلك المستنير هي صورة عمودِ دورانٍ يواجه أسنان المخرطة، فِعلاً من الأفعال التي تكرّرها آلافُ الأيدي آلاف المّرات وفق سرعة مصمّمة لتناسب كلّ تغيير.

إذا وجب عليّ أن أشرح لك كيف تميل روح أوليفيا إلى حياةٍ حرّة وحضارة مصفّاة، سأخبرك عن السيّدات اللواتي ينزلقن ليلاً في قوارب صغيرة مضاءة بين ضفّتي مصبّ نهر أخضر، ولكنّ هذا ليس إلّا لتذكيرك أنه في الضواحي، حيث يهبط الرجال والنساء كلّ مساء مثل صفوف من السائرين في نومهم، ينفجر هناك أحدهم ضاحكاً في الظلام دائماً، مُطلقاً سيلاً من المزاح والسخرية.

سأتحدّث عن حوانيت السرّاجين التي تفوح منها رائحة الجلود

ربّما أنت لا تعرف هذا: للحديث عن أوليفيا لا أستطيع استخدام كلمات مختلفة. فإذا كانت هناك حقاً أوليفيا ذات نوافذ معّمدة وطاووس وسرّاجين ونسّاجات سجّاد وقوارب صغيرة ومصبّات أنهار، فستكون ثقباً أسود بائساً يتجمّع حوله الذباب. ولوصفه، سيكون عليّ العودة إلى استعارات السناج وقعقعة العجلات والأفعال المكرورة والسخرية. الزيف ليس في الكلمات أبداً، إنه في الأشياء.

■ ■ ■

مدن خِفاف (4)

مدينة سوفرونيا مبنيّة من نصفَيْ مدينتين. في إحداهما توجد سكّة حديد مدينة الملاهي العظيمة، بحدباتها شديدة الانحدار؛ دوّامة الخيول بسلاسل شعاع دواليبها؛ عجلة الأقفاص الحديدية الدوّارة؛ مطيّة الموت براكبي درّاجاتها الجاثمين؛ القمّة الكبيرة وفي وسطها تتدلّى مجموعة أراجيح البهلوانات.

أمّا نصف المدينة الآخر فهو من حجارة ورخام وإسمنت، وفيه المصرف والمعامل والقصور والمسلخ والمدرسة وكلّ ما تبقّى.

أحد نصفي المدينة دائمٌ والآخر مؤقّت، يقتلعونه حالماً تنتهي فترة إقامته، يفكّكونه ويأخذونه بعيداً، مُعيدين إقامته في القِطَع الخالية من نصف المدينة الأخرى.

وهكذا يحلّ كلّ سنةٍ اليومُ الذي ينقل فيه العمّال القوصرات الرخامية، يُنزلون الجدران الحجرية والبوّابات الإسمنتية الضخمة، يفكّكون الوزارات، النُّصب التذكاري، أرصفة تحميل السفن، مصفاة النفط، المستشفى، يحملونها على مقطورات تتبع خطّ رحلتهم السنوي من موقف إلى موقف. هنا يبقى قائما نصفُ سوفرونيا ذو أروقة التدريب على الرمي، دوّامات الخيول، الصرخة المتدلّية من عربة مقدّمة سكّة حديد الملاهي، وتبدأ باحتساب عدد الشهور والأيام التي يجب أنْ تنتظرها قبل أن تعود القافلة، وتستطيع حياةٌ كاملة أن تبدأ مجدّداً.

■ ■ ■

مدن متاجِرة (3)

حينما يدخل الرحالة المنطقة التي عاصمتها يوتروبيا، لا يشاهد مدينة واحدة بل عدّة مدن متساوية الأحجام، لا تختلف إحداها عن الأخرى، متناثرة فوق هضبة شاسعة منبسطة. يوتروبيا ليست واحدة، بل هي هذه المدن مجتمعةً؛ إلّا أن المسكونة منها واحدةٌ فقط، في وقت تكون فيه الأخريات خاليات، وتجري هذه العملية دورياً. الآن سأخبرك كيف يتمّ هذا. في اليوم الذي يشعر فيه سكان يوتروبيا بقبضة الملل، ولا يعود أحدٌ قادراً على تحمّل عمله، أقاربه، بيته وحياته، الديون، الناس اللذين يحبّ أن يسلّم عليهم أو يجب أن يسلّموا عليه، يقرّر جميع المواطنين عندئذ الانتقال إلى المدينة المجاورة القائمة في انتظارهم، خالية وجيّدة كمدينة جديدة؛ هناك سيتّخذ كلّ واحد منهم عملاً جديداً، زوجة مختلفة، سيرى مشهداً آخر حين يفتح نافذته، وسيقضي وقته مع تسليات مختلفة، مع أصدقاء مختلفين، مع قيل وقال مختلفَيْن.

هكذا تتجدّد حياتهم من انتقال إلى انتقال، بين مدن يجعل مظهرها أو انحدارها أو جداولها أو رياحها كلّ موقع مختلفاً عن المواقع الأخرى بهذه الطريقة أو تلك. وبما أن مجتمعهم منظّمٌ من دون فوارق الثروة أوالنفوذ، فإن المسار من وظيفة إلى أخرى يحدث من دون مضايقات تقريباً؛ ويضمن تعدّد الوظائف التنوُّعَ. ولذا، من النادر في مدى حياة فرد واحد أن يعود إنسانٌ إلى عمل كان قد شغله.

هكذا تُكرّر المدينة حياتها، متماثلةً، متنقّلةً صعوداً وهبوطاً فوق رقعة شطرنجها الخالية. السكّانُ يكرّرون المشاهد ذاتها بممثّلين يتغيّرون؛ إنهم يكرّرون الكلام نفسه بلهجات مركّبة بشكل مختلف؛ إنهم يفتحون على التوالي أفواهاً بتثاؤبات متماثلة.

يوتروبيا وحدها، من بين كل مدن الإمبراطورية، تظلّ هي ذاتها دائماً. عطارد، إله التقلُّب، ذاك الذي بالنسبة إليه المدينة مقدّسة، هو مَن صنع هذه المعجزة الغامضة.

■ ■ ■

مدن وعيون (2)

مزاجُ المشاهد هو الذي يمنح مدينة زمرّدة شكلَها. إذا مررتَ هناك مصفّراً، أنفُك مشرئبّ وراء الصفّارة، فستعرفها من الأسفل: حافّات نوافذ، ستائر مرفرفة، نوافير. إذا مضيت قُدماً سائراً، مدلّياً رأسك، أظافرك ناشبة في راحتي يديك، ستظلّ نظرتك المحدّقة مشدودة إلى الأرض، إلى القنوات، أغطية فتحات المجاري، سفط الأسماك، الأوراق التالفة. أنت لا تستطيع القول إن جانباً من جوانب المدينة أصدق من الجانب الآخر، ولكنّك تسمع عن زمرّدة العليا، بشكلٍ رئيس، من أولئك الذين يتذكّرونها وهم يغوصون في زمرّدة السفلى، سائرين مع امتدادات الشوارع ذاتها كلّ يوم، وهم يجدون في كلّ صباح، مرّةً أخرى، نفايات اليوم السابق وقد شكلّتْ قشرةً عند أساسات الجدران.

نمشي في شوارع زمرّدة بعيون تنقّب في الآبار والأقبية

بالنسبة إلى كلّ واحد، يجيء، عاجلاً أو آجلاً، اليومُ الذي نهبط فيه بنظرتنا المحدّقة على امتداد أنابيب الصرف، ولا نستطيع إبعادها عن حصى الطرقات المرصوفة بعد اليوم. ليس مُحالاً الارتدادُ على الأعقاب، إلّا أنه أكثر ندرةً: وهكذا نواصل السير عبر شوارع زمرّدة بعيون تنقّب الآن في الأقبية، في الأساسات، في الآبار.

■ ■ ■

مدن وأسماء (1)

هنالك القليل ممّا أستطيع إخبارك به عن آجلورا ويتجاوز الأشياء التي يكرّرها سكّانها دائماً: مجموعة كبيرة من فضائل معبَّر عنها بالأمثال، من نقائص تساويها معبَّر عنها بالأمثال، بضعة أطوار غريبة، بعضُ حِرصٍ على شكلياتٍ احتراماً للقواعد.

نسب مراقبون قدماء، من الذين لا يوجد سببٌ يدعو إلى افتراض عدم صدقهم، إلى آجلور تشكيلتها الدائمة من الخصائص، بمقارنتها ــ ولا ريب ــ بتلك التي للمدن الأخرى في زمنهم. ربما لا آجلورا المذكورة في الأخبار، ولا آجلورا المرئية، تغيّرتْ تغيُّراً كبيراً منذ ذلك الزمن، ولكنّ ما كان شاذّاً صار اعتيادياً، ما بدا طبيعياً صار الآن شيئاً غريباً، وفقدت الفضائلُ والنقائصُ الميزة أو الخزيَ في مدونة فضائل ونقائص موزّعة توزيعاً مختلفاً.

بهذا المعنى، لا شيء ممّا قيل عن آجلورا صحيح، ومع ذلك تخلق هذه الروايات عن مدينةٍ صورة متلاحمة وصلدة، بينما تمتلك الآراء الاعتباطية ــ التي ربما استُنبطتْ من العيش هناك ــ مادّة أقلّ جوهرية. هذه هي النتيجة: تمتلك المدينة التي يتحدّثون عنها الكثير ممّا هي بحاجة إليه ليكون لها وجود، بينما تظهر المدينة القائمة فوق موقعها وجوداً أقلّ حقيقيةً.

وهكذا، إذا رغبتُ بوصف آجلورا لك، متمسّكاً بما شاهدته وجرّبته شخصياً، عليّ أن أخبركَ أنها مدينة بلا لون ولا شخصية، مزروعة هناك عشوائياً. إلّا أن هذا أيضاً لن يكون صحيحاً: في ساعات معيّنة، في أماكن معيّنة على امتداد الشارع، تُشاهد، مفتوحاً أمامك، التلميحَ إلى شيءٍ ما لا يمكن أن يُخطئه النظر، نادرٍ وربما ثمين؛ وتودّ أن تقول ما هو، ولكنّ كل شيء قيل عن آجلورا سابقاً يسجن كلماتك، ويضطرك إلى أن تكرّر، لا أن تقول.

لهذا السبب لا يزال السكّان يؤمنون أنهم يعيشون في آجلورا ما، لا تنمو إلّا باسم آجلورا، ولا يلاحظون آجلورا تلك التي تنمو على الأرض. وحتى أنا الذي أودّ الاحتفاظ بالمدينتين متمايزتين في ذاكرتي، لا أستطيع الحديث إلّا عن الواحدة، لأن ذكرى الأخرى، مع الافتقار إلى الكلمات التي تُثبّتها، ضاعت.

■ ■ ■

"من الآن فصاعداً سأصف لك المدن"، قال الخان، "وفي رحلاتك سترى إن كان لها وجود".

ولكن المدن التي زارها ماركو بولو كانت دائماً مختلفة عن تلك التي فكّر بها الإمبراطور.

قال قبلاي: "ومع ذلك، فقد أنشأتُ في عقلي مدينة نموذجية يمكن أن تُستنتج منها كلّ المدن الممكنة. إنها تحتوي على كلّ شيء يتّسق مع النموذج. وبما أن المدن التي لها وجود تفترق عن النموذج بدرجة التنويع، لستَ بحاجة إلّا لتوقّع الاستثناءات على النموذج، واحتساب أقرب التوليفات احتمالاً".

أجاب ماركو: "أنا أيضاً فكّرت بمدينة نموذجية أستدلّ منها على المدن الأخرى. إنها مدينة مصنوعة من الاستثناءات فقط، من المستبعدات، من المتنافرات، من المتناقضات. إن كان وجود مدينة من هذا النوع بعيدَ الاحتمال إلى حدٍّ بعيد، فإننا ــ باختزال عدد العناصر الشاذّة ــ نزيد من احتمال أن تكون المدينة موجودة حقّاً. ولهذا، ليس عليّ سوى طرح الاستثناءات من مدينتي، وسأصل، مهما كان الاتّجاه الذي أتّخذه، إلى واحدة من المدن التي تظهر إلى حيّز الوجود كاستثناء دائماً، ولكنّني لا أستطيع مدّ فعاليتي قسراً إلى ما وراء حدّ معين: عندها سأحظى بمدن أشدّ احتمالاً من أن تكون حقيقية".

ترجمة/محمد الأسعد







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي