المحكمة الدستورية.. المفتاح المفقود لحل أزمة تونس

2021-07-27 | منذ 2 شهر

الحرة: وسط الأزمة السياسية العاصفة في تونس، يقبع خلاف حول تفسير مادة من الدستور يقول الرئيس قيس سعيد إنها تعطي له الحق في اتخاذ إجراءات استثنائية، لكن الجهة التي كان من المفترض أن يكون لها القول الفصل في مثل هذه الخلافات تظل غائبة.

وفي حين ثار الجدل حول مدى صحة أو خطأ موقف الرئيس التونسي بتفسير المادة 80 من الدستور، والتي تتناول حقه في اتخاذ إجراءات استثنائية أثناء تعرض الدولة لخطر داهم، فقد فشلت القوى الحاكمة على مدار 6 سنوات في تشكيل المحكمة الدستورية للبلاد، والمخولة بالبت في القضية والحكم في ما إذا كان تفسير الرئيس للدستور صحيحا أم معلولا، ما يعكس أن شقاق اليوم ليس وليد اللحظة. 

ولطالما كانت قضية تشكيل المحكمة الدستورية مثال خلاف ومصدر توتر بين الرئيس التونسي والبرلمان في بلاد تعتمد منذ نحو 7 أعوام نظاما برلمانيا معدلا تسند فيه للرئيس صلاحيات مقيدة.

وكان الرئيس قيس سعيّد قد ألمح في الكثير من خطاباته إلى رغبته في تعديل النظام السياسي بإقرار النظام الرئاسي لكن هذه الخطوة تستوجب أولا وجود المحكمة الدستورية.

جذور الأزمة

بعد صدور دستور تونس الجديد عام 2014، صدر القانون الأساسي للمحكمة الدستورية في 2015، وعرفها بأنها "هيئة قضائية مستقلة ضامنة لعلوية الدستور وحامية للنظام الجمهوري الديمقراطي وللحقوق والحريات في نطاق اختصاصاتها وصلاحياتها المقررة بالدستور والمبينة بقانونها".

وطبقا لهذا القانون، فإن المحكمة الدستورية تتكون من 12 عضوا حيث يعين الرئيس  4  قضاة منهم، ويختار المجلس الأعلى للقضاء 4 آخرين، ويختار البرلمان الـ 4 المتبقيين. وكان على البرلمان التونسي أن يجري انتخابات داخلية لاختيار قضاته المقترحين من القوى السياسية الممثلة، بحيث يفوز 4 مرشحين حائزين على ثلثي الأصوات.

وعلى مدار 5 جلسات تصويت امتدت حتى 2019، لم ينجح البرلمان سوى في ترشيح القاضية روضة الورسيغني، ولم يحصل أي مرشح آخر على ثلثي الأصوات.

وعن تأخر تأسيس المحكمة الدستورية يقول المحلل والخبير القانوني، الصغير الزكراوي، أن المتسبب الرئيسي هو الائتلاف الحاكم الذي كان يملك أغلبية مريحة في البرلمان لاختيار 4 قضاة قبل أن ينتهي أجل العام المخصص لذلك، إذ أن الائتلاف آنذاك بقيادة حركة النهضة ومعه حزب نداء تونس في موضع قوة نسبيا.

وشدد الزكراوي في حديثه لموقع قناة "الحرة"، على أنه كان بالإمكان حل الكثير من الخلافات بين السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية ورئاسة الجمهورية لو كانت تلك المحكمة موجودة سواء في عهد الرئيس الحالي، أو خلال فترة ولاية الرئيس الراحل، القائد الباجي السبسي، سواء من حيث صلاحيات كل جهة، أو للنظر في مدى دستورية القوانين والمراسيم الصادرة عن السلطة التشريعية، وغير ذلك من الأمور الشائكة والمعقدة في نصوص وثنايا الدستور والقوانين.

ورأى الزكراوي أن "كافة الأطراف السياسية" كانوا على مدى السنوات الماضية سعداء بالمماطلة والتسويف والجدل العميق لأن ذلك كان يتماشى مع مصالحهم، مما كان يعمق أزمات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

واعتبر أن القوى السياسية الحاكمة والتي كانت تنظر بعين الريبة إلى تشكيل المحكمة الدستورية قد دفعت ثمن انتهازيتها الآن، موضحا: "الآن لقد انقلب السحر على الساحر، فلو كانت تلك الهيئة القضائية موجودة لفصلت في هذه الأزمة وفي أزمات أخرى سبقتها، ولكن الآن الزمن تجاوزها، وإذ فرضنا أن ما فعله سعيد انقلابا، فهو برأيي انقلاب محمود لأنه أنقذ البلاد من أزمة خانقة كانت ستؤدي بنا إلى المجهول"، على حد قوله.

من جهته، يتفق المحلل والخبير السياسي، الجمعي القاسمي، مع ما ذكره الزكراوي، قائلا: "موضوع المحكمة الدستورية شائك جدا ومعقد منذ العام 2015 وحتى الآن، إذ أن حركة النهضة وبالتواطؤ مع حزب نداء تونس الذي كان يرأسه السبسي منعا تشكيلها، وبقي التسويف والمماطلة أمر قائم حتى إلى أن وصلت الأمور إلى هذا المنحى من الخطورة".

وأوضح القاسمي في تصريحات لموقع "الحرة": "حاليا يوجد لدينا الجمعية الوقتية لمراقبة القوانين الدستورية، وبإمكانها أن تحل مكان المحكمة التي لم ولن ترى النور"، على حد قوله، وهي هيئة مؤقته نشأت في 2014، وكان من المفترض أن تنحل فور تشكيل المحكمة الدستورية، لكنها لا تمتلك نفس الصلاحيات.

وأضاف: "بحسب الدستور فإن رئيس البلاد هو الضامن والحامي له وبالتالي هو الأقدر في ظل عدم وجود هيئة قضائية عليا تفسر المواد وتفعلها".

الرئيس التونسي، قيس سعيد

الرئيس.. حامي الدستور أم شريك الأزمة؟

ومن أجل الخروج من الأزمة، حاول البرلمان أن يتقدم بمشروع قانون للرئيس التونسي يخفض عدد الأصوات المطلوبة لترشيح البرلمان لقضاته أبريل الماضي، لكن قيس سعيد رفض التوقيع على هذا المقترح قائلا:  "إن المجلس النيابي (البرلمان) بمثل هذا الموقف وضع نفسه في موقف دستوري مستحيل"، معللا أن التأخر في تحديد المرشحين يعني أن الوقت قد فات على البرلمان.

وكان رفض الرئيس التوقيع على تعديل قانون يقره البرلمان هو بذاته محل خلاف دستوري، لا يفصل فيه بشكل قاطع سوى المحكمة التي يدور حولها الخلاف أصلا، مما عقد الأزمة ووصل بها إلى طريق مسدود.

في هذا الإطار، يرى القانوني والمحلل السياسي، عبداللطيف دربالة، أن الرئيس قيس سعيد كان مشاركا في بث الشلل بالحياة السياسية وتأزيم الوضع في تونس"، محملا إياه المسؤولية للنتيجة التي وصلت لها البلاد حاليا، على حد قوله.

وقال دربالة لموقع قناة "الحرة" إن الرئيس سعيد "ألغى أي إمكانية لتأسيس محكمة دستورية على الأقل في عهده"، وهي كانت كفيلة بإخراج البلاد من الأزمة السياسية التي تعيشها حاليا.

وأضاف: "لو كانت المحكمة الدستورية موجودة لذهب إليها من يرفض إجراءات الرئيس الأخيرة للطعن فيها، والمحكمة ستبت في القضية. بقية المحاكم الأخرى في البلاد لا تنظر في أي قضايا تمس الدستور باعتبارها أنها غير مختصة".

وأشار إلى أن "الرئيس يرى بأن تبقى البلاد بلا محكمة دستورية على اعتبار أنه في العام 2014 منح البرلمان مهلة لمدة عام لتعيين أعضاء هذه المحكمة وهو ما لم يحدث".

ويرى دربالة أن هذا تجاوز المهلة المحددة لتعيين أعضاء المحكمة الدستورية من قبل البرلمان لا يسقط الحق في تأسيسها، مستدلا بالمجلس الأعلى للقضاء الذي تأسس خلال سنة ونصف رغم أن المهلة التي منحت لتشكيله كانت 6 شهور.

وقال إن "الغرض من المهلة هو الحث على التأسيس في وقت سريع، لكن انقضائها لا يعني أنه لا تشكل المحكمة الدستورية أو أن هذا الحق قد سقط.. على سبيل المثال  لا يسقط  الحق العام لشخص مطلوب بدفع مبلغ للضرائب خلال مهلة محددة، فالهدف من المهلة هنا هو التسريع من العملية وليس سقوط الحق بعد فترة من الزمن".

وسواء وقع اللوم على الرئيس أو الأحزاب المناوئة له، يتفق المحللون من الجانبين على أن المحكمة لن تتشكل في الأغلب بعهد قيس السعيد، إذ يقول دربالة إنه من غير المرجح أن تتأسس المحكمة في عهد الرئيس سعيد على أقل تقدير.

من جهته، يقول الزكراوي: "هذا أمر عفى عليه الزمن بعد التطورات الأخيرة ولا فائدة من الحديث عنه، وعلينا أن ننتظر ملامح خارطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس، التي بالفعل تجاوزت ما تستند عليه المادة 80 من الدستور التي لا تنص على تجميد البرلمان أو إقالة الحكومة".

وأعرب الزكراوي عن أمله في أن ينجح الرئيس بتأسيس نظام سياسي مستقر ينقذ البلاد، قائلا: "الرئيس ألمح في أحد خطاباته في إمكانية العودة إلى دستور 1959 أي العودة إلى النظام الرئاسي، وبالتالي الانتهاء من تضارب الصلاحيات، وبالتالي الحديث عن محكمة دستورية يمكن أن يحدث بعد تعديل الدستور الحالي أو وضع دستور جديد".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي