
لماذا استقرت مناطق سيطرة الحوثي وغرقت مناطق الانتقالي والشرعية والتحالف في الفوضى؟
ما وراء تحويل المناطق المحررة إلى بؤر صراعات لا تنتهي؟
هل يراد تحويل اليمن إلى مجرد كانتونات تلبي أهدافاً معينة؟
كيف خضعت المناطق المحررة لمصالح إقليمية وأجندات دولية؟
هل تبدو الأطراف عاجزة عن إثبات دورها أم أنها تخضع لمؤامرة دولية؟
المناطق المحررة.. هل ذهبت إلى طريق اللا عودة؟
لم تنته الاضطرابات في المحافظات الجنوبية من اليمن، منذ ما بعد عام 2015، وحتى اليوم، وعلى النقيض منها تنعم المحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة المتمردين الحوثيين باستقرار لا تخطئه العين.
قد يقول قائل إن الاضطراب الذي تشهده محافظات جنوب اليمن؛ يعود إلى استقلاله وتعرضه لمؤامرات ومخططات "خبيثة" تحول دون تحقيق آماله وتطلعاته.
لكن الناظر لأحوال الجنوب اليمني يتأكد له أن الاضطرابات والاختلالات التي يعيشها لا تقتصر على تدخلات خارجية، أو مؤامرات، وهي إن وجدت لكنها لا تنفي وجود مشكلة داخلية يتحمل أصحابها مسئولية ما يحدث في المناطق الجنوبية المحررة.
فحتى الحوثيون يتعرضون لمؤامرات، لكن الجبهة الداخلية للمليشيات تبدو أكثر تماسكا من نظيرتها الجنوبية، والتي تعاني من انقسامات، وحتى مواجهات بينية، ساهمت في هذه الاختلالات.
ولعل هذه الأسباب هي أحد أبرز العوامل التي جعلت من مناطق الانقلابيين الحوثيين أكثر استقرارا من تلك المناطق التي يطلق عليها "محررة".
وهذا العامل يكمن في السلطة الواحدة، مهما كانت هذه السلطة، انقلابية أو أمرا واقعا، أو سلطة بالقوة وبقبضة حديدية، ورغم سوءاتها إلا أنها نجحت في الحد من الانفلات الأمني.
لأن مقارنة بسيطة مع المحافظات المحررة تتضح لنا صورة الوضع هناك، حيث تبدو الخارطة الجغرافية منقسمة على نفسها ومفككة لدرجة مخيفة ومرعبة.
وهذه التجاذبات هي ما تجعل الاستقرار بعيد المنال عن محافظات جنوب اليمن المحررة، فخضوع هذه المحافظات لقوى سياسية وعسكرية مناهضة لبعضها البعض تجعل منها فريسة سهلة للفوضى والاضطرابات.
والملاحظ أن المناطق التي تشهد صراعات حادة، هي المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، والحكومة الشرعية، وحتى مناطق سيطرة قوات التحالف العربي، أو تتواجد فيها قوات سعودية أو إماراتية.
فوضى الانقسامات
تعيش المناطق المحررة في جنوب اليمن انقسامات غير خافية على أبسط المراقبين، وهو ما تتسبب بكل هذا الحجم من الفوضى والاختلالات، ليست الأمنية فقط بل حتى السياسية والمعيشية والاقتصادية.
بل أنها بلغت مستويات خطيرة من المواجهات العسكرية الدامية؛ نتيجة هذه الانقسامات المؤلمة، والتي انعكست تبعاتها على الحياة اليومية للمواطنين.
بمجرد النظر إلى جغرافية المناطق المحررة، يتضح للمشاهِد حجم التشظي الحاصل، خاصة في مناطق جنوب اليمن.
فالمناطق الغربية من الجنوب، تخضع لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، والمتواجد في عدن، لحج، والضالع، وبعض أجزاء من غرب أبين.
بينما تتحكم القوات الموالية للحكومة اليمنية الشرعية بمحافظات شبوة، ووادي حضرموت، والأجزاء الشرقية من محافظة أبين.
وفي المقابل تتواجد قوات من التحالف العربي، في مناطق واسعة من ساحل حضرموت، والمهرة وجزيرة سقطرى، وهي القوات السعودية والإماراتية بشكل لافت.
ولا يختلف اثنان على الطريقة التي تعيشها هذه المناطق، من صراعات سياسية وأمنية وعسكرية عنيفة، أو على الأقل احتجاجات خدمية ومعيشية في أحسن الأحوال.
وهي مناطق تقع في نطاق جغرافي واحد، كان من المفترض أن يكون متجانسا ومنسجما ثقافيا وفكريا وسياسيا على أقل تقدير، وليس منغمسا في الصراعات البينية والداخلية.
لماذا الفوضى
ثمة أسباب كثيرة وراء تحول المناطق المحررة إلى بؤر مستمرة من الصراعات والفوضى، لعل ابرز تلك العوامل تعود إلى اختلاف الانتماءات والولاءات، وهو أمر طبيعي ووارد، متى ما ظل في نطاقه الآمن.
غير أن الاختلاف في الرؤى السياسية بين المناطق الجنوبية هو ما جعلها غارقة في خضم بحور متلاطمة من الفوضى والمواجهات التي وصلت إلى مستويات عسكرية عنيفة، في ظل عدم تقبل الرؤى والأفكار.
وسبب كهذا قد لا يمنع وجود أسباب أخرى، تكمن في ارتهان البعض لقوى إقليمية وربما حتى دولية، تسعى إما لتمرير أجنداتها ومصالحها الخاصة بأدوات محلية، أو على الأقل منع قوى أخرى من تحقيق غاياتها في هذه المنطقة.
لهذا تحولت المناطق المحررة في جنوب اليمن إلى مجرد بؤر للصراعات، تحافظ فيها دول إقليمية ودولية معينة على مصالحها وتمنع تحقيق مصالح دول أخرى.
وللأسف فإن مثل هذه العوامل تجعل من المناطق الجنوبية بؤر صراعات لا تنتهي، فنهاية هذه الصراعات يعني انتهاء أو انتفاء مصالح الآخرين من هذه المناطق، وهذا لن ينتهي.
فمصالح الآخرين على أراضي اليمن عموما، وليس فقط جنوب البلاد عميقة ولا نهاية لها فيما يبدو.
كانتونات متحاربة
بقاء الوضع على حاله من الصراعات المستمرة بين اليمنيين، في مناطق تواجدهم على الخارطة الجغرافية لليمن، يدفع تلك القوى الإقليمية والدولية إلى الحفاظ على هذه الحالة، بما يخدم مصالحها.
الأمر الذي يجعل الدول الإقليمية والدولية تعمد إلى تحويل المناطق المحررة إلى مجرد "كانتونات" أو جزر منفصلة عن بعضها البعض، ولا مانع من دخول بعضها البعض في اشتباكات ومواجهات، وحتى حروب ممتدة إذا استدعى الأمر.
واستمرار وجود كانتونات متصارعة فيما بينها، سياسيا وإعلاميا وعسكريا، من شأنه إطالة أمد الانقسام والتشظي، وبالتالي تلبية أهداف وغايات اللاعبين الدوليين.
وهذا لا يعني أن المؤامرات أو المخططات التي تزعم كيانات سياسية وعسكرية وجودها لمنع أحلام الجنوبيبن من التحقق واردة، بقدر ما يتحملون هم المسئولية في الخضوع لأجندات الغير.
وهذا يؤكد أن مثل هذه القوى عاجزة عن تحمل مسئولية إدارة الدولة، وتلقي العجز والفشل على ظروف دولية ومؤامرات وتدخلات خارجية، قد لا تكون حقيقية.
كما أن مثل هذه الكيانات والقوى في لعب دور الأداة، كما يفعل الحوثيون مع داعمهم الإيراني، يجعل المحافظات الجنوبية برمتها تذهب في طريق اللا عودة، سياسيا وحتى مطلبيا في نظر الشعب الجنوبي الذي ينتظر أحلامه، بناء على وعود هذه القوى أو تلك.
الحاجة إلى الدولة
ما يحدث في كل مكان من البلاد، حتى ما يجري في مناطق سيطرة مليشيات الحوثيين، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحاجة باتت ماسة لوجود دولة حقيقية بمؤسسات قوية.
فما يجري في مناطق الحوثيين، ليس لأنهم رجال دولة أو أن إدارتهم لمناطقهم سليمة، بل لأنهم فرضوا هيبتهم، ولو بالقوة.
فالحرية المطلقة مفسدة مطلقة، تماما كما هي السلطة المطلقة، والانقسامات التي تعيشها مناطق جنوب اليمن ليست حرية بقدر ما هي فوضى، تتسبب بكل هذه الاضطرابات والاختلالات والتفجيرات والاحتجاجات والمواجهات المسلحة التي نشهدها في عدن وأبين وشبوة والمكلا.