تاريخ طويل وجولات من التمرد.. كيف تواجه باكستان معضلة بلوشستان؟

Balochistan conundrum
2021-07-31 | منذ 2 شهر

نشرت صحيفة «داون» الباكستانية التي تصدر باللغة الإنجليزية مقالًا للكاتب عباس ناصر، المحرر السابق بالصحيفة، سلَّط فيه الضوء على ما وصفها بـ«معضلة بلوشستان»، وبلوشستان أو إقليم بلوچستان عبارة عن إقليم جاف يقع في جنوب غرب آسيا على طرف الهضبة الإيرانية ويمتد بين إيران وباكستان وأفغانستان.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى إعلان رئيس الوزراء عمران خان عن تحرك جديد يهدف إلى تحقيق المصالحة مع إقليم بلوشستان بعد ستة أعوام من فشل أو إحباط المحاولة الأخيرة لباكستان من أجل احتضان قادة البلوش المناهضين للدولة، لكن توجد أسئلة حاسمة يتعين الإجابة عنها قبل أن تبدأ مثل هذه المبادرة على أرض الواقع.

جولة التمرد الرابعة

وذكَّر الكاتب بأن الجولة الحالية من التمرد هي الرابعة منذ انضمام خان قلات (أحد زعماء بلوشستان) إلى باكستان بعد نحو سبعة أشهر من ولادة البلاد، الأمر الذي أدَّى إلى اندلاع الاضطرابات في عام 1948. ولم يُرضِ هذا القرار بعض قادة البلوش.

وعلى النقيض من المشكلات التي شهدتها الخمسينيات ثم السبعينيات من القرن العشرين، استمرت الجولة الحالية لمدة طويلة منذ مقتل الزعيم البلوشي نواب أكبر خان بوجتي، عندما اقتحم الجيش مخبَأه في عام 2006. وكان الشيخ القبلي قد خرج إلى الجبال احتجاجًا على اغتصاب طبيبة في منطقة سوي.

وكان المغتصب المزعوم ضابطًا في قوات الأمن، وخرج الحاكم العسكري آنذاك الجنرال برويز مشرف علنًا ​​للدفاع عنه، معلنًا براءته، حتى قبل إجراء تحقيق رسمي، ناهيك عن استكماله وإصدار تقرير.

ولفت الكاتب إلى أن نواب اشتاط غضبًا مما رأه استخفافًا، ذلك أنه ارتأى أن الطبيبة كانت تحت حمايته، واحتج بشدة. وما تلا ذلك كان مأساة تلو الأخرى. فقد أُريقت كثير من الدماء، وتكاد لا تخلو عائلة في منطقة البلوش من التأثر بتلك المأساة.

وكان لغير البلوش أيضًا نصيبهم من المعاناة، لأن بعض الجماعات المسلحة لم تُبقِ حتى على العمال الفقراء الناطقين باللغة السَّرائيكية الذين يعملون في مشاريع بناء الطرق. كذلك استُهدِف الأساتذة والأطباء والمهنيين المتعلمين من ذوي الياقات البيضاء، إلى جانب أفراد الأمن.

رد الدولة القاسي

وأوضح الكاتب أن رد فعل الدولة كان قاسيًا. فقد اختفى العشرات من شباب البلوش، واختفوا دون أثر، وعُثِر على جثث لا حصر لها ملقاة تحمل علامات التعذيب الوحشي، وكأنها رسالة أيضًا واضحة لأي شخص لديه مشاعر انفصالية مؤيدة للبلوش.

وفي ظل هذه الخلفية، كان تحرك رئيس الوزراء جديرًا بالتقدير، ولكنه يحتاج إلى وَضْع مُختلف المفاوضات الفاشلة السابقة في الاعتبار. وعلى سبيل المثال، تخلى الجنرال مشرف عن هذه العملية حتى في الوقت الذي كان فيه قادة حزب الرابطة الإسلامية (جناح كويد)، تشودري شجعت حسين ومشهد حسين، يعربون عن تفاؤلهم بشأن التوصل إلى حل سلمي بعد محادثات مفصلة في ديرا بوجتي مع نواب.

لكن الجنرال مشرف اختار المواجهة المسلحة بدلًا من ذلك، فقد كان يعتقد هو ورفاقه أنهم قادرون على القضاء على التحدي باستخدام القوة. وقد أدَّى هذا النهج على نحو مأساوي إلى تحول أكبر بوجتي، أحد أكثر زعماء القبائل السياسية الموالية للفيدرالية في المنطقة، إلى رمز للنزعة الانفصالية بعد مقتله.

وقد تمكَّن وريثه وحفيده، براهمداغ بوجتي، الذي كان معه وقت وفاته، من الفرار. وهو الآن يرأس الحزب الجمهوري البلوشي المحظور الذي يُقال إن له صلات مع الجيش الجمهوري البلوشي المحظور، وهو أحد المجموعات المسلحة الرئيسة الثلاث التي تحرِّض حاليًّا على قوات الأمن الباكستانية.

وتفيد التقارير أنه انتقل في البداية إلى أفغانستان ولكن بعد أن اشتكى رئيس المخابرات الباكستانية الجنرال شوجا باشا إلى الرئيس الأفغاني آنذاك حامد كرزاي من أن براهمداغ بوجتي قد أقام قاعدة في كابول، انتقل زعيم الحزب الجمهوري البلوشي إلى سويسرا في عام 2010. ويعيش حاليًا هناك على الرغم من رفض طلبه اللجوء في عام 2016 على أساس أن دولتين اشتكتا من أن حزبه يدعم حرب العصابات ضد باكستان. وقد مُنِح الحق في الاستئناف.

ونوَّه الكاتب إلى أن براهمداغ بوجتي اعترف في الوقت نفسه تقريبًا بالتحدث إلى الهند، طالبًا اللجوء أثناء المحادثات في القنصلية الهندية في جنيف، ولكن ليس من الواضح هل قُبِل طلبه أم لا لأنه لا يزال يعيش في سويسرا مع أسرته حيث أجريت له عملية جراحية في الدماغ الشهر الماضي.

ويعيش قريبه ورفيقه مهران ماري، شقيق رئيس جيش التحرير البلوشي، بالاخ ماري، في أوروبا أيضًا، وهو مدافع نشط عن قضية البلوش. ومنعت سويسرا دخوله متذرعة بتورطه في أعمال إرهابية في عامي 2016-2017. ويقيم الآن في المملكة المتحدة.

وفي حين أعرب براهمداغ بوجتي عن رغبته في التفاوض مع الحكومة الباكستانية في عام 2015، وكذلك في أغسطس (آب) 2020 في مقابلات تلفزيونية، فإن موقف بعض الزعماء الانفصاليين البلوش الآخرين ليس واضحًا تمامًا، وهذا يشمل مهران ماري وجافيد منجال. وهناك بعض الاقتراحات بشأن اتصالات مع خان كلات مير سليمان داوود المَنفي ذاتيًّا في لندن.

إمكانية تحقق السلام

وألمح الكاتب إلى أن كل هؤلاء القادة البلوش هم سليل عائلات زعماء القبائل ذات النفوذ، لافتًا إلى أن الزعيم الانفصالي الوحيد من الطبقة الوسطى هو الدكتور عبد الله نزار من جبهة تحرير البلوش، الذي يقال إنه في أفغانستان بعد الإبلاغ عن إصابته في مواجهة مسلحة مع قوات الأمن في بلوشستان. وأشارت التقارير الأولية إلى أنه قُتِل.

ولم تُحرز تحركات السلام التي بدأها حزب الشعب الباكستاني خلال السنوات الخمس التي قضاها في السلطة اعتبارًا من عام 2008، ثم حزب الرابطة الإسلامية (جناح نواز) وحلفاؤه في الحزب الوطني، أي تقدم في عام 2015، حتى مع ارتفاع التوقعات عندما التقى رئيس وزراء بلوشستان الدكتور عبد المالك بلوش والوزير الاتحادي المتقاعد الجنرال عبد القادر بلوش مع براهمداغ بوجتي، الأمر الذي أثار موجة من التفاؤل، والذي لم يلبث أن تبخر بعد مدة وجيزة.

واليوم، هناك إمكانية للحركة، إذ يقال إن الحكومة والمؤسسة الأمنية متفقتان في هذا الصدد. بيد أن التقدم يتوقف على توضيح الحكومة الزعيم (الزعماء) أو الجماعة (الجماعات) الذين تَعدُّهم مدعومين من الهند، ذلك لأنها قالت إنها لن تعقد أي محادثات مع مثل هذه الكيانات.

وأردف الكاتب أن براهمداغ بوجتي نفى تلقي المساعدة من الهند على الرغم من أنه قال أيضًا إنه لن يكون مستاءً من قبول المساعدة من أي شخص لقضيته. وكان رده الأوَّلي على تعيين ابن عمه شاهزين بوجتي للمضي قدمًا في عملية المصالحة هو المزاح بشأن ذلك.

وتساءل الكاتب: ألن يكون من الحكمة أن تستقطب باكستان كل قادة البلوش المختلفين معها في حوار ولا تترك أيًّا منهم خارج العملية لكي لا يستغلَّهم أعداؤها، وذلك من أجل إحلال سلام دائم على أرضها ودحر مكائد أعدائها؟

وهذا يتطلب الحكمة والرؤية. والوقت كفيل بالحكم هل هناك ما يكفي منهما لحل هذه المعضلة أم؟ بحسب ما يختم الكاتب.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي