رولان بارت.. فيلسوف يلعب مع القارئ

2021-05-17

رولان بارت

الشارقة -علاء الدين محمود

هل يمكن لأحد أن يكتب جوانب من سيرة حياته، ويكون محايداً في ذات الوقت؟ ذلك ما حاول أن يفعله رولان بارت، «1915 1980»، في كتابه «رولان بارت بقلم رولان بارت»، وهو المؤلف الذي صعب على النقاد تصنيفه، هل يضعونه ضمن الأدب أم الفلسفة والنقد؟ ولكن قبيل أن نمضي في تناول هذا الكتاب، نجد من الضروري أن نقدم إضاءة حول بارت وأهميته في مجال الأدب، فعلى الرغم من الاسهام الفلسفي الكبير الذي قدمه الرجل إلا أن الكثيرين قد اعتبروه رمزاً للمتعة وليس للعلم؛ أي متعة القارئ وحقه في أن يقرأ بالطريقة التي يراها.

ظل بارت يدافع عن المتلقي ويمنحه دوراً فعالاً وخلاقاً، ولا عجب فهو حامل لواء ما يمسى بنظرية «موت المؤلف»، كما عرف الرجل بدفاعه عن الأعمال الكلاسيكية التقليدية في فرنسا، فبينما اعتبرها كثير من النقاد وأتباع تيار «الرواية الجديدة»، بأنها مشوشة وغير صالحة للقراءة في العصر الحديث، ذهب بارت في اتجاه مناقض عندما أشاد بالأدب الروائي التقليدي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما ذكر أن غايات الأدب تتحقق من خلال أعمال غير صالحة للقراءة فهي تتحدى التوقعات، وينتمي بارت إلى تيار فكري وفلسفي كان له حضوره الكبير في فرنسا والعالم حيث يضم شخصيات بحجم ميشيل فوكو، وجيل دولوز، ولاكان وغيرهم.

الكتاب يقدم إضاءة حول شخصية مركبة ومحتشدة بالتناقضات، كما أنه يمثل مدخلاً للقارئ نحو أعمال بارت الأدبية والفكرية والنقدية التي تحفل بالنظريات المعقدة، والرؤى الغامضة، بالتالي عندما يتحدث بارت عن نفسه فإن ذلك يجلي الكثير من الغموض والصعوبات التي تواجه المتلقي في قراءته لتلك الاعمال التي يتصف الكثير منها بالتعقيد، فالرجل قد تنقل بين كثير من الحقول المعرفية والنظريات الفكرية والأدبية من البنيوية إلى ما بعدها.

في الكتاب يرسم بارت صوراً من حياته الإنسانية والفكرية، عبر منعطفات شكلت رؤاه واهتماماته الأدبية والفلسفية، لكنه يخضع كل تلك المراحل الحياتية إلى التقييم؛ أي يمارس هوايته ومهنته النقدية تجاه مسيرته والتقلبات التي مر بها، الأمر الذي قد يوقع القارئ في الحيرة تجاه النوع الذي يطالعه، وهل هو مجرد اعترافات وسيرة ذاتية، أم رواية يلعب فيها بارت دور الراوي؟ حيث يمارس بارت لعبة ما في الكتاب، وعلى القارئ أن يكتشفها.

في الكتاب يرسم بارت صوراً من حياته الإنسانية والفكرية، عبر منعطفات شكلت رؤاه واهتماماته الأدبية والفلسفية

الكتاب ينقسم إلى قسمين، في الأول يجد القارئ نفسه أمام مجموعة من الصور الفوتوغرافية لمراحل مختلفة من حياة بارت، وهو ذات الأمر الذي مارسه في مؤلفه الشهير «الغرفة المضيئة»، لكنه في هذا الكتاب «بارت بقلم بارت»، وتحديداً هذا القسم الذي حمل عنوان «المتخيل الصوري»، يركز بصورة أساسية على مرحلتي الطفولة والشباب، تلك التي الفترة التي يصفها بغير المنتجة أو غير الإبداعية، حيث يوجه سخرية لاذعة لتلك الحقبة من حياته، فعندما كان شاباً كان يظن أن كل ما يفعله أو يتوصل إليه من أفكار ومفاهيم هو صحيح لا يتسرب إليه الشك، ويخضع بارت تلك الصور لعملية تأمل عميق، وكأنه يستنطقها أو يستعيد أزمنتها، أو ربما يتعامل معها وكأنها غريبة عليه ويسعى نحو اكتشافها من جديد، فهو يعلق عليها بما يتخيله عنها، وليس ما حدث بالفعل، الأمر الذي يشعر القارئ أن هناك نوعاً من الانفصال بين بارت وتلك الصور.

 

القسم الثاني من الكتاب يأخذ القارئ إلى متعة جديدة ومختلفة، ففيه يمارس بارت أيضا النقد والتفكيك والتحليل تجاه عاداته وذاته، وهو أمر لا يخلو من السخرية التي عرف بها، وهو يفعل ذات الشيء تجاه مؤلفاته والكتب التي قرأها ومفاهيم بعض المفكرين، حيث يخضعها أيضا للتحليل العميق والتأمل، فما يفعله بارت في هذا الكتاب هو أن يحول سيرته وشخصيته إلى علامة تبحث عن التأويل من قبل القارئ، وذلك ما وضحه بالقول: «أريد في هذا الكتاب أن أكون صادقاً وقابلًا للتأويل»، لذلك فإن بارت في هذا المؤلف يقترب كثيراً من القارئ ويمنحه حق قراءته وتحليله بالطريقة التي يراها والتي يحس معها بالمتعة.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي