هل يكون الغموض في المعنى؟

2021-11-18 | منذ 2 شهر

ما هي العناصر المسؤولة عن الالتباس الذي يحصل في النص؟ هل يعود ذلك إلى المعنى؟ أم إلى آلية إنتاج المعنى بشكل لا نهائي؟ هل توليد المعنى يتم اعتمادا على الأهمية التي تُعطى للدال، كما في حالة اللغة الشعرية لياكوبسون، وتفرز كما في حالة النحو التوليدي بنيةً سطحيةً، وبنيةً عميقةً، وفي مستوى آخر، نصّا مولِّدا génotexte ونصا ظاهرا phénotexte، في خضوع لإكراه الدال المتمثل في المجاورة، في السلسلة الكلامية وفي التناغم أو التنافر الصوتيين، أو في خضوع لإكراه منطقي في علاقة العامل بالمعمول؟ أو في العلاقة بين الجملة الصغرى الرئيسية الغائبة غالبا في النصوص الأدبية المعاصرة، والجملة الصغرى التابعية (أو الجوابية) الحاضرة، حيث تُترك لقراءة النص وحدها، مهمة توليد الجملة الرئيسية؟ أم اعتمادا على الأهمية التي تعطى للمدلول في مساراته التداولية المختلفة؟

ضمَّ كتاب «هل يكون الغموض في المعنى؟» الذي ترجمه الكاتب المغربي محمد العرابي دراساتٍ تعود بعض لرواد غربيين في التحليل السيميائي، مثل جوليا كريستيفا، جان بيار ريشار، تزيفيتان تودوروف، ميكائيل ريفاتير وجاك أنصي، تقع عند تقاطع الآليات الوصفية اللسانية الموجودة على المستوى السطحي، وتلك التي تغوص في أعمق أعماق النص، بحثا عن الذات وعن المستويات الرمزية من منظور التحليل النفسي، الذي يقوم بتفجير البنية المغلقة، ويفتح النص على خارجه بالإحالة على تاريخ اللغة واللغات (بما فيها الآداب)، وفي الوقت نفسه على تاريخ الممارسات السيميائية المختلفة للإنسانية عبر العصور: الأساطير، والديانات، والطقوس، والآلهة القديمة، إلخ. وتناولت هذه المقالات بالدرس والتحليل أشعار عدد من الشعراء الرمزيين الفرنسيين، على الخصوص شاعرين إشكاليين ومفصليين في تاريخ الشعرية الفرنسية والغربية على السواء هما، رامبو ومالارميه. وشكلت النصوص المختارة لهما نماذج تنتمي في بعض جوانبها إلى ما سماه عبد القاهر الجرجاني الاستعارات المعنوية، ومعيارها أن البحث عن معاني هذا النمط من الاستعارات يمر عبر سيرورة طويلة، تعمل على توسيع المعنى إلى حدَّ اللاتناهي: «لا يمكن حصرها إلا على سبيل التقريب»، والشاعر الذي يتوسل بها «يشبه من يغرف من بحر لا ينقص منه شيء، أو من يستخرج معدنا من منجم هو أيضا لا ينقص منه شيء». يتساءل الجرجاني، ما هو الموضوع المقصود في تعبير: «أعنة الصباح»، أو «أيادي الريح» أو «أحصنة الشباب»؟ ويكون الاستنتاج: لا نستطيع أن نحدده بسهولة.

وفي استقصاء طريف، يُظهر جاك أنصي، من خلال دراسته لكتاب هنري ميشونيك، كيف يحاول هذا الأخير أن يحدد الإيقاع كمعنى يختلف تماما عن كل التعريفات التقليدية له، التي تعدُّه نوعا من الموسيقى أو العَروض أو التكرار والانتظام على صورة أمواج البحر، ويعتبره بمثابة: «التنظيم الذاتي للخطاب»، قاطعا مع كل الركام النظري الذي ميَّز فكر العلامة ونظر إليها إما، باعتبار خاصيتها التواصلية، التي تستهدف المعنى الذي يسكن العالم، ويكون الشعر بذلك، بحثا عن الأصل المفقود والضائع، أي عن الحقيقة الواحدة؛ أو باعتبارها تعلي من القيمة الظاهراتية للشعر، وتتجلى في صورة تقليد للكوني ومحاكاة للعالم، وما يستتبعه من اختفاء الذات بإضفاء القداسة على الشعر، كي «نخسر الشعر بعبادة أوثانه».

عند ميشونيك، يعتبر الشعر فاعلية خلاقة لا تحيل على العالم ولا على التجربة، بل تخلقهما من خلال حضور الذات مع تاريخها في القصيدة، كاشتغال أي كنمط من المعنى، الذي هو تحديدا إيقاع. وقد أعاد ميشونيك من خلال الإيقاع الاعتبار لقيم من قبيل الصوت والشفاهي، (كرد على النقد العنيف الذي كانت تتعرض له هذه من طرف التفكيكية، في تلك الفترة)، واليومي، والأدب الشعبي، باعتبارها «حركة الكلام داخل الكتابة». وقد حاول في أشعاره، أن يطبق مفهومه الخاص عن الإيقاع، كمعنى، أي كفيض أبدي من التدليل signifiance.

وقد يحدث أن يتولد المعنى من زاوية تقع في لحظة برزخية، بين الليل والنهار، بين الصمت والصراخ، في انفجار القوة والفكر. وهو ما نتعرف عليه من خلال الغوص في العالم الخيالي للشاعر، والتجول بين المفاصل والنتوءات، في رحلة شائقة من التحول والانكسار، تقودها رغبة في التحرر من أسر الماضي، والجسد، والعالم القديم… لإيقاظ القوة المستقبلية، لمنح الإنسان الطاقة لمواصلة الغناء.

صدر الكتاب عن دار «خطوط وظلال» الأردنية في 170 صفحة من القطع المتوسط.







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي