متلازمة الميدالية الفضية

كيف تشفى من عدم الرضا عن حياتك المهنية؟

2021-08-07 | منذ 3 شهر

زهراء أحمد

تصدر أبيل ريتشارد سباق 1500 متر في أولمبياد 1912، حتى تخطاه عداء آخر على حين غرة، ليسبقه قبل 8 أمتار من خط النهاية.

وبعد 70 عاما من السباق، قال أبيل في حوار صحفي "أستيقظ أحيانا وأتساءل عما حدث لأستحق تلك النهاية المؤسفة"، كان عمره 91 عاما وقت ذلك الحوار، ولا يزال تعيسا لإحراز الميدالية الفضية، وهو ما أرعب العامة، لأنه حتى كونك ثاني أعظم لاعب في العالم لا يضمن لك الرضا.

مأساة الثاني بين أفضل اثنين

أثارت ردود الأفعال البائسة لأصحاب المركز الثاني حيرة خبراء النفس، حتى نشرت الأكاديمية الأميركية للطب النفسي نتائج بعض الأبحاث حول مشاعر الندم والرضا بين الحائزين على الميداليات الأولمبية، التي أثبتت أن ردود الفعل العاطفية للبشر تجاه الأحداث تتأثر بأفكارهم حول إجابة سؤال "ماذا لو كنت..؟"

طبق الباحثون فرضيتهم على ختام الألعاب الأولمبية الصيفية 1992 في إسبانيا، حيث يشعر بالسوء أولئك الذين هم أفضل حالا من العالم أجمع، وكانت المفارقة على منصة الميداليات، عندما مال الحائزون على الميداليات البرونزية إلى الشعور بالسعادة أكثر من حاملي الميداليات الفضية.

في عام 2006، تعاون عالم النفس ديفيد ماتسوموتو من جامعة ولاية سان فرانسيسكو مع بوب ويلينغهام لترميز تعبيرات الوجه باستخدام تقنيات غير بشرية، وقراءة وجوه اللاعبين بعد مباريات الجودو في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2004 في أثينا، وبالفعل وجدوا أن 13 من 14 فائز بالذهبية ابتسموا فور الانتهاء من المباراة، في حين ابتسم 18 من أصل 26 حامل ميدالية برونزية، ومع ذلك، لم يبتسم أي من أصحاب الميداليات الفضية فور انتهاء المباراة، وتراوحت تعبيرات وجوههم بين الحزن بنسبة 43% والازدراء 14%،  في حين لم يظهر 29% أية تعبيرات.

وعزا الباحثون تلك النتيجة إلى "سيكولوجية الندم"، فالفكرة البديلة الأقرب لعقل حامل الميدالية الفضية هو الفوز بالذهبية لو أنه ركض أسرع قليلا، وربما لن تأته فرصة ثانية ليكن بطل العالم، في حين أن الحائز على البرونزية يركز على حقيقة أنه كان من الممكن أن يتراجع بسهولة للمركز الرابع بفارق ثانية واحدة، وبدلا من ذلك يجد السعادة في حقيقة أنه حائز على ميدالية أولمبية.

كيف تهرب من متلازمة الميدالية الفضية؟

هكذا نفكر في إنجازاتنا المهنية، فإذا كنت على مدار 5 سنوات واحدا من أفضل اثنين في العالم في وظيفتك، من المعقول أنك ستشعر بالرضا والفخر على ذلك الأداء المتميز، لكن بدلا من ذلك، يخيرك عقلك بين أن تصبح الأول وإلا يذكرك بفشلك في أن تصبح الأول، بالضبط كما عبّر السباح الأميركي مارك سبيتز -الذي فاز بـ7 ميداليات ذهبية في ميونيخ عام 1972- عن القلق ذاته قبل سباقه السابع في ذلك العام حينما قال "إذا سبحت في 6 سباقات، وفزت بستة، سأكون بطلا، أما إذا سبحت 7 مرات وفزت بست، فسأكون فاشلا".

نظرا لأن التفكير في البدائل هو إحدى الطرق القليلة التي نمتلكها لتقييم السببية في العالم، يمكننا جميعا أن نجد أنفسنا أحيانا من الحائزين على الميدالية الفضية في حياتنا اليومية، مما يجعلنا أقل سعادة ورضا عن حقيقة أننا حققنا إنجازا أكبر من الآخرين، لكن ما تعلمنا إياه الألعاب الأولمبية هو أنه على الرغم من أن الحلم بالفوز يمكن أن يدفعنا إلى الأمام، فإنه يأتي مع عيوب يمكن أن تقوض الرضا عن الإنجاز الفعلي.

فهل يجب أن نحاول جميعا أن نكون مثل أصحاب الميداليات البرونزية والتركيز على كيف يمكن أن تكون الأمور أسوأ؟ ليس تماما، لكن هناك طرقا أفضل للتقبل والرضا والنجاح أيضا في الحياة المهنية.

يقول أستاذ علم النفس بجامعة كورنيل، توم جيلوفيتش، إن المقارنة بمن هم أقل منا يمكن أن تشعرنا بتحسن، أما المقارنة بمن هم أعلى منا فقد تكون محبطة. لكن لكل عقلية مزاياها وعيوبها، لذلك قد يكون النهج الحكيم هو التبديل بين العقليتين، والاستفادة بمقارنتنا بمن هم أعلى لتحفيزنا على تخطيهم وليس التقليل مما حققناه، ولكن كيف تحقق ذلك؟

تعاطف مع ذاتك، فليست كل أفكارك عن نفسك صحيحة، واسعَ لتدريب صوتك الداخلي على أن يكون صديقا لطيفا وحليفا لك في خطتك للبحث عن الفرص. ويتضمن التدريب خطوات فعالة للتعامل مع أفكارك بموضوعية ووعي، كأن تسأل نفسك "هل فكرتي عن فشلي حقيقية؟"، ثم "هل يمكنني إثبات صحتها؟"، ثم "إذا كان شعوري بفشلي غير صحيح فكيف أتصرف معه إذا صدقته؟"، ثم تبدأ في كتابة الخطوات والمحاولات التي تتخذها في طريقك نحو النجاح، فعلى الرغم من أنك لم تفز بالسباق، فقد تعلمت الكثير، وتلقيت تعليقات مفيدة للمرة القادمة.

ركز على ما تملك، فقد يركز بطل أولمبي على ما لا يسيطر عليه، مثل اختيار منظمة ما لمرشح آخر لدعمه ماديا من دون سواه، ويدع التفكير السلبي يسحب من طاقاته، ويدع مهاراته التي يمكنه التحكم بها جانبا، والبحث عن سبب عدم اختياره، بدلا من البحث عما يحتاجه لتلقي دعم مشابه.

يصعب على الكثيرين تحديد المشكلة قبل حلها، فقد تكمن المشكلة في عدم سعي البطل للحصول على دعم، لكنه يراها في قلة وسامته أو عدم نزاهة قواعد الاختيار، وهو ما أطلق عليه الأستاذان بجامعة ستانفورد، بيل بورنيت وديف إيفانز، في كتاب "صمم حياتك: كيفية بناء حياة سعيدة وممتعة" اسم "مشاكل الجاذبية"، فالجاذبية حقيقة من حقائق الحياة لا يمكن فعل أي شيء حيالها، وإذا ركزت على "مشاكل الجاذبية" فستستمر بالاصطدام بالأرض، لذا، بدلا من محاربة "مشاكل الجاذبية" تقبلها على حقيقتها، وانتقل لمشكلة يمكنك حلها.

تأتي الفرص بطرق أذكى من أخرى، فقد يكون التقديم على أكثر من 10 وظائف يوميا بمثابة عمل مجهد، مقارنة بتنشيط شبكتنا المهنية، عن طريق مكالمة مع زميل سابق، لإعادة تنشيطك وإلهامك بخطط ومهارات جديدة تحتاجها لتحسين طريقة عملك.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي