مهمة الصدر المحفوفة بالمخاطر.. كيف يسعى الزعيم الشيعي لقلب الحياة السياسية بالعراق رأساً على عقب؟

2021-11-17 | منذ 2 شهر

عززت الانتخابات حظوظ الصدر لتشكيل الحكومة المقبلة، بحلول تياره في المرتبة الأولى مثلما كان عليه الحال في انتخابات 2018 (ا ف ب)

بغداد: يسعى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي تصدرت كتلته نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة الأخيرة، إلى كسر العرف السياسي السائد في العراق المتمثل بـ"المحاصصة" وتشكيل حكومة "أغلبية وطنية" تواجه رفضاً من قوى شيعية أخرى لديها أذرع مسلحة متنفذة في البلاد.

وفي موازاة التوتر السائد في المشهد السياسي العراقي إثر رفض القوى السياسية الخاسرة النتائج الأولية للانتخابات التي أجريت في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تجري مباحثات حثيثة بين القوى السياسية بشأن التحالفات التي ستفضي إلى تشكيل الحكومة المقبلة.

ولا يزال القضاء ينظر في الطعون المقدمة على نتائج الانتخابات، وسط احتجاجات متواصلة من أنصار القوى السياسية الخاسرة لأكثر من ثلاثة أسابيع في العاصمة بغداد على مشارف "المنطقة الخضراء" التي تضم مقرات الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية الأجنبية.

 ترجيح كفة الصدر

وعززت الانتخابات حظوظ الصدر لتشكيل الحكومة المقبلة، بحلول تياره في المرتبة الأولى مثلما كان عليه الحال في انتخابات 2018، مع رفع رصيده من المقاعد إلى 73 من 54 مقعداً، وذلك بفارق كبير عن أقرب منافسيه من القوى الشيعية وهو ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي (رئيس الوزراء الأسبق 2006 ـ 2014) الذي فاز بـ37 مقعداً.

ورغم أن هذه المقاعد لا تخول الصدر تشكيل الحكومة منفرداً، فإن بإمكانه التحالف مع القوى السنية والكردية الفائزة لتشكيل تحالف يضمن تمرير التشكيلة الوزارية في البرلمان بالأغلبية البسيطة (50+1) أي 165 من أصل 329 مقعداً.

وهذا ما يعمل الصدر على تحقيقه عبر طرحه مشروع تشكيل حكومة "أغلبية وطنية" وليست توافقية بين الجميع، وذلك للمرة الأولى مرة منذ الإطاحة بالنظام السابق عام 2003، وهو ما يعني استبعاد القوى الأخرى التي حصلت على مقاعد قليلة من أبرزها تحالف "الفتح".

ورأى رئيس مركز "التفكير السياسي" ومقرّه بغداد، إحسان الشمري، أن "المقاعد النيابية التي حصل عليها الصدر تتيح له تشكيل الحكومة الجديدة".

وأضاف الشمري للأناضول، أن "المعطيات الحالية تشير إلى أن الصدر قد يتجه نحو التفاهمات مع الكتل السياسية لتشكيل حكومة أغلبية وطنية، خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة التي رافقت تظاهرات الكتل السياسية الخاسرة ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي".

  رسائل غير مباشرة

في 5 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، قتل متظاهر وأصيب عشرات آخرون من المحتجين وأفراد الأمن في صدامات عنيفة عندما حاول أنصار القوى الخاسرة في الانتخابات اقتحام "المنطقة الخضراء" وسط بغداد.

وعقب ذلك بيومين، تعرّض الكاظمي لمحاولة اغتيال بثلاث طائرات مسيّرة محملة بمواد متفجرة، إلا أنه لم يصب بأذى في حادث أثار استنكاراً واسع النطاق محلياً ودولياً، كما أثار مخاوف من أن يكون مقدمة لاندلاع اقتتال داخلي جراء التوترات السياسية المتصاعدة.

ويعد تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري، من أبرز المعارضين لنتائج الانتخابات، إذ حصل على 16 مقعداً بعد أن حل ثانياً برصيد 48 مقعداً في انتخابات 2018.

و"الفتح" عبارة عن مظلة سياسية لفصائل شيعية مسلحة مرتبطة بإيران، واكتسبت الكثير من النفوذ والسلطة خلال السنوات القليلة الماضية، وليس من الواضح فيما إذا كانت ستتخلى عن سلطتها بسهولة.

وقال الشمري إن "الأحداث الأخيرة رسائل غير مباشرة إلى الصدر بشأن عدم نسيان الكتل السياسية الخاسرة وما يمكن أن تفعله".

وأضاف أن "الظروف الراهنة ستجبر جميع الكتل السياسية على التوجه نحو التوافقية بدلاً من تشكيل تحالفات وتكتلات منفردة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة".

 كسر العرف السياسي

ويحاول الصدر كسر العرف السياسي المتبع في العراق منذ نحو عقدين، وهو التوافق بين الكتل السياسية في البرلمان لاختيار رؤساء الوزراء والجمهورية والبرلمان، وتوزيع الوزارات والمناصب الرفيعة الأخرى فيما بينها بموجب النظام المسمى "المحاصصة".

وأوصل هذا النظام أشخاصاً غير أكْفاء إلى مناصب رفيعة، كما أن تلك الشخصيات عملت لصالح أحزابها على حساب المصالح العامة، وهو ما أدى إلى تفشي الفساد على نطاق واسع وتسبب بتردي الخدمات العامة الأساسية المقدمة للسكان من قبيل الكهرباء ومياه الشرب والصحة والتعليم.

ويحتج السكان منذ سنوات طويلة على هذا الواقع، وشهدت البلاد احتجاجات غير مسبوقة عام 2019، استمرت قرابة سنة وأطاحت بالحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي أواخر العام ذاته.

ويعتقد الباحث السياسي العراقي نجم القصاب أنه "من الصعب جداً تشكيل الحكومة بشكل منفرد من قبل الصدر، في ظل الظروف الراهنة والصراعات السياسية".

وأضاف القصاب للأناضول أن "الصدر قادر على تشكيل الحكومة الجديدة في حال تفكيك الإطار التنسيقي وسحب بعض الكتل السياسية من تحت جناحه".

وبشأن إمكانية صمود الإطار التنسيقي في مواجهة الصدر أوضح القصاب أن "الإطار غير قادر على الصمود بشكل أكبر وإنما سيقدم بعض التنازلات من أجل المشاركة في الحكومة الجديدة".

و"الإطار التنسيقي" تشكّل في أعقاب الانتخابات ويضم القوى الشيعية الرافضة للنتائج من أبرزها تحالف "الفتح"، وائتلاف "دولة القانون"، وتحالف "قوى الدولة" الذي يقوده زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.

ويقول هؤلاء إن النتائج "مفبركة" و"مزورة" ويطالبون بإعادة الفرز اليدوي للأصوات، فيما يذهب البعض منهم إلى إلغاء العملية الانتخابية برمتها.

وواجهت مطالب هؤلاء ضربة قوية الخميس الماضي، عندما قال رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، في تصريح للوكالة الرسمية "واع"، إنه لا يوجد هناك دليل قانوني يثبت تزوير الانتخابات.

 التحالف مع السُّنة والأكراد

وأمام هذا الجدل والصراع المحتدم بين القوى الشيعية أجرى الصدر بالفعل، مباحثات خلال الأيام الماضية مع السنة والأكراد لتشكيل تحالف سياسي في البرلمان.

وتتجه بوصلة الصدر إلى تشكيل تحالف "القوى الفائزة"، أي بالتحالف مع تحالف "تقدم" بزعامة رئيس البرلمان المنحل محمد الحلبوسي، الذي حل أولاً في المناطق ذات الأغلبية السنية بفوزه بـ38 مقعداً مبتعداً كثيراً عن أقرب منافسيه وهو تحالف "عزم" بزعامة خميس الخنجر الذي حصد 15 مقعداً.

كما يعمل الصدر لضم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني إلى تحالفه، وذلك بعد أن جاء أولاً بين الأحزاب الكردية بـ32 مقعداً مقابل 18 لأقرب منافسيه وهو "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني".

وقالت النائبة السابقة عن كتلة "الاتحاد الوطني الكردستاني" ريزان شيخ دلير، للأناضول، إن "الصدر يسعى إلى تشكيل حكومة وطنية، وهذا ما بحثه مع الكتل السنية والكردية خلال الأيام القليلة الماضية".

وأضافت دلير أن "الكتل الشيعية في بغداد أبدت رفضها لتشكيل هكذا نوع من الحكومات، ما سبب أزمة سياسية لم تحل حتى الآن".

وأوضحت أن "القوى الكردية بانتظار اتفاق الكتل الشيعية قبيل الدخول في مفاوضات ومباحثات رسمية مع باقي الكتل السياسية"، لكنها أكدت "عدم وجود اتفاق بين الأكراد والقوى الأخرى بشأن الحكومة المقبلة حتى الآن".







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي