إيكونوميست: الحرب ضد الجهاديين بمنطقة الساحل فشلت والبديل هو الحوار والتنمية

2021-11-18

عتبر الدولة غائبة في معظم شمال مالي، ولهذا عندما يتحرك أصحاب الخوذ الزرقاء يأتي الأمن معهم (أ ف ب)

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا تساءلت فيه عن سبب فشل الحرب ضد الجهاديين في  مالي ، مشيرة إلى أن الخلل في السياسة يسهم في تراجع الأمن.

وقالت إنه عندما كانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تخرج من قواعدها وتقود عرباتها فوق الرمال في مدينة غوا، شمال مالي يكشف المواطنون عن لثامهم ويشعلون السجائر. وعندما عسكرت قوات حفظ السلام البريطانية في قرية، عقد السكان حفل زفاف بهيج ورقصوا وغنوا، وهي مظاهر اختفت تحت تأثير الجهاديين الذين يدفعون باتجاه السيطرة على المنطقة. ولأن المفرزة البريطانية تفوقت عليهم فإن الجهاديين “يحاولون الحفاظ على الأماكن التي لا نتواجد فيها” كما يقول الميجر غافين هدسون، أحد ضباطها.

وتعتبر الدولة غائبة في معظم شمال مالي، ولهذا عندما يتحرك أصحاب الخوذ الزرقاء يأتي الأمن معهم. واقتحم الجهاديون، عند غسق ليلة من شهر آب/أغسطس بلدة أوتاغونا التي تبعد 170 كيلو مترا عن غوا وقتلوا 51 شابا على الأقل، ووصلت قوات حفظ السلام في اليوم التالي، لكنها لم تكن مفيدة، كما قال الميجر هدسون متحسرا.

وتدور الحرب ضد الجهاديين الآن في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث نشرت فرنسا 5.000 جندي يدعمهم 1.000 جندي أمريكي. ويساعدهم مئات من عناصر القوات الخاصة الأوروبيين ويدربون قوات الجيش المالي. ولدى الأمم المتحدة 15.000 عنصرا في قوات حفظ السلام. ورغم هذا العدد الضخم من القوات إلا أن المتمردين والجهاديين توسعوا وتوغلوا عميقا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وأجبر التمرد أكثر من مليوني شخص على النزوح من منازلهم وقتل أكثر من 1.000 شخص خلال العامين الماضيين. وبعبارات موجزة، فحكومات المنطقة والدول الغربية الداعمة لها تخسر ببطء الحرب. ويمكن التعرف على أسباب هذه الهزيمة في مالي حيث بدأ التمرد ببناء موطئ قدم في ظل الحكومة الفاسدة التي ركزت على العاصمة باماكو وتجاهلت بقية البلاد. ففي معظم أنحاء مالي لا توجد شرطة، قضاة، مدرسين ولا ممرضين.

وقامت قوات حفظ السلام في الفترة الأخيرة بنقل حاكم إقليم إلى بلدة في شمال- شرق البلاد لمقابلة الناس.

وبالنسبة لرجل بالغ من العمر 61 عاما فقد كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها مسؤولا يمثل الدولة. وفي عام 2018 تركزت نسبة 71% من الموظفين المدنيين بمن فيهم الأساتذة والممرضون في العاصمة والتي أنفقت عليها الحكومة نسبة 80% من ميزانيتها، مع أن عدد السكان فيها لا يمثلون سوى نسبة 13% من مجمل عدد السكان. وأوكلت السلطات مهمة الحرب لفرنسا والأمم المتحدة حيث سحبت قواتها من أجزاء واسعة من البلاد.

وفي المناطق التي لا يوجد فيها أي وجود للدولة وانتشرت فيها الجريمة، كان الجهاديون قادرين على نيل دعم السكان وإحلال العدالة حتى لو كانت قاسية. فالجهاديون ينتشرون ويؤسسون وجودهم في مالي والنيجر وبوركينا فاسو في المناطق التي تغيب فيها الدولة أو تلك التي أجبرت على الخروج منها.

ومنذ 2018 استطاع الجهاديون اختطاف وقتل 300 مسؤولا وقادة مجتمع مع عائلاتهم في المناطق الحدودية للدول الثلاث. ويرى محللون أن الحرب ضدهم لا يمكن الفوز بها عبر القوة ولكن من خلال تحسين طريقة الحكم والأوضاع الاقتصادية التي تكون كافية لإعادة هيبة الدولة. ولكن من أين ستكون البداية في دولة عملت جهدها لنزع الشرعية عن نفسها؟ ففي عام 2020 وبعدما أعلنت الحكومة عن فوزها في انتخابات مشكوك بنزاهتها، خرج الآلاف إلى الشوارع احتجاجا عليها. وكانوا غاضبين، ليس من الانتخابات ولكن الفساد وتراجع الأمن. ومعظهم رحب بالانقلاب الذي قاده العقيد أسيمي غويتا في آب/أغسطس ذلك العام. ورغم وعده بعقد انتخابات بعد 18 شهرا وعين رئيسا مدنيا انتقاليا إلا أنه غير رأيه وقاد انقلابا ثانيا في أيار/مايو هذا العام، وعين نفسه رئيسا. وقال رئيس وزرائه المعين شغويل مايغا إن الانتخابات المقررة في شباط/فبراير المقبل ستؤجل “لعدة أشهر”، وقد تكون لفترة أطول. وقال عمارو ديارا، الإمام السابق الذي يعمل مع الحكومة الآن “ماذا قدمت لنا الانتخابات خلال 30 عاما؟ الفساد المستشري والمحسوبية والكسل”.

ويقول الانقلابيون إنهم بحاجة لمدة أطول “لإعادة تأسيس الدولة” بعد سنوات من الفساد والحكم السيء، وهناك الكثير من الماليين يصدقونهم. وفي استطلاع نظم في شهر أيلول/سبتمبر بالعاصمة باماكو قالت نسبة 75% إنها تريد تأجيل الانتخابات.

ويناقش الجنرال مارك كونرويت الذي قاد القوات الفرنسية في المنطقة “ليس للاضطرابات والمصاعب السياسية في باماكو أي أثر” على العمليات العسكرية، وربما لن يدوم هذا الوضع. فمن أجل تعبئة البلاد للاستمرار في الفترة الإنتقالية ألقت الحكومة الانتقالية كل مشاكل البلاد على الفرنسيين، وزعم مايغا بطريقة غريبة أن الفرنسيين يوفرون التدريب للجهاديين. لكنه اشتكى في الوقت نفسه من خطط سحب باريس نصف قواتها وإغلاق بعض القواعد العسكرية.

ويزيد من المصاعب هي خطط مالي الاستعانة بالمرتزقة الروس من شركة فاغنر. ويقول ديارا ” عندما تطلب الطبيب لجرح أصاب أصابعك ثم تفقد ذراعك” ، “فعليك أن تستبدل الطبيب”. لكن هذه لعبة خطيرة، لأن غويتا يريد بقاء الفرنسيين رغم تهكم حكومته. وحذرت وزير الدفاع فلورنس بارلي من أن بلادها لن تتمكن للتعايش مع المرتزقة، لو تم نشر فاغنر.

كما وتتشابك السياسة مع الأمن والعنف في المحافظات أيضا. فالكثير من الجهاديين هم رموز سياسية ولهم أتباع. فزعيم جماعة أنصار الإسلام والمسلمين، المرتبطة بالقاعدة إياد أغ غالي لم يكن في الماضي جهاديا، وظهر أول مرة كمتمرد من الطوارق المطالبين بانفصال الشمال عن الجنوب. ولم يتم تنفيذ اتفاقية سلام وقعت عام 2015 تخفف من مظاهر الغضب التي تدفع الناس للعنف. وفي وسط مالي ساء الوضع أكثر من الشمال، واستغل الجهاديون الخلافات المحلية وقدموا أنفسهم كمدافعين عن الفولانيين. وتزعم ميليشيات مثل “دان نا أمبساغو” (صيادون متوكلون على الله) أنهم يدافعون عن جماعاتهم العرقية. والنتيجة هي معارك انتقامية. ونفس الأمر يمزق النسيج الاجتماعي في بوركينا فاسو والنيجر. فالسلام لا يستدعي فقط بناء مدارس وعيادات ولكن أفكارا حول التشارك في السلطة بمجتمعات متعددة العرقيات. ويرى الكثير من الماليين أن التحاور مع الجهاديين قد ينتج عنه أفكار، إلا أن فرنسا التي خسرت 30 جنديا منذ 2013 تعارض الفكرة. إلا أن هذا لم يمنع من عقد أكثر من 40 اتفاقية سلام في مالي وعدد آخر في بوركينا فاسو، وبعضها بين الجماعات العرقية وأخرى مع جماعات جهادية. وتظل مفاوضات على مستوى عال بين الحكومة المالية والرموز البارزة بين الجهاديين تحتاج لقفزة كبيرة. وأعلنت الحكومة أن المحادثات ستبدأ ثم نفت الخبر بعد أيام. ويعتقد البعض أن الضغط الفرنسي كان وراء التغير في الموقف. ولكن هناك توتر بين غويتا الذي يدعم الحوار ورئيس وزرائه مايغا المتشكك منه. ومشكلة الحكومة المالية أنها لن تدخل المفاوضات من موقع قوة. ويرى ديارا أن “استقرار الساحل يعتمد على استقرار مالي”. وهو محق في هذا لكن ليس سببا يدعو للتفاؤل.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي