مصر التي في خاطري

2021-10-21 | منذ 3 شهر

خالد بريش

جلابيةٌ صعيديةٌ بأكمامٍ واسعةٍ، وعمامةٌ بيضاء. وجهٌ عروبي أسمر خبزته الشمس. ترك عليه الدهر تضاريسه ولمساته. حضر إلى القاهرة مقامرا، باحثا عن لقمة عيشه. انزرعت في رأسه عينان حمراوان كوردتين، تختزنان معاناة من انسلخ عن رحمه وبيئته.

تسجلان كرادارٍ حركة مرور الناس أمام باب دكانه. قلما أفلت مار من نظراته، وخصوصا الجدد، لأن القدامى ما مرّ أحدهم إلا وألقى عليه السلام والتحية. فتنفرج له أساريره. ويعلو صوته القوي الأجش، بعبارات الترحيب التي تتجدد وتتلاحق.

خرج من باب عرينه لملاقاة أحدهم، مرحبا، مستفسرا عن صحة والده. أعطاه رجلٌ يبدو من هندامه أنه من كبار الموظفين، قصاصة ورقٍ. عليها ما يحتاجونه في بيته من فاكهةٍ وخضارٍ. طالبا منه أن يوصلها لمنزله فورا، وبلا تأخيرٍ.

بينما طلب آخر أن يترك له حاجياته جانبا، فهو سيأخذها في طريق عودته مساء. علا فجأة نداء إحدى جاراته من على شرفة العمارة المقابلة. طلبت منه أشياء محددة. راجية منه أن يضعها في السبت الذي يتدلى من الشرفة بحبلٍ.

سجل بناظريه مرور أحمد من أمام دكانه مراتٍ عدة. أدرك بخبرته أنه من نزلاء الفندق في الشارع المجاور. لأنه لو كان من سكان الحي لعرفه. صبيحة هذا اليوم لم يتركه يفلت منه. ألقى عليه السلام مرحبا. كان أحمد منذ أن مرّ من أمام دكانه أول مرة، يود الدخول إلى جنة ذلك الصعيدي التي تسر الناظرين، بما حوته من فاكهةٍ وخضرواتٍ. تبخر برائحتها الحي لتحميه من أخطار المعلبات المستوردة. ويتسلل ضوعها إلى قلوب المارة، فيعشش فيها. إنها خيرات الكنانة التي أمر الله بدخولها.

رصت جميعها على بسطةٍ كبيرة، بطريقةٍ بديعةٍ فتانةٍ، لا تتناسب والصائمين في شهر رجب، الذي بدأ منذ أيام، ولا مع الذين قرروا تخفيف أوزانهم، غير أن كثرة مشاغله منعته من الدخول إلى هذا الفردوس.

في المساء طلب أحمد من سائق سيارة الأجرة، أن ينزله أمام دكان الفكهاني. الذي كان يقف على عادته بجانب بسطته، فرحب به. أخذت عينا أحمد تتمتعان بالفاكهة المنضدة بعنايةٍ فائقةٍ، كأنها بنيانٌ مرصوصٌ. فكر في ما يمكن أن يشتريه، في الوقت الذي تسربت إلى كيانه غبطةٌ لا يدري لها سببا.

واكتنفته حيرةٌ، لأن كل ما يراه، ويشم رائحته، يدعوه للشراء، ولا يجعله مرتاحا نفسيا إن لم يشتر منه.. هذا إن لم يبادر إلى الهجوم للأكل منه فورا، دون انتظار بدأ أحمد يضع في طبقٍ من الخوص ما يريد. والفكهاني على غير عادته.

تركه ينتقي، دون أن يتدخل. عامله كضيفٍ له الخيرة، وليس كزبونٍ. أمسك برتقالة في يده. لاعبتها أصابعه قليلا. تلمست أنامله صفحة قشرتها. نظر إليها. سأل الفكهاني ممازحا، دون أي تقديرٍ للنتائج:

ـ البرتقال الحلو ده من حيفا؟

انتفض البائع من مكانه غاضبا. هجم على أحمد. شررٌ يتطاير من عينيه اللتين تكادان تبتلعانه. انتزع البرتقالة من يده بقوةٍ، وقف أمامه كسد حائلٍ بينه وبين الفاكهة خرج من داخل المحل رجلٌ عجوزٌ، نحيل العود، كبير السن، شديد الشبه بالبائع. لم يلحظ أحمد وجوده من قبل. نفث العجوز دخان سيجارته بحرقةٍ وانفعالٍ. ملأ المكان ضبابا وشحارا، نظر إليه طولا وعرضا، بحنقٍ وغضبٍ. قال له بنبرةٍ قويةٍ غاضبةٍ:

ـ ما عندناش للبيع… امش مع السلامة توكل على الله امش يا أخينا… وإلا قسما عظما…

حاصرت نظرات البائعين الناقمة أحمد.. شعر كأنه فريسة وقعت في شركٍ… أخذ أحمد يعتذر، لكي لا يتطور الموضوع، ويذهب إلى حيث لا تحمد عقباه… صمم العجوز على موقفه بعندٍ صعيديٍ لا يخفى على كل من عرف مصر يوما، وأقام فيها. خبر أحمد ذلك بنفسه أيام دراسته في مصر، وعرفه جيدا. قال له البائع الذي استقبله في البداية وهو ينظر إليه شزرا:

ـ هل تظن أننا بهوات من بتوع التطبيع، يلي باعوا الوطن، ودم الشهدا، وقاعدين يطبلوا ويزمروا للصهاينة والأمريكان؟ والا أنت فاكرنا من بتوع الجرانيل، اللي ببيعوا الكلمة، والحرف، والعرض، والأرض بملاليم؟ دا احنا صعايده، عرب يا بيه… فاهم يعني إيه صعايده؟ روح الكتاب واتعلم تاني الأصول. وازاي تتكلم مع الناس… وتعال بعديها واتكلم معانا. وإلا… قسما عظما، لو ما مشيت بالعافيه، حخلي للتك سوده زي الكحل…

أدرك أحمد عندها أنه تخطى حدود المحرمات، وأن مداعبته الكلامية التي كان يقصد من ورائها فتح بابٍ للحديث والدردشة، والمزاح، قد استفزتهما بحدةٍ، وأتت بنتائج عكسيةٍ، ما كان يتصورها، أو يقدر عواقبها. وها هو ذا يدفع الثمن. تذكر مواقف كثيرة مماثلة، حدثت له سابقا في مصر. وكان المنجي منها دائما، لهجته اللبنانية. لجأ إليها فورا.

كلمهما بها، متسائلا عما حدث؟ وعن سبب هذا الانفعال؟ مفصحا أن قصده الملاطفة والممازحة فقط.. سأله عندها الفكهاني الذي استقبله في البداية عن بلده. فأخبره، لكنه بقي غير مقتنعٍ، لأنه لاحظ إجادته للهجة المصرية. فظن أنه لا يقول الحقيقة، بل هو مصريٌ مغتربٌ.. يعمل في الخارج.

أتى مصر لزيارة أهله، ولقضاء بعض المصالح، والأوراق الرسمية.. وأنه يقلد اللبنانيين في لهجتهم، تبعا للموضة بعد انتشار الفضائيات، لاحظ أحمد عدم اقتناعه.. أخرج جواز سفره من جيبه، وسط نظرات استهجانٍ وغضبٍ صوبت عليه. ابتسم المعلم العجوز ابتسامة باهتة. لكن علامات الانفعال لا تزال تسيطر على تقاسيم وجهه. دعاه إلى دخول الدكان، مرحبا ببتوع لبنان.

دخل أحمد.. أجلسه العجوز على كرسيٍ بجانبه. طلب من ابنه أن يقوم بتحضير الشاي. فرح أحمد بهذا التطور. عرف أن العجوز اسمه «العم مغاوري» وأن اسم ابنه «حسنين». أمسك عم مغاوري البالغ من الكبر عتيا بأطراف الحديث.

أخبره أنه سمى ابنه حسنين على اسم خاله هو، الذي استشهد في حرب 1948 في الفالوجة. أشار العجوز إلى الحائط خلفه.. جدارٌ مليءٌ بقصاصات الجرائد. صورٌ لرجالات مصر؛ سعد زغلول، أحمد شوقي، أم كلثوم، الشيخ شلتوت، الرئيس جمال عبد الناصر، الشهيد عبد المنعم رياض.. وفي وسط هذا البحر من القصاصات، صورةٌ كبيرةٌ قديمةٌ لشابٍ باللباس الصعيدي، محاطةٌ بإطارٍ جميلٍ. قال عنها إنها لأخيه محمدين الذي استشهد في سيناء خلال حرب عام 1967.

مضيفا أنهم علموا في بداية الأمر بأنه فقد في سيناء، وأن البحث جارٍ عنه. بعد أشهرٍ عدة، أخبروهم أنه استشهد. لكن لم يعثروا على جثته. سمعوا بعد مدةٍ أن كل أفراد كتيبته حوصروا من قبل الصهاينة في سيناء، وأن جرافاتهم طمرتهم بالتراب، ودفنتهم أحياء، منتصبين، واقفين، يتحدون كنخلٍ يعربيٍ. مد العم مغاوري يده من فتحة صدر جلابيته فجأة. أخرج مسدسا حربيا. قال بعنفوانٍ صعيدي، ونبرةٍ قويةٍ:

ـ اسمع يا بيه. دحنا تارنا تار… ودمنا دم، ما يروحش هدر… ولا بد يجي اليوم، وناخد بتارنا مهما طال الزمن. وإن ما كانش أنا، فابني، أو ابن ابني. ومش مستعجلين قوي. وحيحصل إن شاء الله. دنا عايز أقول لحضرتك كلمه، تفهمها كويس: دا إحنا الموت بالنسبه لنا، أشرف من أن ندخل حاجه من بتاعة الصهاينه عندنا في المحل. وسيبك من الكلام يلي بيقولوه الناس البتوع في الراديوهات، والجرانيل. دنا والله لو شفت واحد صهيوني ممكن أقتله بدم خالي وأخويا. أمال إيه؟

كان أحمد في أثنائها، تداعب شفتاه كأس الشاي الذي صبه له المعلم حسنين. يمزمز فيه على مهلٍ. في نفسه خوفٌ من أن ينتهي. شعر أنه أطيب شايٍ شربه طيلة حياته. إنه شاي الأصالة الصعيدية، والكرامة التي افتقدتها جماهير أمةٍ دخلت صحراء التيه، وغاصت في لجج رمالها المتحركة. وشوه إعلاميون ماضيها القريب والبعيد،

وفق خططٍ مقننةٍ ومدروسةٍ، محطمين هالات رموزها، بعدما وعدوا المواطنين بجنات عدنٍ، وأنهارٍ من لبنٍ وعسلٍ مصفى… لكن لم ينالوا من كل ذلك إلا السراب، والخراب… إنه شاي العروبة الحزينة، المغلوبة على أمرها، التي تئن من وطأة أقدام الصهاينة على أراضيها، في العراق، ومصر الكنانة، وجزيرة العرب، وطول البلاد العربية وعرضها.. كانت أصابعه تداعب كأس الشاي. وأذناه تستمعان بتلذذٍ ونشوةٍ لتراتيل كلمات عجوزٍ،

وطنيٍ حتى النخاع. أنغام عباراتٍ أرادها البعض أن تختفي، وتتساقط من قواميسنا كأوراق الخريف. لكن عزيمة الشعوب التي لم تفتر يوما، وصدق مشاعرها، وإخلاصها لقضاياها، شكل حائلا دون استيعاب ما خاطوه ورتبوه لهم وراء الأبواب المغلقة، وفي الخفاء، الذي لا يتناسب بأي حالٍ من الأحوال مع مقاسهم وأحلامهم.

انتابت أحمد مشاعر اطمئنانٍ، أن مصر ما زالت على العهد.. وأنها بألف خيرٍ، على الرغم من الرعاع الذين يدعون تمثيلها، والغوغاء الكتبجية الذين يتصدرون المشهد الإعلامي فيها، ويقومون بتسويق التطبيع، والعلاقات الحميمة مع الصهاينة، الذين لا يزالون يحتلون أم الرشراش وغيرها من أراضي مصر العروبة، والذين بفضل

اتفاقية كامب ديفيد يتحكمون اليوم في سيناء أمنيا، بل في كل سياسة مصر الأمنية ومنظومتها. وحتى في خيراتها من بترولٍ، وغازٍ، ويورانيوم… سلعٌ يشترونها بأبخس الأسعار عبر اتفاقياتٍ فرضت على مصر بالإكراه، والترغيب والترهيب، أو بالخداع…

خرج أحمد من محل الفكهاني محملا بعدة أكياس. أصر، بل رفض المعلم مغاوري أن يأخذ ثمنها. راوده إحساسٌ بثقل ما يحمل بين يديه من أغراضٍ. أحب أن يخفف من أثقاله. ألقى في سلة المهملات الصحف، والمجلات التي اشتراها في الصباح من منطقة وسط البلد. فهي تثقل عليه حمله، وتعكر صفو روحه وفكره.

وتتناقض بوضوحٍ مع طعم فاكهة مصر التي ما زالت بألف خيرٍ، على الرغم من العفن، والعهر الذي يطفو على السطح. هز برأسه في لحظةٍ هازئا. ابتسم، ردد في سره شامتا بفشل جيوش المطبعين المطبلين، كلمات سعد باشا الخالدة: ما فيش فايدة يا صفية…

 

  • كاتب لبناني

 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي