هل يجب إجبار الأشخاص الذين يعملون من المنزل على العودة إلى المكتب؟

2021-08-14 | منذ 2 شهر

أثارت شخصية حكومية بريطانية رفيعة المستوى جدلا متجددا حول العمل من المنزل بعد اقتراح أثار ضجة وينص على ضرورة حصول موظفي الخدمة المدنية على رواتب أقل إذا لم يلتحقوا بمكاتبهم.

وقال الكاتب بن تشابمان -في تقريره الذي نشرته صحيفة " الإندبندنت" (independent) البريطانية- إن الوزير الغامض -الذي رفض الكشف عن اسمه في الخبر الذي تصدر الصحف البريطانية يوم الاثنين الماضي- أكد على أن العاملين من المنازل يستحقون رواتب أقل لأنهم يوفرون المال على أشياء مثل نفقات التنقل.

ونُقل عن الوزير قوله "أعتقد أن الأشخاص الذين يرغبون في المضي قدما في الحياة سوف يتجهون للمكتب لأن هذه هي الطريقة التي سينجح بها الناس"، مضيفا أنه لم يكن من الممكن لأصحاب العمل معرفة ما إذا كان موظفوهم يعملون أم يشاهدون التلفاز.

البيت أم المكتب؟

وأصر عضو البرلمان إيان دنكن سميث على أنه يجب على موظفي الخدمة المدنية "مغادرة مقاعدهم" والذهاب إلى المكتب. وبعد انتقادات شديدة، تراجعت الحكومة عن اقتراحها المزعوم في غضون ساعات.

وذكر الكاتب أن الخطة ثم سحبها سريعا يثيران بعض الأسئلة المهمة التي ظهرت خلال الوباء؛ هل الناس حقا أكثر تهاونا وكسلا وأقل إنتاجية عندما يعملون من المنزل أم أن هذه الأفكار قديمة؟ هل سيكون من الأفضل لأصحاب العمل وللاقتصاد ككل العودة إلى التنقل اليومي أم أن فوائد العمل من المنزل -لفترة على الأقل- تفوق أية سلبيات محتملة؟

تشير دراسات إلى أن العمل من المنزل لبعض الوقت يحسن الإنتاجية. وتذكر الدكتورة ريتا فونتينا -الأستاذة المساعدة في إدارة الموارد البشرية الإستراتيجية بكلية "هينلي" (Henley) للأعمال- إلى البيانات التي تم جمعها قبل الوباء والتي تفيد بأن نظام العمل الهجين كان له "مزايا كبيرة"، بما في ذلك انخفاض معدل التغيب عن العمل.

وتقول الدكتورة فونتينا "لا يوجد دليل يشير إلى أن العاملين في المنزل أقل إنتاجية أو أكثر كسلا، حيث تشير بيانات ما قبل فيروس كوفيد-19 إلى عكس ذلك تماما". كما ترفض الدكتورة فونتينا فكرة خفض أجور الأشخاص الذين يعملون بعيدا عن المكتب لأنها تستند إلى افتراض خاطئ بأنهم أقل إنتاجية.

مزايا العمل من المنزل

ومع ذلك، هناك عيوب للعمل من المنزل، حيث توضح الدكتورة فونتينا أن "العلاقات والتفاعلات الاجتماعية في مكان العمل لها صلة وثيقة بمستقبل الفرد الوظيفي وتطور الموظف. هذا مهم بشكل خاص لأولئك الذين بدؤوا حياتهم المهنية مؤخرا".

وبدلا من اتباع نهج شامل، يجب على أصحاب العمل السعي إلى تطوير ترتيبات عمل أكثر مرونة، مما يسمح للموظفين بدمج مزايا العمل من المنزل مع التفاعلات المنتظمة في المكتب، حسب قول الدكتورة فونتينا.

وفي حين أن العمل من المنزل له إيجابيات -مثل توازن أفضل بين العمل والالتزامات الأخرى- فقد يؤثر أيضا سلبا على الصحة العقلية على المدى الطويل من خلال تعميق مشاعر العزلة لدى بعض الأشخاص، وذلك وفقا لستيفن بيفان رئيس تطوير أبحاث الموارد البشرية في معهد دراسات التوظيف بجامعة "لانكستر" (Lancaster).

من جهتها، توافق شازية إعجاز -مديرة الحملات في اتحاد التعيين والتوظيف- على أن العمل عن بعد في المدى الطويل ممكن ومفيد، لكنها تقول إن ذلك لا ينطبق على الجميع.

وتقول إعجاز "من الصواب أن يكون للموظفين الحق في طلب جدول عمل مرن. يجب على أرباب العمل التفكير بجدية في ما هو الأفضل لأعمالهم والتشاور مع موظفيهم قبل اتخاذ قرار بشأن موقفهم من العمل عن بعد أو العمل المرن. يجب على الحكومة التشاور مع موظفي الخدمة المدنية أيضا".

تكاليف رعاية الأطفال

وتشير الدكتورة فونتينا إلى أن الدراسات التي أجريت على العمال أثناء الوباء أظهرت أن الأشخاص الذين يعملون من المنزل كانوا أقل إنتاجية عندما اضطروا أيضا إلى رعاية الأطفال، ولكن هذا التأثير اختفى عندما أعيد فتح المدارس، مما يدل على أن تحسين الوصول إلى رعاية الأطفال مع السماح أيضا بالعمل المرن يمكن أن يكون مفيدا.

وأضاف الكاتب أن تكاليف رعاية الأطفال في المملكة المتحدة تعد من بين أعلى المعدلات بالعالم، كما أن توفيرها متفاوت مع اختلاف الجودة والتوفر في جميع أنحاء البلاد.

لهذا السبب، فإن العديد من الآباء -وخاصة النساء اللاتي غالبا ما يتحملن عبء رعاية الأطفال أكثر من الرجال- يترددون في العودة إلى أسبوع عمل غير مرن لمدة 5 أيام في المكتب. بالإضافة إلى نظام رعاية الأطفال الممتد والمكلف، فإن العمل من المنزل قد أبرز أيضا حقيقة أن العديد من المكاتب سيئة التصميم.

أنواع العمل التعاوني

أكد الخبراء على الفجوة بين نوعين عريضين من العمل وهما العمل التعاوني، مثل الاجتماعات أو تبادل الأفكار أو العمل على هدف مشترك، والمهام الفردية التي تتطلب انتباها مركّزا ومتواصلا.

في فترة ما قبل الجائحة، كان العديد من العاملين بالمكاتب يقومون بشكل أساسي بالنوع الأخير من العمل في بيئات غير مناسبة تماما على غرار مكاتب ضيقة ومفتوحة توفر تشتيتا مستمرا وضوضاء في الخلفية. وحسب القصص المتناقلة، أفاد العمال بأنهم قادرون على التركيز بسهولة أكبر من المنزل، وهو ما قد يكون سببا لميزة الإنتاجية التي وجدها الباحثون.

بالطبع، هذه التجربة ليست عالمية. من المرجح أن يكون مدير رفيع المستوى ثري ولديه مكتب منزلي هادئ أقل تشتتا من خريج حديث أو تارك مدرسة يعمل على طاولة المطبخ في منزل مشترك مكتظ.

العمل بطريقة أفضل

من الواضح أيضا أن العديد من أنواع العمل التعاوني يمكن القيام بها بشكل أكثر نجاحا وجها لوجه بدلا من استخدام تطبيق "زوم" (Zoom) أو "مايكروسوفت تيمز" (Microsoft Teams)؛ لكن العديد من المكاتب لم يتم تصميمها لتأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار. باختصار، تم تصميم المساحات المكتبية بشكل سيئ من أجل النوع الخاطئ تماما من المهام.

وختم الكاتب بالقول إن الوباء يوفر لأصحاب العمل سببا لإصلاح أماكن عملهم وللحكومة لتحسين ترتيبات رعاية الأطفال بحيث يمكن الاستفادة من العمل من المنزل والمكتب بطريقة أفضل. وتشير الأدلة المتاحة إلى أن ذلك من شأنه أن يحقق فوائد أكبر بكثير -لرفاهية الأفراد وللازدهار الاقتصادي- من فوائد إجبار الموظفين على العودة إلى "العمل كالمعتاد".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي