حكايا الطاعون المؤرخون وأطر كتابة تاريخ الأوبئة

متابعات الأمة برس
2021-04-12 | منذ 4 أسبوع

مع قدوم وباء كورونا، كان العالم العربي على موعد مع سلسلة من المقالات والأبحاث حول تاريخ بعض الأوبئة في المدن الإسلامية، وبالأخص مع الطاعون الذي كتب عنه العديد من المؤرخين والفقهاء المسلمين، وتطرقوا لآثاره، وما خلفه من وفيات كبيرة، وكيف تعامل معه الناس آنذاك، لكن الملاحظ في هذه الموجة العربية من الكتابة، أنه سرعان ما بردت همتها، على الرغم من استمرار وباء كورونا، الأمر الذي فُسر أحياناً من باب أن المواد الثقافية والتاريخية، التي تنشر اليوم في الصحف والمجلات العربية، لم تعد تعكس هموما ومشاريع يومية بالضرورة، بقدر ما باتت تقدم مادة مطلوبة ورائجة، كما أن هناك من ربط ذلك بغياب مدرسة عربية تعنى بتاريخ الأوبئة أو الأمراض، فالدراسات والكتب في هذا السياق نادرة وقليلة قبل الوباء الأخير، مما لا يساعد في تراكم الأبحاث والدراسات، واستمرار الكتابة في هذا الحقل.

ويلاحظ أيضاً في مجمل هذه الكتابات، أنها تعاملت في الأغلب مع تواريخ الطاعون بوصفها تواريخ من الأرقام والضحايا الذين سقطوا في المدن الإسلامية، وأن قسما منها أعاد نسخ المعلومات ذاتها التي كتبها مؤرخو تلك الفترة، دون أن يعاد النظر فيها، وهنا بدت وظيفة المؤرخ أو الباحث، وكأنها تتمثل في جمع ما سُجل من قصص وأرقام عن تلك الفترة، وربطها جميعها في سياق واحد، بدلاً من محاولة تقسيم موجات الطاعون إلى أكثر من مرحلة. ولعل من بين الجهود العربية القليلة التي استمرت في تعريف القراء العرب بتواريخ الأوبئة، وكيفة التعامل مع هذا التاريخ بحذر، هو مشروع كلمة للترجمة، الذي أصدر في فترة قصيرة أربعة كتب عن هذا التاريخ، ضمن مشروع ترجمة سلسلة صادرة عن جامعة أكسفورد.

وكان آخر هذه الإصدارات كتاب «الطاعون» ترجمة محمد زياد كبة، ومن تأليف بول سلاك، مؤرخ للتاريخ الاجتماعي المبكر في أكسفورد. وخلافاً لعنوانه الذي قد يوحي بإعادة كتابة تاريخ للطاعون عبر العالم، كما فعل عدد من الكتب، يدعونا المؤلف لإعادة النظر في أدوات وأطر المؤرخين أثناء التأريخ لمرض الطاعون، وكيف تعاملوا مع المصادر واليوميات التي تركت عنه، وأين أخطأوا أحياناً، وكيف يمكن كتابة تاريخ جديد حول الطاعون، ولذلك يعد إضافة جديدة للمكتبة العربية، كونه يتيح للمؤرخين، وحتى للقراء، إعادة النظر في أسلوب تعاطيهم مع أرشيف وتواريخ الطاعون.

يبين سلاك أن الأنموذج الحديث للطاعون، لا يمكن فرضه على الماضي، ولذلك بات بعض المؤرخين يطبقون تقنيات علم الأحياء الحديثة على الحمض النووي المستخلص من رفات بشر عثر عليهم في مواقع، ربما كانت ذات صلة بأوبئة قديمة، كما يرى أنه في غياب أدلة مستقلة عن حجم ووفيات الطاعون، فإن الكثير يعتمد على الأدلة المتوفرة وحسب، بينما الإشكالية أنها أحياناً تعاد أو تنسخ إلى درجة معينة، ولا يعاد اختراعها أو صياغتها من جديد، كلما ظهر الوباء، فمثلاً يلاحظ في قسم كبير من هذه المراجع، أن الانطباع الوحيد الذي تعطيه هو أن المدن المصابة بالطاعون كانت بيئة يسيطر عليها الموت فقط، في حين نكتشف مع أواخر القرن السادس عشر أننا أمام مصادر ومنشورات جديدة حول الطاعون كتبها طيف واسع من المؤلفين، من الكرادلة إلى العمال البسطاء، بالعامية أكثر من اللاتينية، وهذا الانتشار يعني أن هذه الكتابات هي وليدة سياسات الأوروبيين وغيرهم من الشعوب في السيطرة أو التعامل مع الوباء، وربما ما يدعم قراءة المؤلف في هذا السياق، ما نعثر عليه في يوميات الطاعون، التي دونها تاجر حلبي في نهاية القرن الثامن عشر (يوسف الخوري) في سياق تدوينه ليومياته، إذ يؤكد هذا التاجر أن بعض أحياء المدينة قد عرفت في تلك الفترة إجراءات وقائية جديدة، لم تختبرها سابقاً، وهو ما مكنه من كتابة هذه اليوميات.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي