أيوب أبو دية.. استعانةٌ بالفلسفة لفهم التكنولوجيا

2021-08-31

"مرآة 11" لـ عارف منتظري / إيران

محمود منير

مع اختراع المحرّك البخاري في نهاية القرن السابع عشر، دخل العالم عصر الثورة الصناعية التي رافقتها مقولات فلسفية متعدّدة، سعى أصحابها منذ تلك اللحظة إلى فهم عملية الإنتاج وأنماطها، وكذلك اغتراب الإنسان في عصر الآلة، وصولاً إلى تأثير التقنية الواسع في تطوير التعليم وتكريس الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان.

ولا يزال الجدل مفتوحاً بين الفلاسفة المعاصرين حول هذه التأثيرات على ثقافة المجتمعات البشرية وهويّتها، مع طرح مزيد من التساؤلات التي يفرضها التقدّم المتسارع في أنظمة الذكاء الاصطناعي وعلوم النانو. يحاول الباحث الأردني أيوب أبو دية الاشتباك مع هذه المقولات في كتابه "فلسفة التكنولوجيا" الذي صدر حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون".

يعود المؤلّف إلى الأدوات التي استخدمتها حضارات ما بين النهرين ووادي النيل في تنظيم الريّ وطحن الحبوب والبناء، حيث ارتبطت مفاهيمهم حولها بالخبرة التجريبية، قبل أن يؤسّس الإغريق نظرياتهم العلمية والهندسية عبر تنظيراتٍ حول أصل المادة ونشأة العالم، ويساهموا في صنع مخترعات عديدة ستشهد توّسعاً هائلاً على المستويين النظري والعملي مع صعود الحضارة العربية الإسلامية التي تفاعلت خلالها فلسفات ومعارف نتيجة احتكاكها بالتراث الصيني والهندي واليوناني.

   

عرضٌ لأبرز المقولات الفلسفية حول التقنية، من ماركس إلى ماركوزه

مع انتقال العلوم وأحدث التقنيات لدى العلماء المسلمين من أمثال بني موسى بن شاكر وبديع الزمان الجزري إلى أوروبا، منذ القرن الحادي عشر الميلادي، بحسب الكتاب، تشّكلت مراكز تعليمية متخصّصة بدأت تنظر إلى العالم بمنهجية علمية تبتعد عن التفسيرات الأسطورية بصورة تدرّجية، سيكون لها دورها البارز في النهضة الصناعية لاحقاً.

يقف أبو دية عند محطّة مفصلية في التاريخ الإنساني تمثّلت بالفصل بين العلم والفلسفة مع غاليلو غاليلي في القرن السابع عشر، وظهور تخصّصات دقيقة، كما "لم يعد العلم يبحث عن سبب للحركة غير الانتقال في الزمان من موقع إلى آخر، ولم يعد يبحث عن غاية من أجلها توجد المادة؛ فالمادة تتكوّن منذ ذرات، وهي لا متناهية وأزلية وأبدية لا تفنى، إنما تتحوّل من شكل إلى آخر"، موضحاً أن هذا الانفصال لم يكن تامّاً لكنه أنشأ علاقة تكامل بين العلوم والفلسفة، وليست علاقة تبعية كما كان سابقاً.

ويرى أن الحاجة إلى تطوير حقل يسمّى "فلسفة التكنولوجيا" أتت استجابةً لدعوات فلسفية استندت إلى ضرورة السيطرة على التقنية وإخضاعها لمعايير معرفية وأخلاقية وثقافية أملتها أضرارها على المجتمع والناس، والتي تجلّت بإلقاء القنبلتين الذرّيتين على اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية، فشرع الفلاسفة يناقشون مصطلحات كالاغتراب والاستلاب والعبودية مثلما فعل هربرت ماركوزه، وقبله، وقبل الحرب، كارل ماركس وإرنست كاب وغيرهما.

تبلورت في هذا السياق مواقف أخلاقية تجاه التكنولوجيا، وفق الكتاب، واتّخذت معايير مثل المصلحة الشخصية أو مصلحة الجماعة أو الشعور بالواجب، في محاولات لضبط تجاوزات التطوّر التقني وأخطاره وتحقيق التوازن بينه وبين البيئة، وصعدت أيضاً تنظيرات لمواجهة فكرة "حتمية التكنولوجيا" وهيمنة ثقافتها على المجتمعات بوصفها سلعة وأداة معاً، وسيطرتها على الاقتصاد المعرفي وتقييدها للحرية.

ويلفت أبو دية إلى أن الفلسفات المعاصرة شرعتْ في فهم اللغة التي أنتجت التكنولوجيا من أجل توضيح جذورها التاريخية والثقافة التي ولّدتها، ما يستدعي التفكير بضرورة استيرادها بما يتناسب مع الثقافات المستورِدة لها، وبأهمية تطويرها إذا أمكن، وإعادة النظر في الرأسمالية التي صبغت التكنولوجيا بصبغة كمالية تفوق الحاجات البشرية المحدودة، ما أدّى إلى الإضرار بأصحاب الدخول المتدنّية والدول النامية.

ويختم كتابه بالحديث عن سيطرة الثورة الرقمية على حياتنا اليوم، وجعْلنا خاضعين لأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من دون أدنى تذمّر، رغم أنّ "فلسفة التكنولوجيا أبَت إلا أن تعتبر 'القلق من المجهول' الناجم عن التكنولوجيا فريضةً عقلية".








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي