“مائة حجاية وحجاية”.. مشروع كاتب مغربي لتدوين الأدب الشفهي الشعبي

2021-09-22 | منذ 1 شهر

يضم كتاب "مائة حجاية وحجاية" بعض الأحجيات المغربية وتفسيرها وحلها

الرباط - سناء القويطي

الرباط – في الماضي، وبعد أن كان أفراد العائلة الكبيرة ينتهون من مشاغلهم، كانوا يتحلقون حول الأم أو الجدة في ليلة مختارة، لتبدأ جلسة مسامرة، تُحكى فيها الحكايات أو تلقى الأحجيات، ويتنافس الحاضرون لفهم ما وراء الكلام من رموز وإشارات ومعان.

ومع تغير أسلوب العيش وتراجع العائلات الممتدة، تراجعت جلسات السمر الليلي ومعها حكايات الجدات وأحجياتهن وأغنياتهن الشعبية. ولحماية هذا الموروث الشفهي من الاندثار، عمل الكاتب المغربي محمد البوعبيدي على جرد وتدوين الأحجيات وتفسيرها في كتابه الصادر حديثا المعنون بـ "مائة حجاية وحجاية: جرد، تفسير وتعليق" عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع بالقاهرة.

من المعايشة للتأليف

في العامية المغربية تسمى الحجاية أو الخبيرة، وفي اللسان الفصيح الأحجية أو اللغز، ومرادفها في المشرق العربي الحزورة أو الفزورة، وكانت الحجايات في العقود الماضية من أهم ركائز الاستمتاع بالوقت الثالث.

لم تراود فكرة الكتابة عن الأحاجي وتدوينها الكاتب محمد البوعبيدي مصادفة، بل فعل ذلك عن سبق إصرار وترصد.

يقول للجزيرة نت إن "ما أقوم به هو نتاج لعملية جمع وتوثيق بدأت منذ سنين طويلة، ومع البحث والكتابة، بدأ وعيي بالعملية يتطور أكثر".

في نظر البوعبيدي فإن ممارسة الحكاية والأحاجي أمر أكبر من أن يكون فعل كتابة، بل إنه حياة واندماج ومعايشة لأدب أول صفاته وأكثرها صعوبة أنه شفهي.

وينطلق الكاتب من تجربته الشخصية وطفولته التي حضر فيها جلسات سمر وحكي وتحاج، كانت بطلاتها والدته ونساء أخريات ممن يتميزن بذاكرة قوية وأسلوب فذ وسلس في تملك ناصية اللغة العامية والأدب الشفهي.

ويحكي الكاتب في كتابه عن تجربته، ويقول إنه عندما كان يستمع للحجايات ويحفظها في صباه كان دائم الاستمتاع بأن يرويها على طريقة الكبار، وحينها بدأت علاقته بعملية التحاجي تترسخ، وبدأت ملاحظاته تتضح ورؤيته لهذا الأدب تتعمق.

ومحمد البوعبيدي هو كاتب مغربي وشاعر وروائي، نشر له ديوانان "جنون اليرقة" 2014، و"الطلقات" 2016، وروايات "المذنبون" و"الخادمة" و"ستيبانيكو" و"الكوابيس" و "الأحلام لا تشيخ"، كما صدر له كتابان في تقنيات الكتابة "أسرار الكتابة الروائية"، و"أسرار الكتابة الشعرية".

للتحاجي شروط

تخضع جلسات التحاجي لعامل المصادفة كما الحكاية، فهي تولد وتنشأ في غياب النية والقصد، لأن ما يحكمها هو فقط حضور الشروط الضرورية واللازمة لميلادها ونشأتها ونموها الصحيح.

وأهم تلك الشروط انتصاف الليل وعموم الصمت والانتهاء من كل الأغراض والأشغال اليومية، ووجود مجموعة من الأطفال الذين بلغوا سن التطلع لحل الألغاز، وأيضا حضور النساء اللواتي بحوزتهن مجموعة لا يستهان بها من الأحاجي.

الكاتب المغربي محمد البوعبيدي (مواقع التواصل)

ووفق المؤلف، فإن النساء هن أكثر من يمارس تلك العملية، وذلك بعد أن يكون الرجال قد آووا إلى فراش النوم في أغلب الحالات، حيث تجد المرأة الحرية في مسامرة الأطفال بأحاج قد تحمل أحيانا أشكالا أو حلولا فيها بعض الجرأة أو الكثير منها.

وفي نظره فالحجاية ليست أداة للهو والتسلية فقط، بل إنها تلعب دورا كبيرا في التعلم وتقريب المسافة والتواصل بين الأجيال ومعرفة الفرق بين اللغة المباشرة والرمز.

ولا يخرج مضمون الحجاية في الغالب عن أمور الحياة اليومية للناس، فهي لا تتكلم عن شيء غريب أو فكرة لا يعيشها راويها ومستمعها الذي يحاول استنطاق المُحاجي ومساعدة نفسه على شق الطريق إلى الحل بطرح بعض الأسئلة المساعدة.

خصائص فنية وموضوعية

للحجاية خصائص فنية تتعلق بالطريقة والشكل، وخصائص موضوعية تتعلق بالموضوع والمضمون، ومن خصائص الحجاية توقيتها، فعملية التحاجي لا تتم إلا في جلسات ليلية.

ويتداول في الثقافة الشعبية المغربية فكرة مفادها أن من يحاجي بالنهار فسينجب أولادا صلعا، وهي فكرة كان الأطفال -ومنهم الكاتب- يصدقونها ويلتزمون بها، حتى أنه وأقرانه كانوا كلما رأوا شخصا أصلع يعتقدون أنه كسر القواعد وحاجى بالنهار.

وتضم الحجاية معظم خصائص القصيدة، فهي صورة شعرية فريدة محبوكة بطريقة جميلة ومنظمة وقوية، وتتميز بالتكثيف اللغوي وسهولة اللفظ وبالإيقاع.

مشروع متكامل

وكتاب "مائة حجاية وحجاية" هو جزء من مشروع متكامل يهدف إلى جمع وتدوين وتفسير الأدب الشعبي ودراسته باعتباره جزءا من الذاكرة المشتركة.

ويوضح البوعبيدي للجزيرة نت أن أكبر دوافعه لجمع الموروث الشعبي المغربي، هو ما لاحظه من تراجع قيمته ووصفه بالماضوية والحكم عليه بالفناء من طرف هذا الجيل، والتذرع بالرغبة في التخلص من دواعي العقلية القديمة، وجعله محل تهكم وسخرية.

ويقوم في الجزء الأول من سلسلته بجرد عشرات الأحجيات وتفسيرها وشرح المفردات العامية والتعليق على الأحجيات وربطها بأمثال وحكايات شعبية متداولة، وخصص الصفحات الأولى للتقديم للحجاية، تعريفها وأنواعها وطريقتها وأركانها وعلاقتها بالمعجم، بالإضافة إلى أنواع العلامات فيها.

وضمن هذا المشروع، يعمل الكاتب حاليا على جمع وتدوين الحكايات الشعبية والأمثال، ففي نظره فإن مكونات الأدب الشعبي تنبثق من بعضها وتصب في بعضها في الوقت نفسه، كما أنها تتواطأ جميعها من أجل إنتاج التعبير الفصيح والمعنى الصحيح والطريقة القوية الراقية "فكم من حجاية صارت تضرب مثلا وكم من حجاية تختزل حكاية".

لذلك يخلص إلى أن الأدب الشعبي لا حدود له حيث إن هناك اشتراكا في خصائص اللغة وفي الغايات، الاختلاف موجود فقط في الطريقة "فالحكاية سفر والمثل رصاصة والحجاية تحد ومبارزة" وفق تعبير الكاتب.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي